المقالات

من تاريخ مؤسسة الاستخبارات في الإسلام(براء نزار ريان)_7_

هدايا تجسس
ومثله ما ورد عن ابنه المهديّ أنه أهدى لوزيره يعقوب بن داود (ت 187هـ/803م) جاريةً لتتجسس عليه وتراسله بخفايا أمور بيته. وقد أمر المهدي يوما وزيرَه بقتل أحد العلويّين كان يخشى ثورته عليه، فأطلقه الوزير خُفيةً قناعةً بأنه مظلوم وهرَّبه؛ قال يعقوب: “لم أشعر بأن الجارية قد أحاطت علمًا بما جرى وأنها كالجاسوس علي، فبعثتْ بخادمها إلى المهدي فأعلمتْه بما جرى، فبعث المهدي إلى تلك الطريق فردوا ذلك العلوي فحبسه عنده”، ثم قبض على يعقوب ونكّل به وحبسه؛ وفقا لابن كثير في ‘البداية والنهاية‘.

وإذا كان المهدي اتخذ من إهداء الجواري وسيلة للتجسس على موظفيه، في سلوك أشبه ما يكون بإهداء أجهزة المخابرات اليوم الشخصياتِ التي تستهدفها أجهزةَ الهواتف والساعات الملغمة برقاقات التنصت للتجسس عليهم عن بُعد؛ فإن أعجب منه ما كان يصنعه والي العباسيين على خراسان عمرو الصفّار (ت 289هـ/901م) من إهداء الغلمان لنفس الغرض؛ فقد “كان عمرو يشتري المماليك ويربّيهم ويَهَبُهُم لقُوّاده، فيكونون ‘أصحاب أخبار‘ عليهم، ويُجري عليهم الجرايات (= الرواتب) سِرًّا، فلا يخفى عنه خبرٌ” مما يفعله هؤلاء القادة؛ طبقا للدَّواداري في ‘كنز الدرر‘.

وعلى خُطى الرجلين؛ سار حفيدهما المأمون الذي يبدو أنه تجاوزهما بمراحل في تجنيد النساء، حتى صار له -إن صحت الرواية التاريخية- “جيش” من العجائز يوافيه بخفايا زوايا بيوت عاصمته بغداد. فقد ذكر العلامة السكتواري الحنفي (ت 1007هـ /1599م) -في ‘محاضرات الأوائل‘- أن “المأمون هو أول من اتخذ الجواسيس من العجائز، جعل ألف عجوز وسبعمئة عجوز يتفقد بهن أحوال الناس من الأشقياء، ومن يُحبه ويبغضه، ومن يُفسد حُرُم المسلمين”!

كان ‘صاحب الخبر‘ -بوصفه مديرا لاستخبارات الدولة بمنطقته- ذا صلاحيات واسعة، ويبدو أنه كان يملكُ “ضبطية قضائية” تسمح له بتفتيش البيوت، بل و”القلوب” باستحلاف المستجوَبين بأغلظ الأيمان!

فالذهبيّ يروي -في ‘تاريخ الإسلام‘- أنه رُفع بلاغٌ في الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ/855م) بأنه يُخفي بداره أحد المطلوبين للدولة، فدهمه ليلاً ‘صاحبُ الخبر‘ “فأحلفه بالطّلاق ثلاثًا أنّ ما عنده طُلْبةَ أميرِ المؤمنين..، وفتَّشوا [الـ]ـمنزل.. والسَّرَب والغُرَف والسُّطُوح، وفتَّشوا تابوت الكُتُب، وفتّشوا النّساء والمنازل، فلم يروا شيئًا..؛ فكُتب بذلك إلى المتوكّل..، وعلم أنّ.. [أحمد] مكذوبٌ عليه”.

وإذا كانت الدول على مرّ التاريخ الإسلاميّ حرصت -في بناء أجهزة مخابراتها- على كفاءة عمل ‘ديوان البريد والخبر‘، وعُنيت بـ‘أصحاب الأخبار‘ أبلغ العناية؛ فقد كان لبعض سلاطينها موقفٌ كارهٌ لمن يتطوّعُ لرفع أخبار العامة إليهم، فوق كراهيته من نُخَب الناس وعوامهم.

وقد رفض الإمام أحمد الوشايةَ لدى السلطان حتى بفُسّاق الناس، فابن رجب الحنبليّ (ت 795هـ/1393م) يقول في ‘جامع العلوم والحكم‘: “وكره الإمام أحمد رفع الفساق إلى السلطان بكل حال”. وشاعت بينهم مقولة أن “السعاية قبيحة ولو كانت صحيحة”!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق