المقالات

مفارقات: وهم المثقف(عبد الحق دادي)

أنهك التفكير الإنساني نفسه في البرهنة على الوجود المفارق، وأنتج في التصور العام مقاطع مبتورة في الوجدان البشري، والتي لا يستوفي بها كمال ما تتشوف إليه النفس من الاطمئنان  بحيث تترتب في الذهن ترتيبا يتسلط فيه الوهم على ودائع الفطرة؛ فيختلط بعضها ببعض فلا أضداد للمفارقات ولا لموضوعاتها ولا عائق لها بوجه.

    ومن الكآبة الفكرية الموغلة في السفه أن يتصدى بعض المثقفين لموضوعات الدين بعيدا عن أي نظر علمي مستقيم، وأعتذر عن وصفهم بالمثقفين ؛حيث قال صاحب معجم مقاييس اللغة: “رجل ثَقِفٌ، وذلك أن يصيب ما يسمعه على استواء” وحيث تعذر شرط الاستواء فهو وَكْسٌ في الفهم وعِيٌّ في النظر، أكُلما ذُكِر الله اشمأزت قلوبهم  واستهزؤوا على قدر تفاهة عقولهم، وانحصار فهمهم، وهم يستبشرون بذكر السِّفا والترهات والْفَهَاهَة.

  وكأني بأحدهم يشتط به الهوى والتأويل ويقول هذا خطاب تكفيري، وهذا دليل آخر على هذا الْمَسْطِ الحرج، فأنا أصف خطابا جعل من الدين أضحوكة ونظر إلى حقيقته كأُغْلُوطَة تتساوق مع الخرافة والاستئناس، والحقيقة أن هذا الخطاب يفتقد مقومات الخطاب العلمي المبني على الأقوال البرهانية أو الجدلية التي يحصل عنها اليقين أو الظن الغالب، وهو يدخل ضمن أصناف الخطاب المُغالط الذي يُبنى على الأقوال الكاذبة التي يحصل عنها الاستفزاز بالمتوهَّمات.

  ثم إن النظر القائم على مقاييس العقل لابد أن يستجيب لمحددات منطقية تقوم على رُكْحٍ ثلاثي؛ دعائمه:

            – الوظائف. 

            – والترابط.

            – والشمولية.

وهذه المحددات تشتغل على إشكالات مرتبة في الإدراك على عكس وجودها كحقائق؛ فالوظائف هي الفعل العقلي أو الحسي الذي يحرك ملكات الإدراك الشمولي الذي يحدد الأهداف والغايات، ومن تم فهي ملزمة بقواعد الترابط لتحقق هذا التجانس، وتؤسس فصائل حسب اجناسها، وهي في ذات الوقت منفردة في وجودها حسب نوعها، وهذا بَيِّنٌ في مهمات العقل والصنائع؛ فلا يمكن بأي حال النظر في شيء على جهة العقل أو الصنعة دون إدراك خلاصة المنتَج، وهذا لا يتأتى إلا بتعيين الوظيفة الملزمة والتدقيق في عناصر الترابط.

  فلو اعتبرنا أن المنتج النهائي هو محرك سيارة، فالصنائع المرتبطة به ملزمة بإدراك مواضع تناسب هذه الأجزاء و الوصف الكلي للمحرك، من حيث الحجم والشكل والقوة، وهذا أمر مُسَلَّمٌ به فرغم تشابه قوانين الفيزياء الصناعية في هذا الباب إلا أن الاوصاف تختلف باختلاف عناصر الترابط التي تشكل الهياة الكلية التي تؤثر على المضمون العام للمنتَج.

  فإذا استقر في الذهن هذا الاعتبار فكيف يحق لعاقل أن يتحدث في علم لا يعرف وظائفه ولا يدرك مقاصده الكلية، وقوانين الترابط التي تحكمه، وكيف له بعد ذلك أن يجتهد ويطور عناصره وهو لا يميز بين الثابت والمتحول، والقواعد والفروع، والوسائل والوظائف. إن هذا النظر –إن جاز هذا التعبير- هو قمة الدَّجَل والسَّفَه، ومن ثم فإن الشروط العلمية الذاتية والموضوعية التي تنتج قواعد الترابط  ضرورية وملزمة، ذلك أن كل نزعة فكرية لا تتأسس على هذا الاقتضاء لا يمكن أن تكون موضوعا للتفكير أو الدراسة.

   وهذا حال كثير ممن اعتبروا عتبة الدين دَنِيَّةً، وحسبوا أن القول فيه مشاع لاعتقادهم الراسخ أن الدين مجرد حكايات شعبية اعتقدها الناس على حين غفلة من الزمان، وهو في أحسن الأحوال من التراث الإنساني ضمن التطور الأبدي للجنس البشري، إن هذا الاعتقاد وإن توارى خلف المحيط الاجتماعي، وأُلبِس مُسوح النفاق الخجول لا يلبث أن يشرئب بعنق بلادته ويعلن عن سفهه عبر تسويدات للورق تسمى كتابات، أو نعيقٍ يسمى كلاما وهو غير مستقيم، ذلك أن الاعتقاد المؤسَّس على الوهم، حين يستقر في العقل كمسلمات يقينية، ينتج سلوكا متطرفا؛ لأن النظر بدون علم مَحرقة للفهم، والبطالة والْعِيُّ مَظِنَّةُ الجهل، أفلا تكلفوا أنفسكم عناء القراءة غيرَ مستأنسين بقصاصات الجرائد، ونُتَف الأخبار، فكيف تتجاوزون كل هذا ويمتد نظركم إلى التأويل وأبوابه دون الفهم الدقيق والاستقصاء الرزين لعلوم الدلالة، وأنواع المخاطبات مؤصَدة، فكيف تحكمون.

 وهذا منهم إما غفلة عن جهل، أو تغافل عن عِيٍّ، “ومحصول الغافل والمتغافل واحد؛ لأن الغافل تؤديه الغفلة الى الفساد، والمتغافل يؤديه تغافله الى الفساد، فقد اتفقا في المحصول الذي هو الفساد، وليس ينفع المتغافلَ معرفتُه بما تغافل عنه إذا لم يستعمل فيه ما يجب، ولا يضر الغافل ذهنه بما لم يعمل فيه ما يجب؛ لأنهما قد اتفقا بالإضافة، وتباينا في العلم والجهل”*.

*ابو نصر الفارابي :فصول منتزعة، حققه وقدم عليه الدكتور آل جعفر ياسين، دار المناهل للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ط1/1988

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق