المقالات

ميتافيزيقا المطابقة(مراد ليمام)

إن مجابهة الطاقات المرتسمة على آفاق المستقبل، تستدعي المشاركة في بهجة الإفصاح عن موضع محتمل يستحث الإنسان إلى الاضطلاع بمساءلة وجوده. فالسؤال بصدد هذا الأخير يحتاج إلى شفافية مناسبة، وحركية مندفعة تطيح بكل شيء محدد سلفا دون أن تستنفذ السؤال. إذ يحطم هذا الانبثاق كل فهم مضطرب وباهث يدعي الإجابة عن السؤال،بمبرر إمكانية تحقيق توازن داخلي يتحرر من الحاجة إلى رثق ما راء الإمكانيات المدركة داخليا والمتحققة فكريا. فهذا المستوى من الفهم، لايستطيع أن يحدد الأفق الذي يتم عبره إدراك إجابة أصيلة للسؤال، طالما مصادر تعيُّنه –في هذا المضمار- تستلهم مفاهيم ميتافيزيقية متصلبة. فلقد نصبت نفسها حسيبا ورقيبا يرتسم بواسطتهما قوام قضايا عديدة مثل الله، وأصل الوجود، والإنسان… عندها امتزجت هذه القضايا بالمفاهيم الميتافيزيقية على نحو قلص من فاعلية التجربة الإنسانية وحيويتها في المجتمع العربي. لقد أنشأت هذه المفاهيم عمارة معرفية أضحت السلطان المتربع على وعي العرش العربي بحسب مقولات لفظية تهب للأشياء قابليتها للإدراك، وتختزن كل الصور والحوادث ضمن نواة مضمونية ثابتة تهيمن على الكائنات وتُخضعها لمشيئتها.

هكذا، سقطت الميتافيزيقا الدينية في مفاهيم محددة سلفا تدعي الامتلاك الدائم والمسبق لحقيقة ما تعنيه القضايا السابقة، بانتقاء مسلك واحد في الفهم. فطريق هذا الأخير تابع لنوع من المنطق الحاكم الذي لا يتيسر إدراكه إلا عبر ضرب من التبعية لفكرة المطابقة الموافقة لدلالة الأصل. وبتعبير أدق: إن معالجة القضايا –من وجهة نظر هذا الفهم- لا يمكن أن تتأتَّى سوى بصورة الفكر التقليدي، وبأسلوب القدامى في معالجة إشكالياتهم. إنه الخطر الذي لا ينازعه خطر، طالما يستدرج الذات الإسلامية داخل إطار لطالما أحست فيه بالألفة، واعتبرته معلوما، وربما بديهيا.

فالوهم القائم على الاعتقاد الراسخ بأن ثمة بداهة ينبغي أن نتعرفها آليا بمجرد طرحنا للسؤال، ينفي كل نشاط متوثب ودائم الحركة اتجاه الواقع ليستبدله بخمول يتلذذ بامتلاك اليقين. إن وهم حيازة هذا الأخيرقد حدد المصير اللاحق للتفكير الإسلامي، ليغدو قدر هذا التفكير هو نفي كل ما يمكن أن يلحقه من معرفة. فما أبقته الميتافيزيقا الإسلامية مغفولا عنها هو فعل التفكير عينه الذي سلب –تدريجيا- نفسه بنفسه ضمن تقليد رجعي لأمر انقضى وانتهى، ليكف عن اكتشاف واصطياد ما في تخوم الحياة وتجاربها من درر وكينونات صافية.

فمن شدة الإصرار على صدارة الأصل القابع في دهاليز الماضي، أضحى التملك على اليقين سمة مكونة للوعي العربي الذي انقلبت بمقتضاها رؤية الوجود والقضايا الدينية إلى مجرد صورة معروضة في ثوب مفهومي يرادف مقولات لفظية معينة. إلا أن الوعي العربي لم يتحسس قط مبلغ العوز الناشب في صميم ميتافيزيقاه، مما أفقده صلته العفوية بالفكر بناء على مقولات تدعي نحت مقتضيات الوضوح والبداهة التي جعلتهما دلالة الأصل معيارا للمعرفة الصحيحة. إن ما تدعيه هذه الدلالة من الوضوح والتماسك يحول حركية الفكر الحر إلى تمثال صمدي يستمد من تلك الدلالة قوام معقوليته، بعدما أفرزها في إطار صيرورته الدائبة اتجاه استقبال إيماءات سر المطلق المنغل في ثنايا الوجود كله.

هنا، ينحدر الفكر إلى مصف التابع لمُثل يعاين فيها قمة كماله، ويجسد فيها عين جوهره، بوصفها صورة نموذج ينبغي أن يكون عليه إذا ما أراد أن يُغمر ببهاء الهوية المبطلة للتعددية واللصيقة بالنمذجة التكرارية. لقد أنشأت الميتافيزيقا الدينية مدخلا للتفكر في الوجود  بجعل الفكر يترصد العناصر المكونة للاختبارات الدلالية التي أفرزها في السابق، فأغفلت حقيقة ارتباطاته التي ينبغي أن تأتمر بحركيته، ليصبح في المقام الأول فكرا يستجلي معاني الوجود بحسب ما ترتئيه ديناميته عند تدبره للعلاقة التي ينشئها مع الوجود.

إن حركية الوعي المسكون بوهم المطابقة قائم على دلالة الأصل التي تتسلى بلعبة الإرجاعات. فما يبرر جهدها هو قلب حركة التيار بالتراجع إلى الخلف: أي من المنبع إلى المصب، فلا تبارح قط تنويعات المصب في حركة هائمة تدعي إنهاء لعبة الإرجاعات إلى نقطة البدء. أمسى التأشير على المطابقة مع الأصل هو مقياس إعادة بناء الدلالة، عبر التفكير بالمشابهات والمحاكاة. في هذه النقلة –التي تجعل الفكر ملتحقا بدلالة أفرزها- يتأسس وعي المماثلة بشكل لايدع الفكر يغادر سكونه عند الإقامة في عزلة الثابت الذي لا مكان له أصلا. إنها السكونية والأبدية الجوفاء التي ترسم معالم وعي طفولي يدير ظهره إلى الفكر باستيلاب حركيته، وإقحامه في معادلة القياس المنشئة لميتافيزيقا المطابقة. تتجوهر مينافيزيقية هذه الأخيرة في تأصيل أن ثمة إيجابية غير معهودة في الماضي –باعتباره التعريف الحقيق للأصل- وتغليبه على الحاضر المتصدع، والمستقبل المشكوك في مدى صلاحيته أو مدى إمكانية أن يكون نموذجا صالحا للحياة.

فالاعتقاد الجازم بالحدث التأسيسي الأصلي يسيطر على الذهنيات والسلوكيات، يجعل كل صحوة دينية أو دنيوية لمقاومة الخواء الروحي والمعرفي تتأسس على الورع الديني القديم باستعادة التوازنات المفقودة من أجل طمأنة الضمائر المتوجسة، والتأكيد على الرغبة في المحافظة في حين يتعلق الأمر بالتحول.

لعل الوهب الأصلي المنبجس من الفيض الدلالي لحركية الفكر قد أُخضع لمقولات الكمال، والنقاوة، و القدامة، والقدسية، والسلف… لتنبني بذلك الحدود الدلالية لعقيدة ترسم صورة براديغمية لمبلغ الكمال المتصوَّر في التطابق الـتأصيلي بين اللاحق والسابق بوصفه الأصل.

إن التكرارية الوظيفية نحو العودة للمماثل المقصود ضرب من المحدودية القاهرة، فبدلا من أن تدع الفكر يستأنف نجازته المؤسسة للإرادة الفردية الجديدة، تُلزمه العودة من أجل الإقامة في دلالة مشتقة من هيئته بإحقاق الصدع في دياليكتيكه التكويني. هنا ينأى الفكر عن مجراه الحيوي الدفاق ليسلم أمره لدلالة المماثلة على نحو لا تدعه يفجر حركيته في الاختبارات الوجودية لهوية الكائن الإنساني. الهوية هنا، باتت قائمة على الانطباق الكلي مع القوالب اللفظية لتصور دلالي ينمذج التقليد، ويستحث الفكر على ملازمة نماذج الماضي باستدعاء تعليقات، وحشو مصحوب بتبحر مهووس في الأصل الموهوم.

يفرض وهم المطابقة إذن إقامة نظام هندسي من العلاقات المقولية المحكومة بهم التماثل التأصيلي بين الفرع والأصل. فهاجس إقامة التكافؤ والتوازن مع الآخر لا تتحقق إلا بمنهج التقليد، وتقديس العودة، بشكل يزيد من طبقات الوهم المتراكمة طارحا معيار التكرارية أداة منهجية مرجعية. فمغزى هذا الإخراج الهندسي ينحدر من التشكيل اللغوي للفكر الذي يتم بموجبه إشادة قوام هندسي للغز علاقة الإنسان بالوجود في صيغة دلالة ينظر إلى إنتاجها لا إلى فاعلها. فالبناء الهندسي للتفعيل الدلالي يختلف عن صانعه الذي يشكل تدوينه الأصلي في منطوق فكري وإشارات موضوعية. فالعمارة المتراصة من المفاهيم المنحوتة على قياس بعضها ليست سوى حدودا دلالية مقتطعة من مجموع القيم الرمزية التي يمفصلها الفكر. إلا أن عبودية الأصل والرغبة في فرض وهم المطابقة والتقليد كرست فكرا سلفيا تراثيا معلقا بقدسية الحركة الدائرية المغلقة. إنها مناصرة للعودة الأصولية والانقداف الارتكاسي ظنا أن الأصل ينطوي على مواعيد المستقبل.

وتتجاذب الأصوليات المتزمتة أو المتنورة فكرة العودة الحالمة إلى زمان القداسة والأصالة لينكشف نور الحقيقة الساطع للمقدس في صورة دلالة تقيس مدى تطابق الإنجازات البشرية مع التقليد الموروث.  إنه تبرير استباقي لشروط إمكان إدراك الوجود الإنساني ضمن مشروع دلالي يوضح أن الفكر لا يمكن له أن ينتج أو يبدع فكرة إلا من خلال تفكير يرتد إلى الخلف ويتجذر بالعوة إليه.

ومن ثمة، تتأسس شروط المعرفة الصحيحة عن طريق المنهجي التواتري، بحيث تحمل طريقته الاستدلالية سمة الضرورة. فإذا كانت المعرفة صورة من صور الفكر بخصوص الوجود المعطى، فإن إحدى هذه الصور اتخذت شكل دلالة أصبح معها الفكر مجرد وسيلة لإظهار وكشف سلطتها المرجعية. والواقع أن هذا النوع من البرهان يقوم على دلالة معلومة بوصفها الأصل الذي يرتد إليه الفكر. فلا يكون حاصل عمليات القياس سوى مصادرة المطلوب وادعاء صحة النتيجة قبل البرهنة عليها. كل ذلك أدى إلى تقييد دور الفكر وتضييقه، حتى تحول إلى فاعلية تابعة لدلالة الأصل المفروضة. ثم صار إنتاجه استجابة شرطية محكومة بالمطابقة التأصيلية لوجود سابق. هنا أضحى الفكر أداة فكرة الأصل، فقيمته لا تتحدد إلا بإثبات دلالة بعينها طبق معيار المماثلة. ضمن هذا المنظور، الفكر لا شأن له ببناء الدلالة وتشكيلها، بل تتمثل فاعليته في القدرة على المطابقة والتعلق بنمط مثالي عام يسمح بإقامة العلاقات بين الوجود الخارجي والداخلي، وبين بناء صورة هذا الترابط داخل الذات بما يتناسب واعتبارات التنظيم القبلي لدلالة الأصل. في ظل هذه الوضعية، ستغدو حركية الفكر ترادف إتقان التطابق والتناسب بين الوجود المعطى وبين مسلمات محددة سلفا.مما يعني أن شروط الحركية هنا لا تمثل وعي الذات لذاتها وبذاتها، بل تشير إلى تمثل الفكر للمقتضيات السابقة. ويقودنا ذلك إلى القول: إن تحقيق الذات وتحققها لا يتَأَتَّى بصيغة الراهني، بل عن طريق نظام سابق يُرجى تأكيد وجوده وحضوره آنيا لأنه مبلغ الكمال المُتصَوَّرِ.

إن هذا النوع من العقلنة المنغلقة، تجعل الفكرة تحل محل التفكير والتفكر الذي يُفترض فيه تجاوز كل عمليات تكوين الدلالة وتعقيلها في أفكار. فالتطابق بين عمل الفكر وما يمكن أن يُنتجه من دلالة ليس سدرة المنتهى، بل هي مرحلة عبور يسترشد فيها الفكر بحركيته والمسطحات الدلالية التي أفرزها لاستشراف نماذج دلالية تحقق إحداها الكمال الذي يبحث عنه في حقيقة العالم، وحقيقة وجوده. تلك هي الخاصية المؤسسة لمفهوم الفكر بوصفه العام والفريد في نوعه الذي يولد خصوصيا في كل زمن وعصر من عصور الجماعة اللسانية، ودون أن تلحق عموميته أي اختزال دلالي. فهو الباقي المستمر مع نفسه في الطريق الطويل والشاق الذي تقطعه حركيته لمفهمة الوجود. ففي كل مرة تعيد هذه المفهمة اكتشافه مفارقا لدلالته السابقة المسيطرة. اللاحق هنا، يفترض السابق ويومئ إليه باعتباره الأصل الذي لم يعُد قادرا على صيانة أصالته وحمايتها،ليتحول اللاحق إلى ضد ينحل معه السابق وفكرة الأصل.

تُمفصل حركية الفكر الكائن الإنساني في العالم عندما تبني وحدته ومرجعيته في دلالة تتحدى الاختلافات اللامتناهية لوجوده الداخلي والخارجي. لحظتها يستشعر الكائن هويته الواقعة بمنأى عن كل ما هو مغاير، لكن دون أن يعنيَ ذلك التطابق بين الفكر ودلالته. مما يعني انتفاء تصنيم الدلالة المنشغلة بتأكيد أُحاديتها بوصفها مرجعا للفكر.

يُحيل الفكر هنا، على القدرة اللامتناهية على التفكير الموضوعي والتفكر الذاتي في مجاهل الطبيعة، والعالم، والنفس البشرية. فاللامتناهي يرعى المتناهي على الأرض بنشر الحكمة، والقانون، والأخلاق عن طريق مبدإ التنوع الدلالي. بهذا المعنى، يكون التنوع الدلالي تحقيقا لذاتية الفكر الطليقة، وإشارة إلى وعي يتطور في ارتقائه الفكري، على اعتبار أن الوجود المتعدد الدلالات ارتقاء وأن الأحادية فقر. فحركية الفكر وما يقذفه من دلالات صيرورة بلا بداية ولا نهاية: أي صيرورة حية لا تحتكرها دلالة بعينها. فالاحتكار يجهض حركية الفكر الدؤوبة، ليختلس منه الحياة، فيتحول إلى مومياء تحنطها دلالة أحادية.

بهذه المقدمة يكون الفكر إجراء توليديا يقيم أساسيات المعرفة والكيفية التي ترسخت بها أبجديات الدلالة ونظام خطابها. هذا الأخير، يمثل ما خلَّفه عمل الفكر في جماعة بشرية، لأنه حصيلة دلالية مطردة في ظرف تاريخي ما. فجملة المبادئ والقواعد التي تقدمها حركية الفكر عند اكتسابه المعرفة وإنتاجها، وعند قراءة الوجود وتدبره في زمن ما ينحدر إلى نسق دلالي أنطولوجي يؤسس نظام الخطاب بوصفه نظاما معرفيا يشيد “جملة من المفاهيم والمبادئ تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية[1]. يبدو الفكر مخترع قصة الجماعة، ومن جملتها بالطبع قصته الخاصة دون أن يصير ضحية لها. هنا، تمشهد حركيته نظامه الخاص الذي يجعله في كل مرة مخترع قصة-دلالة الجماعة دون أن يقع فريسة لها. لا يتصنم الفكر في نظام الخطاب، بل هو دليله العيني الذي يكاد يكون معادلا موضوعيا لوجوده الدلالي: الفكر حضور عياني  يشخص دلالة نظام الخطاب في مرحلة تاريخية ما. والحضور لا يعني الامتثال والتوثن في دلالة ما لأن ذلك يُسقطه في مصيدة المطابقة والمماثلة. وبتعبير آخر: لا ينبغي للفكر أن يبرهن عن استحقاق دلالة ما، وليس لزاما عليه أن يخوض معارك السيطرة لإثبات أُحاديتها، وإلا غدا التطور والتقدم مكرسا لشرعنة أحقيتها التاريخية عبر التماهي مع الصورة النموذجية للرقي والازدهار كما يبررها عمل الفكر عن نفسها(الدلالة). هنا، يمسي جهد الفكر تظهير الإمكانيات الدالة على تميز أحادية الدلالة بمنحها أقصى التبريرات المؤدلجة لتنقض على حركية الفكر نفسه، فارضة على الجماعة مشروع الازدهار بما يتفق وملامح الترائي مع النمذجة التكرارية.


[1]  عابد محمد الجابري: تكوين العقل العربي. ص26.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق