المقالات

مَن كان الغنيمةَ حقّا يا كاتب ياسين؟(عبد العلي الودغيري)_3_

الماشي في طابور الاحتلال أخطر من الاحتلال نفسه:

قد يقال إن دخول الاستعمار إلى المنطقة أمرٌ حتَّمته حالة الضعف والانهيار الشامل التي مرَّ بها العالَم الإسلامي، وربما كان في فرض لغته عليها خيرٌ لأبنائها وشعوبها، من باب (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم)؛ فبهذه اللغة استطاعوا الاحتكاك بالغرب وفهمه، والاقتراب منه، واكتساب معارفه وعلومه ونقلها والاستفادة منها، والانفتاح على حضاراتٍ وعوالم أخرى، والانتقال إلى طور الحداثة الذي فرَضت نفسها على العالَم بعد دخول أوروبا عصر الاكتشافات والاختراعات والانفجار الصناعي والثورة العلمية والثقافية والاقتصادية. وهذا، كلام قد لا يخلو في ظاهره من واقعية وبراغماتية، لكن موضوعنا هنا ليس توجيه اللوم للاحتلال الفرنسي على ما عمله من أجل نشر لغته وبسط نفوذها، إذ ليس هنالك من قوة استعمارية لم تعمد إلى نشر لغتها وثقافتها، وإن كانت الطريقة التي استخدمها الاحتلال الفرنسي من أجل ذلك، أعنَف وأقسى بكثير مما قام به الاحتلال الغربي الحديث عمومًا؛ فسياسة الاحتلال الفرنسي كانت تركّز كما ذكرنا من قبل، على عنصر اللغة أكثر من تركيزها على شيء آخر، لاعتقادها أن الاستثمار في اللغة هو الأبعد أثرًا وتأثيرًا، وأن تحقيق الأرباح المادية والسيطرة الاقتصادية عن هذه الطريق أضمن وأبقى. وقد كان لها في ذلك بُعدُ نظر. والدليل هو ما نراه اليوم بعد خروج فرنسا من مستعمراتها، فقد صارت استثماراتُها القديمة القائمة على تركيز لغتها وثقافتها ونشرهما ولو بطريقة مستفِزّة، هي التي تجلب لها الأموال وتفتح أسواق أكثر من سبع وخمسين دولة عضو في السوق الفرنكفونية. إنما يهمنا قبل لوم المحتلّين على احتلالهم ومحاسبتهم على سياساتهم اللغوية التي كانت الغاية منها اجتثاث اللغة العربية وإحلال لغتهم محلَّها، أن نفضح زيف بعض الشعارات التي أصبح أذناب الاحتلال وورثتُه وخُدامه ــ وما زالوا ــ يتخفَّون وراءها لحماية مصالحهم ومصالح أسيادهم، التي لا يمكن أن تُقضى وتستمرّ في التدفّق على الوجه المطلوب، إلا إذا استمرّت اللغة الفرنسية في بسط سيادتها وهيمنتها على مجتمعاتنا ومؤسساتنا، كما كانت عليه في زمن الاحتلال الاستيطاني أو أكثر مما كانت عليه، رغم الآثار المدمّرة التي تُلحقها بلغتنا وهويتنا. وما يَضيرُنا حقّا هو أن يظل هذا اللوبي الفرنكفوني متحكِّمًا وقادرًا على مخادعة الناس واستمالتهم، وعلى فرض السياسة اللغوية التي رسمَها الاحتلال، والسهر على تنفيذها بالطريقة التي خطّط لها أو بما هو أنجع وأقوى. هناك مقولة تروج منذ عهد ابن خلدون خلاصتُها أن المغلوب مُغرَم بالغالِب، وهناك مقولة حديثة لمالك بن نبي تقول إن الذي رسَّخ جذور الاستعمار، بشكليه الاستيطاني والثقافي واللغوي، في المنطقة هو القابلية للاستعمار الموجودة عند فئة عريضة من المستعمَرين والمغلوبين. وعلى غرار ذلك نقول: إن الطابور الفرنكفوني الذي تربَّى في أحضان الاحتلال وتغذّى على لبانه، وتشبَّع بسلوكه، وورث منه أفكاره وطباعه وخصاله وطموحه، وارتبطت مصالحه بمصالحه، هو الأخطر على الشعوب من الاحتلال نفسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق