المقالات

هل النص التاريخي قابل للتأويل؟ (إبراهيم القادري بوتشيش)

يذهب بعض الباحثين إلى القول أن الكتابة التاريخية غير قابلة للتأويل، لعدم وجود غموض في السردية التاريخية، عكس النص الشعري ومختلف أنواع الإبداعات الأدبية اللغوية التي يكتنفها الغموض واللبس، بسبب ما تتضمنه من كنايات ومجازات واستعارات تستدعي الفعل التأويلي. ولم يتزحزح موقف المدرسة الكلاسيكية الاسلامية من جيل المؤرخين الأوائل عن هذه القاعدة (مع بعض الاستثناءات) ، اذ وضعوا خطوطا حمراء بين ” الكلام المفصل والمبين ” الذي هو قاعدة التأليف التاريخي عندهم، وأي كلام  آخر يوحي باحتمالات التأويل؛ لذلك لم يتجاوز مجرى التاريخ في دائرة اهتماماتهم أعمال “الانسان المتعاقد ” حسب تعبير الأستاذ العروي ، فالتاريخ حسب الاتجاه يدرس الانسان كإنسان مجرد، دون الاهتمام بما يندرج ضمن مخلفاته الإيحائية والتعبيرية .

وعلى نفس المنوال، سار بعض الباحثين المعاصرين انطلاقا من حجة يرونها مقنعة، وهي أن النص الذي يصل المتلقي لا يكون بالضرورة ناقلا أو مستنسخا نفس الأفكار التي أراد صاحب النص التعبير عنها أصلا ،. ولذلك ينبغي التمييز بين ما يسمى بقصدية الفعل، وقصدية التبليغ.

رغم وجاهة هذه الآراء القديمة منها والحديثة، فإننا نعترض على هذا المنحى الاقصائي للنص التاريخي من دائرة التأويل من عدة وجوه :

1- المعنى المضمر للنص :

ان المعنى الظاهري أو الصريح للنص التاريخي يخفي وراءه معنى مضمرا وجب البحث عنه عن طريق التأويل . وقد لمّح ابن خلدون إلى ذلك في مقدمته حين أشار إلى المعنى الظاهري والباطني ، فقال عن التاريخ أنه (( في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى ، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات وعلم بكيفيات الوقائع وأساسها عميق )) . وفي نفس المعنى يقول الجرجاني بكلمات معبرة أيضا : (( الكلام على ضربين : ضرب أنت تصل منه الى الغرض بدلالة اللفظ وحده وضرب آخر أنت لاتصل منه الى الغرض بدلالة اللغة وحده ، ولكن بذلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة . ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها الى الغرض، ومدار الكلام على الكتابة والاستعارة والتمثيل)). معنى ذلك أن المحمول المعلوماتي كما يعكسه ظاهر النص يبقى معتما ، لذلك فإن بعض النصوص هي في نهاية التحليل لعبة مزدوجة لنظامين: أحدهما تقريري واضح ، والآخر خفي مضمر، يفسح للمؤرخ مساحة التأويل ، لذلك وجب الاستعانة بأدوات ومفاهيم لسنية ، تمكن من النفاذ إلى منطقه الداخلي، وتجاوز بنيته السطحية .

        كما أن التأويل في التاريخ يصبح مشروعا عندما يكون المعنى الحرفي للنص غير معقول ، أو يبدو مضطربا أو منافيا للوقائع التاريخية المعروفة. ففي هذه الحالة لا يمكن للمؤرخ الحصيف أن يصمت أمام مشهد تاريخي غير عادي، لا تزكيه المعطيات ولا يقبله العقل. وفي غياب أي شاهد ملموس ، يضطر للجوء الى التأويل ، لكن عبر ضوابط ومحددات.

2 – بعد انفتاح علم التاريخ على سائر العلوم الأخرى، أخذت تقتحم مجاله نصوص جديدة تنتمي إلى حقول معرفية متنوعة المشارب كالأدب والفقه والأنثروبولوجيا وعلم النفس واللسانيات والسيميائيات إلخ وقد لعب هذا الانفتاح دورا أساسيا في التوجه نحو التأويل في التاريخ ، ذلك أن نصوصا تندرج في مثل هذه الحقول المعرفية تستلزم بطبيعتها عملية التأويل . كما أن بعضها يمثل وجهة نظر قوى المعارضة ، لكن تمّ سردها بأسلوب يعتمد على الرمز والتمويه كالتعبير بكلام ينسب الى الموتى ، أو بالخوارق والكرامات الصوفية ، أو التعبير بالأحلام أو بالمعنى المضمر، أو باستعمال صيغة المبني للمجهول في رواية الخبر .

وبالمثل يرد الكلام في العديد من أمثال هذه النصوص ” التاريخية ” على لسان الحيوانات ، وهو تعبير لا تفرضه الضرورة التعليمية التي يستهدفها صاحب النص فحسب كما ذهب الى ذلك أحد الباحثين، بل أيضا لتفجير جملة من المكبوتات السياسية والاجتماعية لديه . وجل هذه الصيغ التعبيرية تعد أشكالا نصية تاريخية مجازية قابلة للتأويل ، حتى أن بعض الباحثين اعتبروا أن الكشف عن المعنى المضمر وفك الرموز من القضايا الجوهرية التي تختص به الهرمنيوطيقا ، ولا يتم كشف المعنى المضمر إلا من خلال الحوار الذي يفتحه المتلقي مع النص.

        3 – التورية :

يوجد في تاريخ التصوف بعض أقطاب المتصوفة الذين اعتمدوا التأويل الباطني أو الظاهري وسيلة للبحث عن جوهر الحقيقة أو التصريح بها . وفي هذا السياق ، يذكر صاحب كتاب ” التشوف ” جملة من التأويلات التي كان يؤولها المتصوف الشهير أبو العباس السبتي ( القرن 6 هـ) ، صاحب مذهب (( الوجود الذي ينفعل بالجود )) وفق وصف الفيلسوف ابن رشد له . كان أبو العباس السبتي يربط الخطاب الديني بالواقع الاجتماعي، ومن ذلك تأويله لطقوس العبادات. وحسبنا أنه كان -وفقا لما ورد عند الزيات- (( يتأول الركوع في الصلاة  بالمشاطرة )) ، أي مقاسمة الأثرياء لأموالهم وممتلكاتهم مع الفقراء والمعوزين ، (( والسلام من الصلاة تعني الخروج من كل شيء)) ، أي التنازل عن كل ما يملك الإنسان قصد سدّ  حاجة الغير. بل كان يؤول كل حركة في الصلاة بتأويل خاص يدور حول مذهبه في الجود والإحسان . وكان له من براعة الكلام واستعمال الرمز وإخفاء مقاصد المعاني ما جعله يشتهر بفن ” التورية ” ، أي التمويه والتستر عن ذكر المقاصد ، الأمر الذي يستدعي تدخل المؤرخ لتفكيك طلاسم هذه التوريات التي تحويها نصوصه ، وتأويلها بما ينسجم مع الواقع التاريخي .

4 –  الإيحاء :

يعد الإيحاء إحدى الحوافز التي تجعل المؤرخ يلجأ إلى التأويل ، فثمة أعمال فنية كالصور واللوحات مثل لوحة الجوكندا والتماثيل المنتشرة في المدن وعلى أبوابها الرئيسية والساحات العمومية ، توحي بالعديد من التأويلات للمؤرخ ، وكذلك الحال بالنسبة لفن النحت والموسيقى والأشكال التعبيرية الفنية كالرقص والموسيقى والأهازيج والحركات الفلكلورية ، وأشكال الهندسة المعمارية والنقوش التي تزين جدران البيوت ، والزخارف التي تتميز بها صناعة الخزف والأواني ، كل هذه الأعمال الفنية الإيحائية وغيرها تسمح بهامش واسع من التأويل .

5- هيمنة النص التاريخي الصامت والمعنى المبتور في الإسطوغرافيا :

        تنبث في المصادر مجموعة من النصوص التاريخية التي لا تفصح بدقة عن معانيها ، وهو ما  يمكن نعته بالنصوص الصامتة أو النصوص المبتورة التي تخفي وراء السطور والمصطلحات أو وراء المعنى المبتور مجموعة من الحقائق المتسترة . ومعلوم أن صناعة المؤرخ لم تعد قاصرة على تقميش النصوص وجمعها ثم عرضها بطريقة جافة بعد ذلك ، بل ان احدى مهماته الأساسية تكمن  في استنطاق النصوص استنطاقا دقيقا عبر استمارة تتضمن مجموعة من الأسئلة التي يطرحها على النص وسارده حول المعاني والدلالات، وخصوصا الروايات التي تكون حمالة لعدة معاني تركها الناص دون تحديد ، وهو ما يستدعي تدخل المؤرخ عبر التفسير والتأويل .

6- ظرفية إنتاج خطاب النص :

إن بعض النصوص التاريخية – كأي نصوص مكتوبة – تتكون من مجموعة من المصطلحات المركبة ، المتضمنة لمجموعة من المعاني المحددة بلغة النص وظروف إنتاج الخطاب ، وكافة أشكال المعرفة المنتمية لحقل النص ، والتي تتأثر بقضايا العصر، وتتلون بالمناخ الثقافي السائد، .ناهيك عن حضور وعي الناص فيها . وكل هذه المعطيات المحيطة بالنص التاريخي لا تجعله يعبّر عن نفسه ، ويتطلب من المؤرخ مضاعفة مهمته بالانتقال من فهم النص إلى تأويله، وذلك بهدف  الوقوف  على معانيه الأصلية المحتملة. وفي هذا المنحى دعا ” مارك بلوك ” إلى ضرورة تجاوز المؤرخ – عند تعامله مع النص – حدود الخط واللغة التي كتب بها ، إلى التعمق فيه عبر شبكة الذهنيات ، والمعتقدات السائدة عصر كتابته.

7 – النصوص المؤولة أصلا :

 إن معظم النصوص التاريخية وصلتنا مؤولة أصلا في مصطلحاتها ومعانيها ، وآية ذلك أن الانقسام المذهبي الذي نشأ في ” دار الاسلام ” رفع من إيقاع التأويلات بين الفرق الاسلامية ، فظهر ما يعرف بالتأويل الباطني الذي تبناه الشيعة ، والتأويل السني الذي مثله السنة ، ناهيك عن تأويلات المعتزلة والخوارج والتيارات الصوفية . وكان التنافس بين التيارات المتصارعة يغذي مسألة التأويل باستمرار.

8- سيادة النص المحابي :

        إن التاريخ المدون يمثل النص السلطوي الذي تم إنجازه تحت اكراهات سياسية وضغوطات مهيمنة ، أو إغراءات سخية تدفع المؤرخ إلى منطقة التزلف والمغالطة وتزوير بعض الحقائق ، وإقصاء الثقافة المعارضة، مما جعله مشحونا بالألغاز والخبايا التي تستدعي التأويل عن طريق استحضار النص المضاد للنص الرسمي، وعدم إقصاء ثقافة المعارضة ان وجدت ، حتى يكون التأويل صحيحا.

9 – الرموز والألوان :

يوجد في التاريخ العربي العديد من الرموز والألوان التي لها دلالات ارتبطت ببعض الأسرات الحاكمة كاللون الأسود بالنسبة لرايات للعباسيين ، والأبيض للأمويين والموحدين والمرينيين ، والأخضر للفاطميين. وكل هذه الألوان تفتح باب التأويل، لأنها تنطق بأفكار ومواقف، دون أن تستعمل ألفاظا شفهية أو مكتوبة، وتكتفي  بإرسال  دلالات . كما أن شعارات الدول المتضمنة في ألويتهم تستدعي التأويل أيضا لأنها تحمل دلالات إشهارية ودعائية . وقد فطن ابن الخطيب لذلك، وعبّر عن الفكرة في معرض حديثه عن لواء العباسيين اذ يقول عنه : (( وهو لواء يدعى الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعا وراية تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا )) ، ثم يعلق على ذلك بقوله : (( وتأويل هذين الاسمين: الظل والسحاب، أن الدعوة تطبق الأرض وتعممها كما يطبقها ويعمها السحاب والظل )) .

        10 – علامات الألقاب والكنى وشارات الملك :

 تشكّل بعض الألقاب الخلافية بدورها موضوعا للتأويل ، ومن هذا القبيل لقب الخليفة العباسي المستكفي اذ (( قيل أن اللقب مقرون بالضعف وقلة النجابة )) ، وهو تأويل يزكيه بقاء الخليفة المذكور سنتين فقط في سدة الحكم ( 333 – 334 ه) بسبب ضعف شخصيته وافتقاره للصرامة والحزم.

        وفي نفس المنحى كانت كنى الخلفاء موضوعا للتأويل، ولا غرو فقد لقب الخليفة الأموي معاوية بن يزيد أو معاوية الثاني الذي لم يحكم سوى بضعة شهور بلقب ” أبي ليلى “. ويعطي ابن الخطيب المدلول التأويلي لهذه  الكنية بقوله : (( وذكر أن هذه الكنية تجريها العرب على المضعوفين )) ، مما يؤكد على ما تحمله الكنى من دلالات رمزية، رغم أن التأويل الذي طال الخليفة الأموي المذكور تأويل غير مؤسس، لأنه نسج بناء على الإيديولوجية العباسية المعادية للأمويين،  مما جعل مؤرخي الدولة العباسية يختلقون روايات تاريخية مدسوسة علي أعدائهم بني أمية.

وتبقى الشارات السلطانية بدورها موضوعا للتأويل مثل خاتم الملك والأريكة التي يجلس عليها، والمظلة السلطانية والصولجان. بل إن كل” الجسد السلطاني” يشكل مادة دسمة للتأويل، لأن جسد يتميز عن جسد الرعية. يقول ابن خلدون:(( اعلم أن للسلطان شارات وأحوالا تقتضيها الأبهة والبذخ، فيختص بها ويتميّز بانتحالها عن الرعية والبطانة وسائر الرؤساء في دولته ))، مما يجعل هذا التمييز غني بالإيحاءات. كما أن شارات الجيوش والحشم ورموز أزيائهم وألوانها وطريقة طرازها وطقوس احتفالاتهم واستعراضاتهم العسكرية تحمل علامات صوتية تتجلى في دق الطبول واستعمال الأبواق والقرون، مما يندرج في العلامات البصرية القابلة للتأويل. ناهيك عن المسكوكات ورسومها وشعاراتها وزخارفها. فكل هذه الأشكال وغيرها من القضايا التاريخية تفتح أمام المؤرخ باب التأويل الذي يثري الكتابة التاريخية.

        11 – دلالات الأسماء الطوبونيمية أو ما يعرف بالمواقعية أو أسماء الأماكن الجغرافية التي تحمل معنى تاريخيا وحضاريا يختزن ذاكرة حية؛ فكل اسم لمكان جغرافي صاغته عوامل مختلفة عسكرية واجتماعية وسياسية ترسم ثقافة مجتمع من المجتمعات، وتعطي إضاءات حول مجموعة من الامتدادات التاريخية مثل جبل طارق الذي ارتبط اسمه بالفتح الإسلامي للأندلس، وجزيرة طريفة نسبة لطريف بن زرعة أحد المساهمين في فتح الأندلس. ناهيك عن أسماء بعض الأماكن المرتبطة بأسماء القبائل أو الشعوب من قبيل “حومة العرب” أو “دور بني هاشم” أو “منازل الانصار” في الأندلس. فمثل هذه الأسماء تحليلنا إلى جماعات بشرية هاجرت أو استقرت بمنطقة ما، حتى أنها حملت اسمها. وهذا ما ينطبق أيضا على أسماء بعض الحومات والأزقة بالمغرب مثل ” درب ابن عتيق ” بالطالعة بمدينة فاس نسبة لبني عتيق العبدريين، أو زقاق الروم” بالقيروان” ، أو ” درب الفتيان ” بمكناس نسبة إلى الحي الذي كان يسكنه النصارى بالمدينتين، وحومة باب اليهود بقرطبة، نسبة إلى الطائفة اليهودية بالأندلس. كما أن أسماء بعض المقابر تحلينا على الجماعات البشرية التي استوطنت منطقة معينة، وبقيت بها إلى حين الوفاة مثل “مقبرة قريش” و”مقبرة بني العباس” بقرطبة، وغيرها.

ومن الأسماء الجغرافية ما يرتبط بالطقوس والمعتقدات الدينية والحضارية مثل ركراكة أو إيراكراكن، ومفردها أركراك ويعني في اللغة الأمازيغية ( المتبرك به) و” تامزوارت” أي المكان الذي يزار للتبرك. لكن ينبغي لمن يعالج تاريخ المغرب اعتمادا على المقاربة الطوبونيمية أن يكون ملمّا باللغة الأمازيغية حتى يفهم دلالات هذه المصطلحات وصلتها بالتاريخ والحضارة، فضلا عن ضرورة الاحتياط من التحريفات التي قد تتعرض لها بعض الأسماء، أو التغيّر الذي يطرأ عليها مع الزمن دون أن يفطن إليه الباحث في التاريخ.

والحاصل أن النص التاريخي كغيره من النصوص وصلتنا إما مؤولة أصلا، أو جاء مليئا بالرموز والإيحاءات التي تستدعي التأويل. وقد عرضنا في هذا المقال بعض المعطيات التي تجعل من المؤرخ مؤولا بامتياز، إذا احترم مجموعة من الضوابط في عملية التأويل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق