المقالات

قراءة في “مديح الحدود” لريجيس دوبريه:(مراد ليمام)_2_

إن مشهدية الوضع الذي نعيشه في العالم الحالي صار موضع تساؤل يجعل من معرفة الحدود والاعتراف بها شرطا ذاتيا ينال الحق في أن يسائل المبادئ الإنسانية بكوكب أزرق تتلاشى فيه الحدود  بين الإنسان والإنسان، وتُهدم فيه حصون البنى المغلقة على نحو يسير بالبشرية نحو إنتاج الإنسان المعولم. بيد أن شيئا من القلق ينتاب مفكرنا حول صدقية هذا المسار، وعند التمحيص يتحول القلق إلى شك فإلى يقين. وقد ارتأى دوبريه أن ينقل لنا هذا الإحساس من خلال التمييز بين حدود معطاة تمنحنا إحساسا بالمعنى وتغمرنا بدفء ثقافي ووجداني، وبين عالم فسيح بلا حدود، لا مكان فيه لإحداثيات تحمي الجماعة، ولا تاريخ فيه يحفظ خصوصيتها. فالانخراط الفعال في الزمن، وشق طريق سالك يرسم ملامح الراهن الحضاري لا يتأتّى دون جعل التعليب والتغليف صناعة وفنا بالقدر ذاته.

لذا يقيم دوبريه مشابهة بين الحدود والجلد الخاص بالجسد. فهذا الأخير، شأنه شأن الحدود يستنجد به الجسد للاحتماء بوصفه منطق التغليف وقواعده التسجيلية كيما يبرر خصوصيته. تتقدم هذه الخصوصية كمشهدية تشير إلى الجدران العازلة ليصبح المحلي والجغرافي أشد الحاضرين حضورا، لأنه مرجع مراجع التصنيف كلها عند دوبريه: إن نجاح التكاثري للمغاليق المخففة بعناية والتي نسميها ثقافات هي خاضعة لهذا الشرط. ونحن نفهم أنها تحرص على أسوارها قدر حرص بوليصة التأمين على الحياة. فالجدران مصفاة شأنها شأن الجلد الفاصل بين الجسد والعالم الخارجي. من هنا، الجسد والحدود حالة تفترضها حياة الإنسان النوعية باعتباره كائنا ينتفي وجوده دون حدود معينة تؤطر علاقته بذاته وبالآخر وبالعالم. هي حدود تُفتح وتُغلق مثل مسام الجلد بالتنفس، مثلها مثل المرافئ والجزر والجسور. إنها النقطة الأرخميدية وتأشيرة العبور لاستيعاب المحلي والخصوصي بشكل يضمن تماسك الإنسان ولا يهدد وحدته ضمن حدوده التي يُفترض أن يتم الاعتراف بها مهما كانت إغراءات التغريب التي انبطح لها الغالبية مُغتربين عن أوطانهم. ومن ثمة، تبدو مشكلة الحدود معضلة وجودية وعلمية تلح على أن تكون كذلك لأن الإنساني في الإنسان مرتكز معالجتها.

فلا احد ينكر اليوم كيف اهتزت أركان الحدود والهوية… غيرأن هذا الاهتزاز، تزامن مع دعوة ريجيس دوبريه إلى إعادة البحث من جديد عن مواطن الجغرافيا السياسية التي يمكن أن ينوجد فيها الشخص بين معارفه وتجاربه. إنها بالأخرى مدخلية نحو تلك البساطة التي نصطلح على تسميتها بالحدود. بيد أنّ ما يريد أنْ يشير إليه هذا المصطلح هو الواقع ذاته الذي يتحدث معنا مباشرة عن ذلك الجوار الذي نقيم عنده النحن، ويجذبنا إلى حيثما ننتمي. فالحدود سياجات ننجز من خلالها كينونتنا بفقدان تلك الكيفيات التي خلعتها الكونية عليها. فالتفكير في الخصوصية بوصفها حدودا مغلقة يسهم -بحسب ريجيس-  في بناء فكر يستقي الأدوات لهذه الخصوصية المغلقة ذاتيا بشكل يصبح معه ذلك الذي يتيح الانتماء مجسدا في أعشاش وأكواخ.

فتحليل دوبريه -في الجزء الثالث- يبرز لنا ترابط مصطلح الإنسان بمصطلح السكن والإقامة الذي يتم بواسطته عزل أمكنة مُحددة تخلق الاختلاف بين الداخلي والخارجي. وهذا الخلق يُقطع مجددا بأعشاش ومساكن أخرى، تفترض استمرار عزل ما، بحيث يفترض كل عزل تجزئة الأرض. لا شك أن كل مساحة مُسيَّجة تفسر العالم وفق تدفقها الخاص. ومن أمثلة ذلك أنه لا تتشابه أحياء باريس، فلا حيَّ يشبه حيّاً. وإذا كانت الوسائط الإلكترونية قد غيَّرت معنى الزمان والمكان بتشكيل صورة جديدة لعالم فاقد للحدود، فذلك لكونها تُهمل الأفق الداخلي للإنسان جاعلة من العالم دولة. غير أن  المفكر يُنبهنا إلى كون هذه الوسائط مجرد آلات وأجهزة تمسح المساحات بلمحة البصر دورُها تواصلي فقط، أما الاجتماعي فهو لا ينفصل عن الثقافي الذي لا ينفك بدوره عن الحدود ومسألة الانتماء الأنطولوجي. فالحياة بدون حدود ولا رسوم تُفقد العالم طبيعته الاجتماعية وتنوعه الثقافي لتتحول الحياة إلى عبث لا معنى له.

 ومن ثمة، لا يغالي دوبريه عندما يجعل من الحدود ضرورة أنطولوجية تستوجب طبيعة الكائن الإنساني بوصفها إمكانية للتعددية والنوعية والكثرة. فمن الحدود تتفرع ثنائيات الفصل والوصل، القطيعة والاستمرارية، الجزئي والكلي، الخصوصي والعالمي… باعتبارها ثنائيات يخترقها المحلي من كل صوب وحدب. ثنائيات تجعلنا نضع لأنفسنا حدودا نشعر إزاءها بالانتماء والسكينة في الفعل الهادف خارجها وداخلها دون أن يفقدنا علاقاتنا الحميمية: وهذه العودة إلى التقاليد هي بمثابة رد فعل يشابه نوعا من الحماية الذاتية.

وهكذا تكسر الحدود أحادية العالم بخلق معازلنا ومعازل الآخرين المتوزعين على حلبة التجمع الإنساني. إنها الخط النوري الساطع الذي يتخلل كل ما سواه، ويُعيد تكوينه  واضعا خرائط تضطلع بمهمة فَتْقِ العالمية ليُثبِّت عليها حق سؤاله لها بطريقته الخاصة.

لذا كانت إعادة التفكر بما لا يمكن للعالمية والكونية أن تعطيه هي ولادة المختلف الذي تبدَّى مرسوما من حدود وسياجات، له كيان، ومسكنٌ يُفردِن الثقافات حتى تُسجل أزمنتها على سطوح متباينة ترفع من خصوصياتها الإثنية. وتُعتبر السياجات والجدران تصنيفا لأسلوب الكائنات الخاص، إذ تتضمن في تنوعها واختلافها التغاير والتمايز الذي يُكسب العالم معنى إيجابيا. هنا، الحدود تلعب دور إثبات الهوية وتثبيتها، بوصفها الدليل العيني الذي يكاد يكون المعادل الموضوعي للوجود الإنساني: فالشَّعب هو مجموعة من السكان له حدود من جهة وقصاصون وروائيون من جهة ثانية، إذ يُراكم محاصيله الدلالية التي تتعاظم لالتصاقها بجغرافيا تؤشر على ما تعنيه الخصوصية.

عند ذلك، يصرح دوبريه –في الجزء الرابع-  قائلا: “للحدود هذه الفضيلة التي ليست جمالية فقط”، بل هي لحظة انكشاف المخططات الضوئية، والصور اللونية على شاشة العالم التي تَبُثُّ قواقع الكيانات الحديدية، بحيث تمفصلها وتلقيها في بحران الكثرة والتعددية، لتَقُص أسرار تمفردها ونصها الشخصي عبر تفاصيل أفعال انفتاحها وانغلاقها، ولتُثبت صك براءة الداخل الذي يجول في الخارج أو العكس علما أن الحدود هي ما يمنح للداخل والخارج إمكانية أن يكونا على ما هما عليه.

العالمي تذكير بالكاوس أي: بموطنه كما أنه وطنه الأصلي. وعندما يُقبل على ارتياد ومحايثة خرائط الحدود، فإنه يتابع بحثه عن ترميزات وهمية قادرة على صياغة تجريدية لمفهومه الطافح تحت اسم الكونية. يكابد على أمل أن يحقق خطوة إلى الأمام اتجاه الوهم الذي انبثق منه وعنه، حاملا في الآن ذاته التخبط في ما لا شكل له. فإذا كان العنصر السياسي الذي تجلى في إدراك العالم من منظور اللامتناهي واللامحدود يعود إلى الحداثة المبكرة، فإن قانون الفصل ووضع الحدود –الذي يُحدثنا عنه دوبريه في الجزء الأخير من كتابه-  يجعل الفئة المجردة من الملكية هي التي لها مصلحة في وضع الحدود، والحدود هي مصدر دخلهم. فكلما كان البلد فقيرا، كان أكثر اعتمادا على الضرائب الجمركية. تحقق الحدود مساواة بين القوى غير المتكافئة. ويعتبر دوبريه أن الإدارة العالمية تدبير تجاري يتجلى في اتفاقيات التجارة العالمية الداعية إلى التطبيل لقضايا من قبيل حرية السوق، والقانون الدولي المطلق وما يُصاحبه من دعوات إلى فتح الحدود والأسواق وإلغاء كل حماية. فبقدر ما تخدم الأقوياء، بقدر ما تُروِّع الضعفاء المتمسكين بمبدإ الحفاظ على هامش مناورة حمائية للخصوصية والمحلية.

غير أن هذا الفصل بين عالمين، والاختيار المفروض بين المسموح والممنوع، هو كتابة عن سلطة قائمة أو سلطة خفية. وتُنتج هذه السلطة لزاما سلطة مضادة لها، مما حدا بفيلسوفنا إلى تأصيل السؤال عن حقيقة هذا الفصل والموضوع  في الحياة الاجتماعية، وأين تكمن الحدود بين عالمين (عالم القوي والضعيف) على المستوى الاقتصادي؟ ويعتقد دوبريه أن التوتر الاصطلاحي المشار إليه بخصوص اللا-حدود يجعل الموضوع المستحدث الذي يشير إليه يمس مستويات مختلفة تتمثل فيما هو اقتصادي، وإمبريالي، وتقني، واستبدادي.

بالمقابل، يستمد دال الحدود مشروعيته الأنطولوجية والأخلاقية من التصور القاعدي لمدلول الديموقراطية على نحو تتناسل معه المشروعية السياسية للسلام  باعتباره شرط استمرار النمط الوجودي القاعدي الأول. وترتب على ذلك مسوغان  يعملان لصالح إقرار الديموقراطية: المسوغ الأنطولوجي الذي يقوم على العلاقة الجدلية بين الداخل والخارج، والمسوغ السياسي الذي يأتي في مقام المحصِّلة القائمة على سيادة الاعتقاد القائل بأن النظام الديموقراطي الصلب لا يكون إلا بالمشترك الإنساني لأفراد ارتبطوا بروابط تاريخية مشتركة. ويُعتبر المسوغان تحرريان وراهنيان لأنهما يعززان السلام، ويدافعان عن الخصوصيات والثقافات المهدَّدة بالذوبان بفعل الإقصاء الذي تنهجه ثقافة متفوقة استرتيجيا وعسكريا. بينما ضعف المسوغين –بحسب دوبريه- يُبقي الديموقراطية هشة ضعيفة، مادام عدم ترسيم الحدود يُفَتِّتها مهددا بانعدام السلام. ويُمثل المفكر الفرنسي لذلك بالحركة الصهيونية التي ترفض رسم الحدود فاتحة بذلك المجال لقضم لا نهائي للأراضي، وساعية –في الآن ذاته- لاحتواء الخصوصية الثقافية للشعب الفلسطيني وقَوْلبتها داخل رؤية سياسية. على هذا الأساس، كان الاعتراف بالحدود بمثابة الحق الأخلاقي الضامن لتراث الثقافات والخصوصيات وتاريخها.

داخل هذا الإطار، يدعو دوبريه إلى شحد قوى اختلافاتنا الأخيرة حتى تُصبح الحدود حالة خاصة تكشف نطاق الاختلاف الذي يسمح بالاعتراف والإقرار بزاوية الكثرة والتعددية الثقافية التي تفترض تلك الوحدة المُركبة من قُدرتنا على التنوع والاختلاف: فالفصل فرصة لفرض منطق الكثرة، وللاعتراف المتبادل بالاختلاف والتنوع، ولإقرار الحدود وهي حدود تتعلق بالإثتية، واللغة، والثقافة…بشكل يعزز إثبات الإحساس بالانتماء المحلي. لكن هذا الأخير لا ينبغي أن يقود نحو رسم حدود مأساوية تخنق الثقافات وتُعرّضها للموت، كما لا ينبغي أن تتلاشى هذه الحدود فتتعمم الثقافات فاقدة كل خصوصياتها فتموت. فالبلد مثل الفرد كلاهما يموت بطريقتين: إما عبر الاختناق أو عند التعرض لتيارات الهواء. إما حبيس جدار أو طلق مفتوح. لذا فمن الممكن التناوب بينهما من أجل إيجاد الإيقاع الصحيح.

الحدود إذن، يمكن أن تكون الأفضل لأنها تُفشل كل فكر وحيد مسيطر، دون أن تكون حاملة لفكر مضاد وحيد. فلها قواعد اللعبة الخاصة بها -من منظور دوبريه- التي تمنع من أن تتلاشى عند الانعزال في الخاص والفردي، وعند الذوبان في العام والجماعي. لأجل ذلك، نحن مطالبون باستيعاب الحدود نفسها للحفاظ على هوياتنا الثقافية، تلك الحدود التي تتيح لنا تقديرا صحيحا  للذات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق