المقالات

ما هو موقعنا بين تسريع المستقبل ومواجهة إرث الماضي؟(عز العرب لحكيم بناني)

كيف نستطيع التقدُّمَ خطوةً واحدةً إلى الأمامَ ما دُمنا نتراجعُ خطواتٍ إلى الوراءِ أمام الإرثِ الوخيمِ الذي خلفه الاستعمارُ الفرنسي للجزائر والحماية الفرنسية على باقي دول شمال إفريقيا والاحتلال الإسرائيلي؟ يُحسُّ المثقَّفُ بتمَزُّقٍ بين ضرورةِ فتح آفاق المستقبلِ وخلق أجواءِ التَّعايُشِ من جهةٍ والحاجةِ إلى قراءةِ الماضي من موقع المسؤولية التاريخية من جهةٍ ثانيةٍ، حتى يستطيعَ أن يقلب الصّفحةَ. نحن أبناءُ المستقبلِ وورثةُ الماضي في آنٍ واحدٍ. وحتّى لا يتحوَّلَ إرثُ الماضي إلى عقبةٍ ثقافيّةٍ ووجدانيّةٍ أمام المستقبلِ، قد يكونُ من المستحسنِ أن نعرف المشاكلَ التي يَطرحُها الماضي على المثقفين وصعوبة مواجهتها.أرسَلَ أليَّ أحدُ الباحثين والأصدقاء الألمان Heiner Wittmann دراسةً تحت الطَّبعِ بخُصوصِ موقف المثقَّفين الفرنسيّين من حرب التّحريرِ الجزائريّةِ والمعاناة التي واجهها بينيامين ستورا Benjamin Stora و جان باتيست بيريتيي Péretié من أجلِ إقامةِ معرضٍ حول صبى وطفولةِ ألبير كامو بمناسبة ذكرى ولادته سنة 1913 خلال انعقاد مهرجان مارسيل- برُوفانس خلال نفس السنة. غيرَ أنَّ المنظمين اعترضُوا في آخر لحظةٍ على إقامةِ المعرضِ. يرجع السببُ في ذلكَ إلى أنَّ اليمينَ المتطرِّفَ الفرنسي، الجبهة الوطنية آنذاكَ كانت وراءَ المنعِ والرقابة على الفكرِ في بلاد الفكرِ والحرية والديمقراطيّةِ. ظلَّ كامو مرفوضاً من طرفِ اليمين المتطرف الفرنسي لأنه هاجمَ الاستعمارَ ودافعَ عن حقوق الإنسان وطالب بإلغاءِ عقوبةِ الإعدامِ بالجزائر وظلَّ مرفوضاً من طرفِ بعض المثقفين المغاربيّين لأنه ظلَّ يدافعُ عن جزائر فرنسيّةٍ وظلَّ يحملُ على جبينه وصمةً مخجلةً Pieds-noirs.أعتقدُ أنَّ عمقَ المشكلِ المطروحِ على المثقفين، مؤرّخين وفلاسفةً هو إعادةُ تأويلِ الماضي انطلاقاً من الحاضرِ وليس من الماضي نفسه. ليس الهدفُ هو إعادةُ فتحِ الجروحِ، بل هو تضميدُها بفضلِ تحديد المسؤوليةِ التاريخيةِ في القراءاتِ المتقاطعةِ والمثمرةِ بين وجهاتِ نظرٍ متباينةٍ. وأظنُّ أنَّ جهودَ الباحثين لإعادةِ قراءةِ التاريخ الاستعماري لم تذهب سُدى، فقد أجبرت فرنسا سنة 1999 على الاعترافِ القانوني بأنَّ عمليات “استتبابِ الأمن” أو pacificationكما كان يُقالُ، كانت “حرباً” في الحقيقةِ. ومن نافلةِ القولِ أن نذكّرَ بمساهمة “الكُتّاب الصَّحفيّين” „écrivains journalistes في الدعوة إلى تخلي كلِّ الأطراف عن استعمال العنف والأعمال الوحشية، مثل مجازر ستيف، وهي جرائم 8 ماي 1945 التي اقترفها الجيش الفرنسي وظلت حاضرةً في الكتب المدرسية المغربية التي كنا ندرسُها خلال سنوات السبعينات. ظلَّ كامو على الدّوامِ يُندِّدُ بأعمال الانتقام التي مارستها فرنسا من خلال “جرائم التعذيب” في حقِّ المواطنين العُزَّلِ.خصّص الباحث الألماني فيتمان قسماً كبيراً من مقالته لاستعراض “المثقفين- الصحفيين” الفرنسيين الذين ساندوا الكفاح الجزائري من أجل الاستقلال؛ هذا اختيارٌ مقبولٌ للتدليلِ على أنَّ موقفَ المُثقَّفين عامّةً يختلفُ في الغالبِ عن موقفِ رجالِ السّياسةِ ويساهمون في وضعِ أسس السلام والتعايُشِ.أفضِّلُ من جهتي أن ينتقل الباحثُ، وهو يستعرِضُ الأحداثَ الدّاميةَ التي رافقت أشكالَ الاستعمارِ (الجزائر) والاحتلالِ (فلسطين) والحمايةِ الأجنبيةِ (المغرب) ومواجهةِ النازية (ألمانيا)، إلى مناقشةٍ قانونيّةٍ وفلسفيةٍ لبعضِ تلك الأحداثِ المؤلمةِ.يظلُّ الأملُ لدينا هو أن نتوجه إلى المستقبل، ذلكَ أنَّ العودةَ إلى الماضي لا تسعى إلى فتحِ الجراحِ من جديدِ ولا إلى إذكاءِ الأحقادِ ولا إلى تحميلِ الأحفادِ مسؤوليةَ ما فعلَ الآباءُ والأجدادُ. من هذه الزاويةِ، نجدُ في الكتابات الفلسفيّةِ الألمانيةِ وعياً متزايداً بضرورةِ مواجهةِ الماضي النازي وإعادة “تكييفِ” الوقائعِ الإجرامية النازية مع المنظومة الجنائية والمرجعية الأخلاقية وتوزيعِ المسؤوليات عن الأعمالِ الإجرامية بناءً على هذه المرجعية. وقد اشتغل الألمان كثيراً على موضوع “معالجة” الماضي وممارسة نوع من “التطهير” catharsis من أجل المصالحة مع الماضي بالرغم من الكابوس الذي يُمثِّلُهُ ومن عبئه الثقيل على النفوس. كان الهدَفُ من التأويلاتِ الفلسفية الأخلاقية للماضي الأليم هو الاعترافُ بالمسؤولية التاريخية للآباء و”دفن” الماضي من أجل “تبرئة” أبناءِ اليوم من جرائم “الأجداد”. نحتاجُ إلى تأويلاتٍ فلسفيّةٍ وقانونية “للظلم” التاريخي؛ إذ لولاه لما حقّق الألمانُ مصالحةً مع تاريخهم ولما نجح الاتحادُ الأوروبّيُ في خلق مستقبل أوروبا اعتماداً على فرنسا وألمانيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق