المقالات

من تاريخ مؤسسة الاستخبارات في الإسلام(براء نزار ريان)_6_

تجنيد متعدد
أورد القاضي التنوخي (ت 384هـ/994م) -في ‘الفرَج بعد الشدة‘- قصة طويلة من غرائب الخيال الاستخباراتي، تتحدث عن تجسس المعتضد على وزيره القاسم الحارثي (ت 291هـ/904م)، عبر رجل من الهاشميين كان يعمل له مُخبرا في هيئة متسوّل كسيح، يأتي يوميا بيت الوزير فيظل ينتقل من غرفة إلى أخرى حتى المطبخ، فيرصد ما دار فيه ومن زاره، وفي المساء يرفع بذلك تقريرا إلى “مشغِّله الأمني”، ويأخذ مقابل ذلك “في كل شهر خمسين دينارا (= اليوم 8000 دولار تقريبا)”!! ولهذا النص دلالته الفريدة على ما قد تبلغه رواتب المخبرين الأمنيين في تلك العصور من ضخامة!

أما أعجبُ أساليب التستّر المخابراتي فهو -كما يحصل كثيرا اليوم للأسف- ذاك الذي جعل من إمامة المصلين بالمساجد واجهةً للنشاط الاستخباريّ! فقد ذكر ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- قصة الشاعر عليّ بن أفلح العبسي (ت 535هـ/1140م) الذي كان كاتبا مقرَّبا من الخليفة العباسيّ المسترشد (ت 529هـ/1134م).

ثم اتضح أن للعبسي هذا علاقة بأمير بادية العراق دُبَيس بن صَدَقة الأسدي (ت 529هـ/1134م)، وأنه “كان في المسجد الذي يحاذي دار السماك رجلٌ يقال له ‘مكي‘ يصلي بالناس ويُقرئ القرآن، فكان إذا جاء رسولُ دُبَيس أقام عند ذلك الإمام بزِيّ الفقراء (= الصوفية)، فاطّلع على ذلك بوّاب ابن أفلح، واتفق أن ابن أفلح غضب على بوّابه فضربه فاستشفع بالناس عليه فلم يردَّه، فمضى [البوابُ] وأطْلع صاحبَ الشرطة على ذلك [انتقامًا من مولاه]، فمضى فكبس (= دَهَم) المسجدَ وأخذ الجاسوس، وهرب ابنُ أفلح وإمامُ المسجد”!

وفي سبيل استخدام كل طاقات المجتمع -مهما بدت منبوذة- لتحرير الأوطان؛ رأينا صلاح الدين يجنّد عصابات اللصوص في مخابراته الحربية، موظفا “شطارتهم” وجسارتهم لمحاربة الصليبيين. ولذلك يقول مؤرخ سيرته القاضي ابن شداد (ت 632هـ/1235م) -في ‘النوادر السلطانية‘- إنه “رتّب (= جنّد).. ثلاثمئة لص من شلوح العرب، [فكانوا] يدخلون [معسكرات الصليبيين] ويسرقون منهم أموالَهم وخيولهم، ويسرقون الرجال أحيانا” باختطافهم -وهم نائمون- تحت تهديد السلاح، فيأتون بهم أسرى إلى معسكر المسلمين!!

بل إن التجنيد الاستخباراتي وصل إلى إحدى أكثر فئات المجتمع حساسية، وهي فئة مدرسي كتاتيب الأطفال الذين كانوا -وهم ذوو طبيعة عفوية- بوابة لجمع كافة أخبار بيوت عوائلهم، ولا سيما منازل القادة العسكريين في الدولة؛ فمسكويه يحدثنا -في ‘تجارب الأمم‘- أنه “كان معلمو الصبيان مواقَفين (= مُلزَمين) على أن يَسألوا أولاد الجُند الذين في مكاتبهم عن أمور آبائهم، ومتصرفات أحوالهم في منازلهم، ويكتبون بذلك إلى ‘ديوان البريد‘، ولهم على ذلك رزق دارٌّ (= راتب كبير)”!!

ولم يقتصر التجنيد الاستخباري على الرجال والأطفال؛ بل شمل النساء أيضا خاصة أنهن قادرات -بخلاف الرجال- على الدخول إلى أعماق البيوت، فكانت المُخبراتُ يدخلن الدُّورَ مستأمَناتٍ ويَخرجهن بأدقّ أخبار أهلها. ومن أقدم قصص ذلك وأغربها في طرق التجنيد وتعدد الواجهات الاستخباراتية فيه؛ ما حكاه إبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو 320هـ/933م) -في ‘المحاسن والمساوئ‘- من أن المنصور أجرى بنفسه مرة تحقيقا أمنيا مصحوبا بتعذيب مع جارية للعلويين، طالبا منها معلومات عن قائد ثورتهم محمد بن عبد الله المعروف بـ‘النفس الزكية‘ (ت 145هـ/762م).

لكن الجارية صمدت في التحقيق و”أبت إلا الجحود، فقال لها [المنصور]: أتعرفين فلانة الحجامة؟ فاسودّ وجهُها وتغيرت، فقالت: نعم يا أمير المؤمنين..! قال: صدقتِ، هي والله أمتي ابتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر..، أمَرْتُها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أخباركم.

ثم قال: أوَتعرفين فلانا البقّال؟ قالت: نعم..، قال: هو والله مُضاربي (= مستثمِرٌ لي) بخمسة دنانير..، فأخبرني أن أمَةً (= خادمة) لكم يوم كذا وكذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله حنّاء ووَرَقاً، فقال لها: ما تصنيعن بهذا؟ فقالت: كان محمد بن عبد الله في بعض ضياعه بناحية البقيع وهو يدخل الليلة، فأردنا هذا لتتخذ منه النساءُ ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المَغيب، فأُسْقِط في يدها (= فُوجِئت) وأذعنت بكل ما أراد” المنصور من معلومات!!

ويخبرنا الذهبي -في السِّيَر‘- أن المنصور وظف في هذا الأمر مماليكه المتخفين في زي الرعاة من البدو، “فاشترى.. رقيقا من [عند] العرب، فكان يعطي الواحد منهم البعيرين، وفرّقهم في طلبه (= النفس الزكية) وهو مختفٍ”!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق