المقالات

لماذا يكره قادة الأمة الشطرنج؟ في الحاجة إلى بناء الذكاء الاستراتيجي في الأمة(إدريس أوهلال)

إن الهدف من تناول هذا الموضوع الحيوي والحساس هو توضيح أهمية “الألعاب الاستراتيجية” والذكاء الاستراتيجي، وإبراز خطورة الانغماس في “الحرائق اليومية” أو في إنجازات تكتيكية بدون بعد استراتيجي؛ إن التكتيك بدون استراتيجية هو الضجة التي تسبق الهزيمة، ومن الغباء أن تدخل لعبة استراتيجية بحس تكتيكي فقط، فلا أحد ينتصر في لعبة الشطرنج بعقلية كسب بيادق الخصم فقط، ومن المُحزن جداً أن يجتمع لتيار اجتماعي الانتشار الجماهيري الواسع جداً مع الذكاء الاستراتيجي المحدود جداً.

ورغم أنه لا توجد لعبة استراتيجية واحدة، ولا نظرية واحدة يمكن لها أن تُعالج هذا العدد الهائل من الألعاب الاستراتيجية المتعددة كماً والمختلفة نوعاً (توجد ألعاب استراتيجية في كل المجالات: التجارية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والإعلامية والأكاديمية والترفيهية…)، ولا جهاز مفاهيمي واحد ومبادئ واحدة لوصف كل الألعاب الاستراتيجية، فقد قررنا ركوب هذه المغامرة، وأملنا أن يساهم هذا العمل العلمي (وهو في الأصل كتاب لم ينشر بعد) في جهود استكمال بناء مفاهيم ومبادئ وأدوات المواجهة الاستراتيجية الفعّالة، الخالية من الغيبوبات السعيدة التي تُحَوِّل من يفترض فيهم أن يكونوا قادة استراتيجيين لمنظماتهم ومشاريعهم إلى رجال إطفاء أو سفراء للنوايا الحسنة.

أولا: في الحاجة إلى اعتبار الحياة لعبة

الحياة لعبة، بل ألعاب، وبالقصر والحصر، لكنها ألعاب جادة: تُبقي المنافسةُ اللاعبين يقظين، وتضبط قواعدُ اللعب سلوكَهم ومواقفَهم وقراراتهم، ويمنح الرهانُ للّعب معناه واتجاهه.

إن الحياة لعبة جادة، وأكثر ألعابها جدية ألعاب الكبار.. لا شيء أكثر جدية في هذه الحياة من لعب الكبار !

إن النظر للحياة على أنها لعبة، وللإنسان على أنه لاعب، هو أولا منظور قرآني، ففي الآية: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ). فتيار الحياة من منظور قرآني مُصَمّم في اتجاه اللّعب واللهو بهدف الابتلاء (وهذا أيضاً مفهوم قرآني)، والسباحة ضد هذا التيار هي ما يجعل من الإنسان مؤمناً (وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ). فالبشر إذن ثلاثة أصناف: في الطبيعة الأصلية لتيار الحياة المُصمم للابتلاء يوجد صنفان: لاعبون ولاهون، وفي السباحة ضد هذا التيار يوجد صنف ثالث: مؤمنون، وهما نوعان: مؤمن قوي ومؤمن ضعيف.

لكن ما الفرق بين اللعب واللهو؟

للّعب معنيان: معنى عام ومعنى خاص:

– بالمعنى العام هو كل نشاط هدفه التسلية، وبهذا المعنى العام يكون اللعبُ نقيضَ العمل.

– وبالمعنى الخاص هو الحيلة والمكر (لعب الرّجل على فلان: احتال عليه ومكَر به) بدافع الرغبة (سال لُعابُه)، وبهذا المعنى الخاص يكون اللعبُ نوعاً من أنواع العمل، إنه العمل الاستراتيجي، أي العمل العقلاني المستمر الهادف، في مقابل ألعاب الحريق اليومي لرجال الإطفاء وألعاب الطيبة لسفراء النوايا الحسنة.

أما اللهو فيحمل معنى الغفلة عن الشيء، في معاجم اللغة: اللهو هو ما لَعِبْتَ به وشغَلك، فيكون للّهو أيضا، بناء على هذا المعنى اللغوي، معنيان:

– اللهو عن لعب الكبار، وهذا لهو العامة ولهو المؤمن الضعيف.

– واللهو عن معنى الحياة والوجود والمصير بعد الموت، وهذا لهو يقع فيه العامة والخاصة.

والنظر للحياة على أنها لعبة يسهل ثانيا فهم الظواهر الإنسانية والاجتماعية، ويوضح متطلبات النجاح في الحياة من حيث هي لعب ولهو: لكي تنجح في الحياة يجب أن تلعب لعبة الكبار بنجاح، لا أن تلهو في الجري بدافع ضغوطات الحياة، أو في السعي وراء متعتها، لكن دون أن يلهيك هذا اللعب عن معنى الحياة والوجود والمصير بعد الموت.

إن الحياة مُصممة على قاعدة الاختلاف بين البشر في رغباتهم وأولوياتهم ونظرتهم للعالم وعلى تعارض مصالحهم، وهذا الاختلاف والتعارض هو الطاقة المحركة للعب اللاعبين، ولهو اللاهين، وإيمان المؤمنين.

ثانيا: في الحاجة إلى اعتبار اللعبة ساحة للمواجهة

اللعبة هي ساحة للمواجهة لتغيير موازين القوى أو المحافظة عليها، لكن للعبة وجه آخر في الاعتبار، إنها أيضا ساحة مقدسة لتحويل الأنظار عن المواجهة إلى مجرد استعراض استهلاكي شبيه بحلقات الجذب الصوفي أو علاقات العشق الغرامي، حيث يغرق الطيبون في دفئ مشاعرهم المجنحة ونشوة أوهامهم الشخصية.

إن تحويل الأنظار عن المواجهة شرط لكسب المواجهة، وتوريط اللاعبين الطيبين في نشوة عشق اللعبة شرط لازم لنجاح الذين يلعبون لكسب الرهان لا للعشق. ويبلغ الربح مداه وحدوده القصوى عندما يتم تحويل الانخراط في اللعبة من فيزياء المواجهة إلى كيمياء العشق، ويكون التحويل بالجملة لا بالتقسيط باستخدام التحريض الإعلامي، لأن الحب الفردي لا يكفي لضمان انخراط الجميع في اللعبة بروح العشق، لا بد من تحريض إعلامي.

وهكذا أشغلتنا اللعبة وأمتعتنا، بمشاهدها الجنونية، وقدرة روادها على تحويل حدث إلى أسطورة انشغلنا بها عن المواجهة. وبدل أن نجعل من اللعبة فرصة للتحدي وساحة للمواجهة، ونواجه لأجل تغيير قواعد اللعب غير النظيف، انخرطنا بتحريض إعلامي جنوني في اللعبة من جانبها العاطفي فإذا بنا في حلقة للجذب الصوفي لا في ميدان للمواجهة.

إنه لا شيء أفضل من اللعبة لتحويل الأنظار عن اللعبة؛ فبهذه الطريقة لن يفكر أحد في اللعبة (بمعنى المواجهة لتغيير قواعد اللعب) لأنه يلعب اللعبة (بالمعنى الاستعراض الاستهلاكي). في سنة 2010 تظاهر نحو مليون كتالوني مطالبين بالاستقلال عن إسبانيا، ولكنهم تظاهروا بعد أيام مرة أخرى محتفلين بفوز إسبانيا بكأس العالم.

ولأن اللعب جدّه جدّ وهزله جدّ، لم يكن بالإمكان التسامح مع الذين يحاولون تحويل اللعبة من ساحة للاستعراض إلى ساحة للمواجهة، ومع الذين يحتجون على اللعب غير النظيف. كان لابد من معاقبتهم، لأن المهيمنين جادون في الحفاظ على قواعد اللعب غير النظيف وعلى هيمنتهم من خلالها. إن اللعبة جدّ، ولا يمكن التسامح مع أي تشكيك في ديمقراطيتها، أو تهديد يطال قواعدها، أو رغبة جانحة تطالب بقواعد عادلة ومنصفة ولعب نظيف، أو سعي إلى أن تسقي اللاعبين بروح المواجهة كأس الوعي والإرادة، بدل أن تسقيهم بشغف اللعبة كأس الوهم.

ثالثا: في ضرورة اللعب

فهم الألعاب الاستراتيجية وقوانينها هو ملاذك الآمن إن أردت أن تعرف كيف تبني مشروعك واستراتيجيتك وقراراتك بالشكل الذي يضمن المصالح التي تدافع عنها، هذا إن كانت لك مصالح، فالطيبون لا يملكون مصالح وإنما نوايا حسنة.

إن كل من يخوض مواجهة أو يلعب لعبة عليه أن يتسلح بمرجعية نظرية وعملية تساعده على فهم اللعبة وقواعدها واللاعبين ومشاريعهم واستراتيجياتهم، ليتمكن من اتخاذ أفضل القرارات والمواجهة بأفضل التكتيكات والاستراتيجيات.

لا بديل عن المواجهة، فاللعبة قَدَر، لتضارب المصالح، ولوجود المنافسة. ويصبح اللعب والنجاح فيه مسألة حياة أو موت عندما تكون الرهانات عابرة للأجيال، وهذا حال الألعاب الاستراتيجية.

رابعا: في الحاجة إلى علوم اللعب

إذا نظرنا للحياة على أنها لعبة، وللإنسان على أنه لاعب، فهل يمكن للّعب بهذا المعنى أن يكون موضوعاً لدراسة علمية؟ وهل يمكن للعلم أن يجعل قرارات اللاعبين عقلانية وتصرفاتهم استراتيجية، واحتمالية وقوع  حدث مرغوب فيه أقرب لليقين؟ وأي علم أحق بدراسة ألعاب البشر وقوانينها؟

تُقسّم الألعاب إلى نوعين: ألعاب الحظ، والألعاب العقلانية. تسمى الألعاب التي يكون فيها للحظ نصيب بألعاب الحظ، وتسمى الألعاب التي لا مكان فيها للحظ أي تقوم كلياً على القرارات العقلانية بالألعاب العقلانية.

أما العلوم التي تدرس هذه الألعاب فنوعان:

أولا: نظرية الاحتمالات

وهي العلم الذي يدرس  ألعاب الحظ؛ أي الألعاب القائمة بين خصمين كل منهما لديه معلومات ناقصة عن اللعبة بسبب طبيعة اللعبة أو بسبب إخفاء أحد اللاعبِين معلومات مهمة عن الآخرين، وفي هذه الحالة يدرس العلم ظواهر تخضع كلياً أو جزئياً للحظ، أي قائمة على خلط الأوراق وعلى ما أمتلكه اللاعب من أوراق جيدة وزعت عليه عشوائياً.

ثانيا: نظرية الألعاب

تعتبر “نظرية الألعاب” فرعاً من الرياضيات التطبيقية. ويصفها أهل الاختصاص بأنها “علم التفكير الاستراتيجي”، أو “دراسة النماذج الرياضية المُستخدمة في أساليب التعاون والصراع بين صُنّاع القرار العقلانيين الأذكياء”. وهي العلم الذي يدرس الألعاب القائمة بين خصمين كل منهما لديه معلومات تامة عن اللعبة، وفي هذه الحالة يدرس العلم قرار اللاعب من جهة كونه أفضل قرار ممكن. وهذه الألعاب لا مكان فيها للحظ، وتدرس الألعاب بنوعيها التكتيكية والاستراتيجية لكن من منظور رياضي.

إن عيب النظريتين (نظرية الاحتمالات ونظرية الألعاب) هو دراستهما للألعاب من منظور رياضي خالص، دون اعتبار للبعد الاجتماعي في اللعب وتأثير قوانينه على اللاعبين واللعبة والملعب.

خامسا: في الحاجة إلى التحليل الاجتماعي للألعاب

يجب اعتبار نظرية الألعاب فرع من علم الاجتماع لا فرع من الرياضيات التطبيقية، ودراسة الألعاب الاستراتيجية من منظور اجتماعي حي لا من منظور رياضي تقني، وذلك لاعتبارات متعددة أهمها:

– التحليلات الرياضية هي تحليلات تقنية، قد تفيد نظرياً وصورياً في تحديد وحصر الخيارات والبدائل المختلفة، لكن فائدتها قليلة عندما يتعلق الأمر ببناء استراتيجية اجتماعية لمواجهة اجتماعية في حقل اجتماعي ضد فاعلين اجتماعيين.

– وحتى لو نجحنا في وضع أفضل استراتيجية للمواجهة باستخدام التحليلات الرياضية لنظرية الألعاب، فإن تنزيل هذه الاستراتيجية غير ممكن إلا من طرف فاعل يملك استعدادات اجتماعية للمواجهة، ويتموقع داخل حقل اجتماعي للمواجهة. إن الاستراتيجية هي سلسلة من الممارسات الاجتماعية، التي تنتمي لحقل اجتماعي، ويقوم بها فاعل اجتماعي، يملك استعدادات اجتماعية، أما الرياضيات التطبيقية وحسابات فاعليها “العقلانيين” فمجرد خدمة يقدمها التقنوقراط لتعزيز هيمنة المهيمنين وخضوع الخاضعين. إن الواقع الاجتماعي تحكمه قوانين الصراع الاجتماعي لا قوانين الرياضيات التطبيقية.

– إن الألعاب الاستراتيجية هي ألعاب اجتماعية، قائمة على تضارب مصالح اجتماعية، بين لاعبين يخضعون لقوانين اجتماعية، ويتخذون قرارات مشروطة بتنشئة اجتماعية، وبظروف اجتماعية. خُلق المهيمنون مثلا لصناعة الوظائف، وخلق الخاضعون لطلبها.

– إن حالات تضارب المصالح الذي هو أساس أي تحليل رياضي ويستهدف الوصول إلى أفضل الخيارات الممكنة لاتخاذ قرارات “عقلانية”، هي في النهاية حالات تضارب مصالح طبقات اجتماعية، بعضها مسلح بالوعي الطبقي والأدوات الفعالة للحرب الطبقية (التي يقودها الأغنياء ضد الفقراء، والمهيمنون ضد الخاضعين)، والبعض الآخر مجرد من أي سلاح فعال للمواجهة إلا ما كان من آمال مجنحة وتفكير إيجابي أو حقد طبقي يستنزف ما بقي من الذات المسحوقة أصلاً.

– إن عقلانية اللاعبين محدودة بالشروط الاجتماعية لوجودهم ولإعادة إنتاج وجودهم، وبالتالي لا وجود لفاعل عقلاني يملك القدرة على القيام بعمليات حسابية عقلانية لاتخاذ أفضل القرارات العقلانية. إن ما يبدو على أنه سلوك عقلاني للاّعب إنما هو أفضل خيار أتاحته ظروفه الاجتماعية، أو هو مجرد سلوك آلي وفق البرمجة الاجتماعية التي خضع لها اللاِعب.

– ومن جوانب قصور نظرية الألعاب الرياضية أيضاً أنها لا تهتم بمشاريع اللاعبين ودوافعهم، وإنما بقوانين تحقيق أكبر قدر ممكن من الربح، وإلحاق نفس القدر من الخسارة بالخصم. إن معرفة استراتيجيات اللاّعبين لا تكفي، إذ لابد من معرفة مشاريعهم ودوافعهم أيضاً. علينا إذن أن ندرس الألعاب الاستراتيجية من منظور اجتماعي، والنظرية الاجتماعية هي العلم الذي يقوم بذلك ويحرض عليه ويمنح الملاذ الآمن لمن أراد أن يعرف كيف يبني مشروعه واستراتيجيته وقراراته بالشكل الذي يضمن المصالح التي يدافع عنها، هذا إن كانت له مصالح، فالطيبون لا يملكون مصالح وإنما نوايا حسنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق