المقالات

موسوعة رواد الإصلاح في المغرب خلال القرن العشرين، عمل متفرّد بدلالات متعددة.(عبد السلام ديرار)

اغتنت الكتابة باللغة العربية مؤخرا بمولود جديد، هو موسوعة رواد الإصلاح في المغرب خلال القرن العشرين، الصادرة ضمن منشورات مركز بن غازي للأبحاث و الدراسات الإستراتيجية، و بإشراف منه و عمل مضن واضح لباحثيه. يتعلق الأمر بعمل متفرّد، و بدلالات متعددة، فهو تجسيد رفيع لقيمة رفيعة ترانسندنتالية هي قيمة الاعتراف، و الاعتراف هنا بهذه الموسوعة الثمينة هو لرجال و نساء “نزلوا إلى الحدث” (المغربي) بلغة الفلسفة، أو اختاروا أن يكونوا فاعلين فيه بلغة علم الاجتماع، مراهنين على إصلاحه و دفعه باتجاه التجاوز، أو باتجاه انبثاق مغرب جديد يقطع مع نكباته و عوائق عودة الحياة إلى نسيجه. كلٌّ بطريقته الخاصة، من المقاوم بسلاحه في مواجهة الغزاة، و الداعية المراهن على استنهاض الهمم، إلى السياسي المحنك الذي راهن على استنبات التنظيمات المؤهّلة لـ” المواطنين”، و المحصّنة – بذلك – للوطن، و المشتغل بالفلسفة أو بالعلم، المؤمن بأن خلاص الوطن في تخليص عقول مواطنيه من قيود و أغلال متراكمة، تحول بينهم و بين أن يكونوا فاعلين، أو حتى معنيين بخلاص الوطن، يملكون ما به ” يسمعون ” من “يناديهم ” مهما كانت خلفيته. ثم إلى من جمع بين أكثر من عتاد واحد لـ” مناداة ” شعبه، إصرارا منه على ضرورة الخلاص من حال الوهن.

   و الموسوعة عمل متفرّد، لكونها تتيح للباحثين الحاليين و المستقبليين فرصة ناذرة، أو على الأصح مادة تجريبية ثمينة حول نخبة مغربية من مختلف المشارب، خلال لحظة تاريخية محددة، و فهمها لطرق و سبل الإصلاح المجتمعي، و مكامن القوة و الضعف عند كل طرف من هذه المشارب، مما يفتح الباب أمام إمكانية صياغة نموذج تركيبي يجمع و يوحّد، بالتركيز على المصيري المشترك ، و إرجاء القابل للإرجاء، و للحلّ بالحوار، بعد وضع المصيري على السكة الصحيحة.

  و الموسوعة عمل متفرّد لتجسيد الذين سهروا على إعدادها لقيمة رفيعة ناذرة عند المشتغلين بحقل الخيرات الرمزية، المسكونين في الغالب برغبة و نهم ( مرَضيين في العديد من الحالات) في الانتشار و احتلال ميكروكوزمات الحقل الثقافي، فهي فتحت الباب واسعا لكل الباحثين، مغاربة و غير مغاربة، و لا شرط غير الرصانة و العمق والدقة في الذي يقدمونه. قليلون هم الكبار الذين جسدوا هذه القيمة، يحضرني من بينهم عالم الاجتماع الشهير بيير بورديو الذي يشتهر كتاب ” بؤس العالم ” (La misère du monde ) مثلا أنه كتابه، و الحال أنه كتاب مجموعة من الباحثين من فريقه و من خارجه، كما هو مثبت في آخر كل فصل منه، إصرارا من بورديو على أن ينالوا نصيبهم من الانتشار هم الآخرون، لا أن يحتكره هو، و يفسد بذلك اشتغال الحقل الثقافي، و هو الحافر بعمق في منطق / لا منطق اشتغاله.

  و الموسوعة عمل متفرد، لأنها بمثابة ترياق ضد مرض ” قصر الذاكرة ” الذي يشتغل بضراوة، من خلال نفضها الغبار عن مهددين بأن يطويهم النسيان. و هي بذلك تفتح الباب أمام مبادرات أخرى لنفض الغبار عن أسماء أخرى لم يتقدم باحثون بأوراق عنها ( فالساهرون على الموسوعة تركوا الباب  مفتوحا لكل المبادرات و لم يحددوا أسماء بعينها )، و تستحق الانحناء أمام أرواحها، لما كابدته من أجل الإصلاح، كالمقاوم الفذ محمد أجار المعروف بسعيد بونعيلات، و المناضل اليساري، و الحقوقي الشرس محمد بوكرين المشهور بمعتقل الملوك الثلاثة، و عالم الاقتصاد الذي جسّد رسالة المثقف / ” أنا أتّهم ” ! بكل جدارة و قيم التعبير عن الذات الرفيعة، إدريس بن علي الذي رحل مغبونا… و الأمثلة كثيرة. 

  و إجمالا، فموسوعة ” رواد الإصلاح في المغرب خلال القرن العشرين ” منجم ثمين، يحسب لمركز بن غازي للأبحاث و الدراسات الاستراتيجية، و للباحثين الذين سهروا على إخراجه للوجود، سيكون له ما بعده، لأنه يكسّر المألوف في اشتغال حقل الخيرات الرمزية. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق