المقالات

نحو ربيع آخر (عادل الطاهري)

لعل آخر حدث سياسي هز العالم العربي يستحق أن يكون محل نظر المؤرخ هو ما سمي في أدبيات جيلنا بالربيع العربي، هو ربيع لأن أزهار الآمال العريضة تفتحت فيه، قبل أن تدوسها أقدام الانقلاب المضاد حتى لا نسميه “ثورة مضادة”. شكلت أحداث الربيع العربي ثورة حقيقية قامت على أساس من براديغم جديد : حرية – كرامة – عدالة اجتماعية، وهي ذات الشعارات التي استعادها آخر حراك عرفته منطقة شمال إفريقيا؛ وهو حراك الريف بمدينة الحسيمة في شمال المغرب، والذي تعاملت معه السلطات بعقلية استبدادية.

يحلو للكثيرين الحديث عن ضرورة الثورة الثقافية قبل أي انتفاضة شعبية. لا جدال في ضرورة الثورة الثقافية، لكن معظم من يلوك هذا الكلام وبنية مبيتة هدفها التيئيس يتناسى حقيقتين على الأقل، الأولى أن الشعوب العربية راكمت رصيدا مهما من الثقافة الحداثية، فمفهوم مثل الحرية يكاد يكون متغلغلا في لاشعور الإنسان العربي، يؤمن به ويتمثله في حياته اليومية، وإن لم يكن على دراية بتفصيل التنظيرات الفلسفية، لقد كان تمثل مفهوم الحرية في بداية وفوده على العالم العربي، بعد صدمة الاحتكاك بالغرب، مضببا مضطربا، حتى عند الأنتلجانسيا والنخب العالية الثقافة، يكفي أن نستحضر هنا محاولة الطهطاوي لتبيئة المفهوم، فالطهطاوي نقب في ثقافته الفقهية عن مضامين قد تؤدي ذات المضامين، فقال في عبارة مثيرة يعرف الحرية “هي رخصة العمل المباح من دون مانع غير مباح ولا معارض محظور”، بالفعل الطهطاوي يسترسل في حديثه عن الحرية فيشير إلى الحريات السياسية المتعارف عليها، ونقيضاتها من ممارسات استبدادية تعسفية، غير أن التجاء الطهطاوي إلى الثقافة الفقهية يشي بتخوف مسبق من رفض المفهوم بحمولته الغربية، بينما ما يبدو الآن مستهجنا داعيا للنفور هو هذا الحديث عن “الرخصة” بدلالتها الفقهية، أي تساهل الشرع مع إتيان بعض المحظورات في بعض الظروف الاستثنائية.

الحقيقة الثانية التي يتناساها هؤلاء المثقفون التيئيسيون، أن مفاهيم الحداثة النظرية كانت في الواقع بنى فوقية لتشكيلة اقتصادية اجتماعية استجدت في الغرب، إنه لم يكن من الممكن زرع الحداثة نظريا في مجتمع فيودالي استبدادي، فهذه المنظومة الفكرية تساوقت مع نشوء طبقة جديدة هي البورجوازية، والحداثة كانت سلاحا في يدها لقهر خصومها (رجال الدين، الإقطاعيون، الملوك) ولم تكن مجرد نزوة فكرية، نجد أمثل برهنة على هذه الحقيقة في كتابات ماركس. المثقف الذي يراهن على التغيير الثقافي أولا يتناسى هذه الحقيقة، ويلغي من حسابه تأثير البنى التحتية من أنماط إنتاج اقتصادية وعلاقات اجتماعية على بنية الفكر، هل يجب أن نذكر هنا بما أشار إليه أحد الأخصائيين في علم النفس عن “سيكولوجيا الإنسان المقهور”؟ ولهذا فأمام أنظمة ديكتاتورية، تبيع الأوطان رخيصة لأبناك دولية، ويسود فيها اقتصاد ريعي غير عادل، لا يمكن استحداث بنية فكرية جديدة، بل إنها –أي الأنظمة- تنعش بؤر الجهل والخرافة، ويكفي هنا استحضار كم تنفق بعض الدول العربية على الطرق والزوايا التي تعبئ الجماهير وتربيهم على قيم الخنوع والطاعة والركون للأمر الواقع، ولعل ما يشير إليه بعض الأخصائيين الاقتصاديين في المغرب عن ثبات السياسة الاقتصادية التي لم يجن منها الوطن إلا الكساد رغم تناوب الحكومات العديدة منذ فجر الاستقلال ما يوحي بوجود ثابت بنيوي مسؤول عن هذه السياسة الاقتصادية المتعثرة.

لا يمكن إلقاء اللائمة على الشعوب فقط، بل إن آفة الربيع في مآلاتها التي لم تكن محسوبة بشكل جيد، إنه ودون أن نكون متشبعين بالثقافة التآمرية، يمكن تحميل الغرب شيئا من المسؤولية، فالغرب هو الذي فرخ الأصوليات الإرهابية في العالم العربي، وهذه الجماعات التي تعيث فسادا في بلادنا صناعة غربية، هل الغرب الذي أهدر الملايير في حروب للقضاء على ما أسماه “الإرهاب” عاجز عن القضاء على تنظيم مثل داعش؟ الأدهى وكما يشير السوسيولوجي الكبير فالح عبد الجبار في واحد من أهم الأعمال التي نشرت عن تنظيم داعش “دولة الخلافة : التقدم إلى الماضي، داعش والمجتمع المدني في العراق”، بعض هذه الدول الغربية تشتري البترول القادم من الأراضي التابعة لتنظيم داعش بأثمان بخسة، ما يعني أنها غير جادة في وضع حد لحالة الفوضى المستشرية في الوطن العربي، بل إنها تستفيد من هذه الأوضاع. وقد يفيد التذكير هنا بشهادة الأستاذ الجابري في كتابه “العقل السياسي العربي” حيث يقول عن دور الغرب في تعطيل النهضة العربية “في العالم العربي الإسلامي، كان العامل الخارجي من أبرز الأسباب التي كانت وراء تقهقر إلى الحروب الصليبية إلى التوسع الأوربي الحديث”.

 ودون أن نطيل في هذه الحقيقة التي أضحت واضحة لا تحتاج لتوضيح مع تصاعد رؤساء غربيين بعقلية أقرب إلى رجال الأعمال  منهم إلى رجال السياسة، بالدلالة الميكيافيلية للمارسة السياسية، فيكفي أن نلمح إلى أسلوب تعامل الغرب مع الأنظمة التقدمية في العالم العربي (العدوان الثلاثي على نظام جمال عبد الناصر بعد تأميم قناة السويس)، والشخصيات الثائرة المعادية للسياسة الرأسمالية والمناصرة للعالم الثالثة والحركات الأممية (المهدي بنبركة)، حتى نخلص إلى قولة سارتر ” الآخر هو الجحيم” L’enfer c’est les autres ، إنه منذ وعى الغرب الحديث بذاته وهو ينشئ المؤسسات الثقافية لدراسة الشرق في أفق إخضاعه كما يؤكد إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” Orientalism، فالمفكر الفلسطيني يشير إلى تأليف ما يقرب من ستين ألف كتاب عن الشرق بين سنتي 1800 و1900، وقبل أربع سنوات من الحملة الفرنسية النابوليونية على مصر أسست “مدرسة اللغات الشرقية الحية” وأسندت رئاستها إلى سلفستر دساسي الذي يسميه إدوارد سعيد “أب الاستشراق”.

ثمة شيء آخر لابد من إعارته الاهتمام لتفهم مآلات الربيع العربي، لقد أوصلت الثورات تيارات الإسلام السياسي إلى سدة الحكم، هل يعني ذلك أن التاريخ يتراجع إلى الوراء؟ حسب مفهوم مكر التاريخ للفيلسوف هيجل، يمكن أن نعتبر ما حدث نصف الحقيقة، وهو ما أشار إليه في تحليله الهيجلي للثورات العربية الباحث هاشم صالح في كتابه “الانتفاضات العربيو على ضوء فلسفة التاريخ”، نقول نصف الحقيقة لأن التاريخ يتقدم بتراجعه كذلك، فما يبدو لنا تراجعا أساسي وضروري لكي يتحرر التاريخ مما يعلق به، ذاك هو العامل السلبي في ديالكتيك هيجل، لكي نتجنب مصيرا ما يلزمنا أن نعيشه، وحين يلامس الواقع ويتجسد فيه ندرك أنه لم يكن كما نتصوره.

لقد جربنا تجربة الإسلام السياسي، وربما النتيجة التي خلصنا إليها أنه ليس في تجربة حكم هذا التيار ما نتخيله عن المقدس والإلهي، إنها حركات بشرية، وحتى حين ترفع يافطات دينية، فهي في الواقع ترفع تأويلات بشرية للمقدس. إن الحقيقة التي تصدمنا بعد أزيد من ثماني سنوات من وصول تيارات الإسلام السياسي إلى سدة الحكم هو فشل هذه التجربة فشلا ذريعا، وبالتالي فشل النموذج الذي راهنت عليه الشعوب العربية بعد إسقاط الأنطمة الديكتاتورية. في مصر لم يكن المصير المأساوي لتيار الإسلام السياسي إلا نتيجة لسوء تدبيرها المرحلة، وتسرعها لاقتسام الكعكة بين الأنصار والأتباع، وفي المغرب؛ كل الشعارات التي رفعت من قبل هذا التيار اندحرت على أيديهم اندحارا، فمن الفضائح الأخلاقية التي استبشعوها سابقا، إلى الاستفادة من الريع الذي اعتبروه يوما المؤشر الأكبر على الفساد، إلى الازدواجية في الدفاع عن مبادئ حقوق الإنسان حيث التعامل معها بعقلية الطائفة لا الإنسان المنتمي إلى المجتمع المدني، ولائحة الانتكاسات طويلة؛ وفي تونس حيث تيار الإسلام السياسي يفقد هويته وينصهر في بوتقة العلمانية البورقيبية، كلها تجليات لحقيقة واحدة : نهاية الإسلام السياسي.

لكن مع ذلك، درس يمثل أمام ناظرنا بعد ثورات الربيع العربي، وهو أن قدر الشعوب الإسلامية هو الإسلام، فالوجدان الشعبي العربي لا يحركه غير هذا الدين، وما ثقته في حركات الإسلام السياسي إلا دليل آخر على هذه الحقيقة، ولهذا فكل مشروع نهضوي جاد لا يمكن أن يلغي من حسابه هذا البعد الديني وإلا فإنه سيبوء بالفشل لا محالة، وهو ما تنبه له الفيلسوف والرئيس المصلح علي عزت بيجوفيتش عندما قال في كتابه “الإعلان الإسلامي” :”أثبت التاريخ حقيقة واحدة لا لبس فيها : وهي أن الإسلام هو الفكرة الوحيدة القادرة على إطلاق خيال الشعوب الإسلامية”، غير أن بيجوفيتش كما سنرى في المقال المقبل، لاينظر إلى الدين كأحكام وتشريعات فقط، بل كأخلاقيات وقيم، كنظرة وجودية إلى الوجود، أي كدين متعال لا كتدين، بالدلالة التي يضفيها على المفهومين الأستاذ عبد الجواد ياسين في كتابه “الدين والتدين”، فالدين سابق على التدين، سبق العقيدة على الشريعة، وسبق المجتمع على الدولة، الأول المادة، والثاني شكلها. إنه لابد من مشروع نهضوي يستلهم الدين الإسلامي، تسري أخلاقياته في شرايين المجتمع، من أجل ربيع آخر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق