المقالات

كرونا وإعادة بناء الفعل السياسي (مبارك الموسوي)_3_

تلك المعركة الوهمية (وهمية لأنها لم توفر للإنسان رغم الحيز التي احتلته في تفاصيل يوميات حياته أبسط شروط الاستعداد لجائحة لا تُرى بالعين وهي تعصف بالعالم) دارت بأدوات هي الدولة والحزب والتنظيمات المجتمعية وماهية النظام السياسي محليا وعبر ما يسمى بالمنتظم والنظام الدوليين.

في النظام الدولي والنظام السياسي

خلاصة الأمر دول استكبارية ينعم داخلها بنظم ديموقراطية؛ ديموقراطية معينة أهم ما فيها شعور لدى المواطن أنه حر ويتمتع بأهم حقوقه مع كثير من الرفاهية، ويشعر بأن أجهزة الدولة في خدمته، شعور يتعرض للاهتزاز كلما حلت كارثة سياسية أو طبيعية شاملة لتظهر أسئلة كبرى سرعان ما يلتف الاستكبار على أجوبتها الحقيقية ليعمق الوهم من جديد والشعور المزيف والوعي الزائف إلى حين، لأن المواطن محاط بشبكة عنكبوتية معقدة للدولة، وفي المقابل في بلاد المستضعفين تكلست أنظمة سياسية استبدادية لا تغادر الاستبداد إلا لتعود إليها لتعمقه.

هناك علاقة عبر محاور معقدة هي الأخرى بين الفعل الاستكباري، المهيمن على النظام الدولي الذي يريد تسخير كل شيء لصالح هذه الهيمنة، وبين قاعدة الاستبداد المترسخة في بلاد المستضعفين، خاصة التي عرفت الاحتلال.

تعمقت هذه العلاقة بين الاستكبار العالمي والاستبداد المحلي خلال القرن العشرين، وماهي في الحقيقة إلا نتيجة طبيعية للاحتلال، لتنكشف مع بدايات القرن الواحد والعشرين كأبشع صور الاحتلال الجديد خاصة لما تسلحت بالإضافة إلى القوة العسكرية والاستخبارية بقوة المعرفة وتشبيك المصالح المالية والاقتصادية في شركات عابرة للقارات والجنسيات.

لذلك كشفت انتفاضات الشعوب خلال ما مر من القرن الواحد والعشرين في كل أنحاء العالم أن أكبر عائق أمام حريتها واستفادتها من خيراتها هي هذه العلاقة المعقدة التي صارت هي روح النظام الدولي في المال والاقتصاد والعلاقات، فارتهنت الأنظمة الاستبدادية في علاقتها مع شعوبها لهذه العلاقة في سياق نضال وهمي غالب، هو نضال حقوق الإنسان والحريات والديموقراطية كما يريدها الاستكبار أدوات اختراق، وسياق نضال حقيقي يروم تحرر الشعوب وتحريرها كشفت تلك الانتفاضات افتقارها للقيادة الكاملة المؤهلة للدفع به إلى مداه، وازداد الأمر تعقيدا مع هذا الافتقار بما فعله مفهوم الإرهاب من إرباك وارتباك تصوري وميداني أمام حركة هذه الشعوب.

لذلك يحتاج العالم إلى لحظة يكتشف فيها أن من مصلحة الإنسانية في تفكيك هذه العلاقة بين الاستكبار والأنظمة الاستبدادية المحلية مصلحة مصيرية وحاسمة، وفي نفس الوقت تدرك هذه الأنظمة أن استمرارها ليس في استمرار علاقة الضعف مع الاستكبار بقدر ما تكمن في تحولها إلى نظم الحرية الحقيقية للمواطن والوطن، وهو الضامن الأساس في استمرارها، إذ دونه فزوالها مسألة وقت ليس إلا.

تفكيك هذه العلاقة وفرز القيادة المؤهلة لخوض معركة التحرير والحرية خارج منطقي الثورة و الانبطاح هو المدخل الكبير لفتح أفق بناء نظام دولي عادل ومتوازن وإنساني.

لقد فتح زمن كرونا هذه اللحظة التي لم تستطع الشعوب إنجازها، وهي تقوقع الأنظمة السياسية المحلية على موطنها الجغرافي وعلى إنسانها المواطن، وانكماش النظام الدولي وانكشاف عجزه واللاإنسانية، ليتيقن العالم أن الحرية التاريخية بعقمها الإنساني تصدر عن وصول الشعوب إلى لحظة اللحمة الاجتماعية التي توفر الأرضية الصلبة لبناء الفعل السياسي اليومي في سياق حركة القيادة المجتمعية ذات الأفق الكوني والإنساني الذي لا ينحاز إلا للمستضعفين.

إن كرونا آية كونية بهذا الاعتبار لما جعل العالم يتفرج، كل من شرفات بيته وشاشات حاسوبه وهاتفه، على عزلة عالمية يعيشها الجميع اختُبرت فيها إرادة الشعوب وأهمية حضور إراداتها، واختبرت فيها الأنظمة السياسية المحلية والنظام الدولي، حيث ظهرت الحاجة إلى حتمية إعادة بناء هذه الأنظمة وهذا النظام ليتوافقا مع إرادة الشعوب التي برهنت على أنها هي من يحسم المعادلات الصعبة في اللحظات الصعبة، وليس أصعب من أن يقف العالم أمام حقيقة الموت في الوقت الذي دوخه الإعلام والمال والحسابات الاستخبارية عن قتل الملايين وتشريد الملايين لمجرد أنها طالبت وتطالب بحريتها.  

إنها لحظة الحرية أو الطوفان.

في الدولة

نذكر هنا بالنقاش الفكري الذي ساد أواخر تسعينيات القرن الماضي الممهد لفكرة العولمة وانتشارها معرفيا وماديا دون أن نغفل ساعتها الحديث عن نهاية التاريخ ونهاية العالم، وهو نقاش هم مصير الدولة والنقابة وعلم الاجتماع، وركز على أن دور الدولة انتهى وكذلك النقابة دور عالم الاجتماع.

ومن الواضح أن نهاية هذه المحاور الثلاثة يعني نهاية الدولة باعتبارها أداة اجتماعية لتختزل في المعنى السياسي الضيق وتتخلص من مهامها الاجتماعية لتصبح أداة خفيفة في يد السياسي وصاحب المال والإعلام وتُلقي بالملف الاجتماعي إلى المجهول وعلى الأقل إلى رحمة الصدقة وتراكم الديون الداخلية والخارجية.

لايخفى على أحد أن التهرب من ثقل الملف الاجتماعي بقي معه تمدد الدولة إلى صورة أخطبوط يعم كل تفاصيل حياة الإنسان المواطن بحث في المجتمعات المستضعفة صارت ماهية الدولة هي ماهية النظام السياسي، وأن تفكيك العلاقة بينهما مستحيل إذ يعني انهيار الحلقة الأضعف وهي الدولة والمجتمع، خاصة إذا كان النظام السياسي مدعم بقوة خارجية، وهو مظهر ما سمي بالربيع العربي.

وإذا أضيف إلى تعقد عملية تفكيك هذه العلاقة بين الدولة والنظام السياسي تعقد تفكيك العلاقة بين هذا النظام والنظام الدولي، لتشابك المصالح والعلاقات المالية والاقتصادية والأمنية مع وضع مجتمعي اجتماعي هش، انكشفت طبيعة طريق التغيير والحرية والتحرر، لأنه سيصبح عبارة عن متاهة غاية في التعقيد.

هنا ستتدخل كرونا لتصحح الوضع وتحيل على ضرورة إعادة بناء الفعل السياسي عبر كشف عورة الدولة الحديثة التي تخلت عن مهامها الاجتماعية باعتبارها مهام أصلية، إذ يعني عدم قيامها بها تحولها إلى أداة في يد النظام السياسي مهما كان هذا النظام، وفي نفس الوقت بين تدخل كرونا أن الدولة ليست مضوع المزايدة السياسية والصراع السياسي، لأنها في أصلها أداة مجتمعية يجب احترامها وتطويرها من حيث هي أداة لجميع المجتمع، ولذلك لا ينبغي أن تكون موضوع توازن الإرادات السياسية ولا مضوع الصراع بينها وتصفية الحسابات.

وهو ما يعني أن عودة الدولة إلى وظيفتها الاجتماعية الأصلية يجعلها ملكا للجميع، لكن مع الوعي بأن اعتبارها أداة اجتماعية في أصلها لا يعني أن تكون هي مصدر الحل الاجتماعي بل هي مدبرته وموفرة لمعطياته واستراتيجياته، في حين مصدر الحل مجتمعي، أي أن توفير مادة الحل ليس إلا قضية مجتمعية، ولذلك لما كشف كرونا عجز الدولة الحديثة في الملف الاجتماعي كان المجتمع وروح المجتمع الحاسم في إنقاذ الموقف وفي نسف الوقت تبين أن وجود مؤسسات الدولة في موقعها الطبيعي وأداء أدوارها الطبيعية عامل حاسم لما توفر لها الإمكانات الضرورية والاستشرافية.

في الحزب والتنظيم المجتمعي

مما كشف كرونا أن المؤسسات السياسية الشكلية في ظل الوضع السياسي المشار إليه، والذي يجعل عجلة التغيير والحرية والتنمية معطوبة أو معطلة، لا قيمة لها في اللحظات الحرجة، وهو ما يدلل على تهافت أدائها في اللحظات العادية باعتبار كلفتها المجتمعية المادية، وبالنظر إلى مهامها الأصلية، كما ظهر أن التنظيمات المجتمعية لما احتلت الدولة باعتبارها أداة سياسية مجردة مواقع مجتمعية صارت خصما لهذه الدولة أو موظفا سياسيا عندها، وهو ما حرف عمليات التدافع والصراع وأثقل الحياة المجتمعية والسياسية وأعاق حركة المجتمع نحو التنمية.

إن هذا الوضع جعل من الحزب والتنظيم المجتمعي أدوات سياسية تعاني من أمراض لا حصر لها همشت معها كثير من كفاءات المجتمع العلمية والخبيرة، ولذلك كشف كرونا حاجة المواطن والوطن إلى كل كفاءاته ظهرت قيمة التضامن والعمل الجماعي.

وهو مايعني أن بعد كرونا سيكون تفعيل العمل السياسي وإعادة بنائه بناء جذريا بما سيحدث داخل الحزب والتنظيمات المجتمعية من تحول كبير عبر تجاوز عدد من الأمراض التي عششت في هذه التنظيمات وكرست عجزا مهولا في حركتها وأدائها بحيث كل تنظيم ليست له القدرة على التكيف الإيجابي مع ما بعد كرونا من خلال القدرة على التفعيل الذاتي وإعادة بناء استراتيجيات وجوده وفعاليته سيصبح في خبر كان.

لذلك كل من لا يملك هذه المؤهلات لما بعد كرونا فسيكتب التاريخ أن هذا الفيروس لم يكتف بقتل الأشخاص بل سيبيد أنظمة سياسية وأحزاب سياسية وتنظيمات مجتمعية، ولذلك ستكون آثاره في التاريخ البشري أعمق من اية كارثة بشرية أو طبيعية عرفها التاريخ الحديث.

إن لكرونا ما بعدها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق