المقالات

مع ماكلوهان ضد الماكلوهانية في عصر الميديا الرقمية(نصر الدين لعياضي)_1_

ماذا لو امتد العمر بالباحث الأميركي، إليهو كاتز (Elihu Katz)، فما عساه أن يقول عن ماكلوهان بعد أن تزايد الاهتمام بأفكاره؟ لقد قال عنه في 1987: “الآن، بعد أن أصبح “ماكلوهان النيزك”(1) بعيدًا، يجب أن نأخذه مأخذ جد”. لقد فرضت عودة السجال من جديد حول أفكار ماكلوهان، التي توحي بميلاد ماكلوهانية جديدة (New Mcluhanism)(2)، التعامل مع كتاباته بكل جدية وبصيرة. هذا ما يُستشف من جهود بعض الباحثين، مثل جوشوا ميرويتز (Joshua Meyrowitz)، الذي بعث الحياة في تراث ماكلوهان من خلال أطروحته العلمية: “لا معنى للمكان”(3)، والتي قدَّم فيها تصورًا متكاملًا لما أحدثته وسائل الإعلام الإلكترونية من تغيير في المجتمعات على الصعيدين الاجتماعي والثقافي. وحاول فيها الفصل في الرهان على نهاية أفكار ماكلوهان نتيجة التراجع في استخدام التكنولوجيا التناظرية التي كرَّس الكثير من حياته للتنظير لها.  

 لقد مرَّت 41 سنة بعد أن غيَّب الموت ماكلوهان، وهي مدة كافية لإعادة التفكير في مؤلفاته بتروٍّ. لقد كانت مهمة الباحثين في علوم الإعلام والاتصال في ستينات القرن الماضي وسبعيناته يسيرة، إلى حدٍّ ما؛ إذ اقتصرت على فهم أفكار ماكلوهان، لاسيما أن البعض اعتبرها معقدة جدًّا. أما اليوم فقد أصبحت مهمتهم أعسر؛ إذ ليس المطلوب فحص أفكاره فقط للتحرِّي عن صحة ما يدِّعيه بعض الباحثين، مثل القول: إن تنبؤات مارشال ماكلوهان (Marshall McLuhan) لم تكن مفهومة قبل ظهور “الميديا الجديدة”(4)، أو بعبارة أدق: إن تنبؤاته أصبحت اليوم أكثر وضوحًا ومستوعبة بشكل أفضل مما كانت عليه بيئة الاتصال التناظري(5)، وإن أفكاره تنطبق على الثقافة الإعلامية المعاصرة بشكل أفضل، وتلائم اندماج التكنولوجيا المتنقلة في حياتنا اليومية(6)، بل يجب اليوم الكشف عن الرهانات العلمية  لــ”الماكلوهانية في البيئة الرقمية”. 

تتسم كتابات ماكلوهان بالتعبير المكثف عن أفكاره في جمل أو فقرات قصيرة تحوَّلت إلى أقوال مأثورة. وتتميز بالاستخدام المفرط للاستعارات “الساحرة”، مثل: “الإنارة في، والإنارة على” من أجل التمييز بين التليفزيون والسينما. و”الإنسان غير المجسم” (Discarnate Man) للحديث عن مُستَخدِم الهاتف، والمتحدث في الإذاعة والتليفزيون، والفضاءين “الصوتي والإلكتروني” للكشف عن الاختلاف بين بيئة الاتصال الشفهي والاتصال البصري(7). وأفرط في الاستنتاجات المدهشة كالإقرار مثلًا بأن المصباح الكهربائي وسيط -حامل- بدون محتوى أو محمول! وأن الكهرباء هي مِيتا وسيط (Meta medium)(8)، لأن جلَّ وسائط الاتصال تعتمد عليها، وينتفي وجودها بدونها، وأن الكتاب أكثر مرؤئية من التليفزيون(9). واستند في نظريته إلى التطابقات والتشبيهات التاريخية “الجريئة”، مثل تشبيه عصر ما قبل الحروف الهجائية بعصر الاتصال الإلكتروني(10).  

وانفرد ماكلوهان بإسقاطاته التاريخية من خلال ربط بعض الظواهر بوسائط الاتصال، كالقول مثلًا: إن النمط الخطي الذي فرضته المطبعة أثَّر في مختلف الممارسات الاجتماعية حتى على طريقة اصطفاف التلاميذ في المدرسة، وعلى جلوسهم في القاعة بشكل خطي بعد أن كانوا يجلسون متحلِّقين في التعليم الديني الذي ساد في عصر ما قبل المطبعة#a11! ولم يلجأ ماكلوهان إلى البحوث الأمبريقية لإثبات صحة حدسه الافتراضي أو أطاريحه “النظرية”، ولم يستعن بما توصلت إليه البحوث الإعلامية الأمبريقية في عصره، بل لم يتردَّد في وصف روادها في الولايات المتحدة الأميركية بعدم المعرفة؛ إذ رأى أنهم ضحية جهلهم الإبستمولوجي في تحليلهم للتليفزيون (بالنسبة لولبر شرام (Wilbur Schramm)) والإذاعة (بالنسبة لبول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld))، واعتبر نفسه مجدِّدًا للبحوث في مجال الميديا(12).

إذن، تأسيسًا على استعارات ماكلوهان التي تشي بتنبؤاته في مجال الإعلام والاتصال يمكن أن نفترض -على غرار ما ذهب إليه رو باتريك (Roy Patrick)(13)– وجود اختلاف كبير، في بعض الأحيان، بين بلاغة خطاب ماكلوهان ومختلف تأويلاته. هذا، إن لم نؤكد أن أفكاره تعرضت للتشويه(14)، وقُوِّلَت ما لم تقله(15)، لاسيما في الدرس الإعلامي العربي. لقد تُوِّجت هذه التأويلات بإلصاق بعض النعوت بماكلوهان، مثل: “نبي الميديا”(16)، و”نبي الإنترنت”(17)، والفيلسوف(18)، ومُنَظِّر الميديا(19) و”الفنان”(20) و”القديس”(21). هل تشير هذه النعوت إلى أننا أمام شخص متعدد الأوجه أم تعبِّر عن غياب التوافق في تحديد مكانة ماكلوهان في بحوث الإعلام والاتصال؟ مهما كانت الإجابة عن هذا السؤال فإنها تعجز عن إخفاء اللُّبس الذي اكتنف بعض أفكار مارشال ماكلوهان. لذا، نسأل: هل أسهمت البيئة الإعلامية الرقمية في إزالة هذا اللُّبس وكشفت عن خطورة تأويلات خطابه، وأكدت صواب القوانين التي اعتقد أنها تتحكَّم في الميديا الاجتماعية؟ وما القيمة المعرفية التي تقدِّمها أفكار ماكلوهان اليوم لفهم التحولات التي يعيشها قطاع الإعلام والاتصال؟ وما مكانة ماكلوهان في الدرس الإعلامي في المنطقة العربية؟ وهل ساعدت أفكاره فعلًا في تطوير هذا الدرس؟

1. التموقع الإبستمولوجي والمنهجي 

تتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة، والتحري في صحة الافتراض المذكور أعلاه، تسليط الضوء على أبرز مرتكزات أطروحات ماكلوهان ومناقشة بعض تأويلاتها في ظل التحولات التي تعيشها البيئة الإعلامية الحالية، والإفصاح عن اختيار تموقعنا الإبستمولوجي في براديغم البناء الاجتماعي للتكنولوجيا (Social Construction of Technology) وما يفرضه من مقاربة استقرائية، وبراديغم التعقد (Complexity Paradigm). ويختلف هذان البراديغمان جذريًّا عن براديغم الحتمية التكنولوجية، لأننا نعتقد أن أية قراءة نقدية “للماكلوهانية” تكون قاصرة ما لم تقم بتفكيك آليات التفكير التي تدير براديغم الحتمية التكنولوجية وكل الحتميات.

انطلق عالما الاجتماع، تريفور بنش (Trevor Pinch) وويب بيجكر (Wiebe Bijker)، في صياغتهما لبراديغم “البناء الاجتماعي للتكنولوجيا” من نقدهما للتفكير الخطي للمسار التعاقبي والمتواصل للتكنولوجيا، الذي يؤمن بأن للعلوم سلطتها المحايثة على المخترعات التقنية. وتملك هذه المخترعات بدورها سلطة محايثة تؤثِّر على الناس فيستسلمون لها بشكل كامل فتعيد صياغة المجتمع. وركَّزا تفكيرهما على أن التكنولوجيا ليست معطى خارج المجتمع، بل تُعد ثمرة بناء اجتماعي تجب دراسته بدل القيام بتحليل التأثير الاجتماعي للتكنولوجيات(22). فإذا كانت التكنولوجيا عبارة عن علبة سوداء فيجب النفاذ إلى داخلها من أجل استيعاب كيف يؤثر العامل الاجتماعي على صياغتها وصقلها وتكييفها(23). ولا يمكن اختزال العامل الاجتماعي في سياق الاستخدام الفردي للتكنولوجيا في راهنيته لكونه يجمع حزمة من التفاعلات التي يتدخل فيها الموروث الثقافي والتنظيم الاجتماعي بتفرعاته. وينتهي البناء الاجتماعي للتكنولوجيا إلى الاقتناع بجدلية التأثير المتبادل بين العُدَّة التكنولوجية والمستخدمين في السياق الاجتماعي والسياسي للاستخدامات.

يؤكد إدغار موران (Edgar Morin) أن “هدف البحث عن منهج ليس العثور على مبدأ موحد لكل معرفة، لكن في الإشارة إلى بروز الفكر المعقَّد الذي لا يُختصر في العلم أو الفلسفة، بل يكمن فيما يسمح بتواصلهما الداخلي وتشغيل حلقات الحوار بينهما”(24). ففهم الظاهرة الإعلامية والاتصالية في بيئة رقمية سريعة التغيير -يتداخل فيها العديد من المتغيرات ويتفاعل، مثل: العُدَّة التقنية، والاقتصاد، والسياسة، والقانون، والاجتماع (الجماعة، والبنى الاجتماعية والثقافية)، وإرادة الفرد ورغباته (حاجاته ودوافعه ومزاجه النفسي)- يتطلب فكرًا معقَّدًا يُطلِّق التفكير التبسيطي والاختزالي السببي.

لقد وضع أسامة بويس(25) مجموعة من المبادئ للفكر المعقَّد نعتقد أنها تنطبق، بهذا القدر أو ذاك، على التفكير في بيئة الاتصال الرقمية، منها التخلي عن الخطاطة الذهنية الموروثة من الماضي واستبدال تلك المالِكة للقابلية على إدراك التغيير وتقبله بها، والربط (ربط وجهات النظر، والتخصصات، ومستويات التحليل) وعدم الاختزال (الإلمام بمختلف الأبعاد)، واستبدال معطى الحوار بمعطى التناقض، وتجاوز ثنائية العون/البنية لدراسة الظواهر قصد الانتقال إلى تقديم صورة ثلاثية الأبعاد للظواهر الإعلامية والاتصالية.

2. مارشال ماكلوهان ومصادر إلهامه 

التحق مارشال ماكلوهان (1911-1980) بجامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة لدراسة الأدب. وعاد إلى موطنه، كندا، في 1944، لتدريس الأدب الإنجليزي في كلية بجامعة وندسور بأونتاريو، ثم في جامعة تورونتو. وابتعد عن تدريس الأدب بعد أن هُمِّش ليتجه إلى دراسة وسائل الإعلام، فأسَّس مدرسة تورونتو للاتصال بكندا، بمعية إريك هفلوك (Eric Havelock)، وإدموند كاربنتر (Edmund Carpenter)، وأصبح من أبرز مفكريها.   

يوجد العديد من المصادر التي تضافرت في تكوين شخصية ماكلوهان الفكرية، أولها هو دراسته للنقد الأدبي الحديث الذي أتاح له الاطلاع على أهمية الإدراك في تشكيل ثقافة المرء؛ إذ اعتقد أن “الحس المرئي ينتمي إلى نمط التفكير المنطقي والخطي، بينما يرتبط الإحساس السمعي بعالم حدسي أكثر شمولية”(26). وقادته دراسته الأدبية إلى الاهتمام بالشاعر جيمس جويس (James Joyce)، ساحر الكلمات، ومفجِّر اللغة؛ فتأثر بأسلوبه الثري بالدلالات الذهنية. وهذا ما تجلَّى في باكورة أعماله: “العروس الميكانيكية، فلكلور الرجل الصناعي”، الذي صدر في 1951، وقدَّم فيه نقدًا اجتماعيًّا للمجتمع المعاصر من خلال استجلاء المعاني المتلبدة في الإعلان والشريط المرسوم والنصوص الصحفية. وثانيها: اطلاعه على كتابات المؤرخ لويس ممفورد (Lewis Mumford)، لاسيما كتابه: “التقنيات والحضارة”، الذي نشره في 1934. لقد ساعده هذا الكتاب في فهم تطور التكنولوجيا ودورها التاريخي في المجتمعات. وثالثها، وهو الأهم، يتمثَّل في لقائه بعالم الاقتصاد، هارولد إينيس (Harold Innes)، في نهاية أربعينات القرن الماضي، الذي انشغل بدور المؤسسات في احتكار المعرفة بفضل الاتصال. لقد حاول هذا العالم التفكير في دور وسائل الاتصال في بروز الحضارات المهيمنة من خلال مكانة الوسيط في المكان (الفضاء) والزمن. لقد رأى أن ألواح الفخار، على سبيل المثال، تحافظ على التقاليد لصعوبة تغيير ما يُكتب عليها ونقلها، فلا تسمح بممارسة السلطة بالوكالة. وهذا خلافًا لورق البَرْدِي الذي يتسم بخفته مما يسهِّل نقله وتبديل ما يُكتب عليه، ويُمكِّن من بسط السلطة على العديد من الأقاليم وفرضها(27). ويعتقد البعض أن ماكلوهان تأثر بكتابي هارولد إينيس: “الإمبراطورية والاتصالات”، و”تحيز الاتصال”، إلى درجة يمكن اعتبار كتابه: “مجرَّة غوتنبرغ” بمنزلة تهميش في أسفل صفحاتهما(28).(يتبع)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق