المقالات

في الحاجة إلى بناء نظرية أخلاقية أصيلة -1- الانعتاق من أخلاقية الغرب (هشام لعشوش)

إن إجالة النظر في سؤال الأخلاق داخل النسق المعرفي الإسلامي يطرح جملة من الإشكالات المنهجية والمعرفية، ذلك أن التصورات السائدة لهذا السؤال في هذا العصر، قد أضحت انعكاسا لثقافة غربية تفاعل فيها العقل الغربي مع حدود فلسفية ذات مرجعية يونانية أرسطية بالأساس، فصارت النتيجة الحتمية اعتقاد مصدرية العقل للأحكام وأنه الحجة القطعية لكل التصورات.

لقد تأثر السؤال الأخلاقي هناك داخل مساقات فلسفية انسلت في الجوهر من كل قيم ومعان أخلاقية، وهي مساقات أرخت للفكر الأخلاقي الإنساني بشكل عام، وهيمنت على مقتضياته بدعم من الخلفية التكنولوجية المهيمنة التي جعلت اللذة اللحظية والمتعة الجسدية هدفين سعت لتحقيق النصيب الأعظم منهما.

وفي عالمنا الإسلامي سادت حالة من الشك و الدهشة، أثرت على جمهرة من المنبهرين بما أنجزه العقل الغربي، فسارعوا إلى رسم مسارات موازية أو حتى مطابقة لأسباب التقدم الغربي، لعلهم يخرجون من قبضة التقليد الذي جثم على صدر الأمة حينا من الدهر ولايزال، فكان الاقتداء والاقتفاء، كما كان نقد التراث وتغليب سلطة العقل      -القاصر والمحكوم بالهوى- على مقتضيات النص، إنه -بحسب زعمهم- العقل الذي أوصل الغرب إلى ما وصل إليه، وإنه النص الذي قتل روح الإبداع وأوقف عجلة الزمان في عصور سحيقة، وألزم كل الأزمان بالخضوع (لأحكامه البائدة).

 من هنا بدأت أزمة بعض النخب الفكرية، حيث إنها تماهت مع تاريخ الغرب في محاولة يائسة لتتبع ركب “التقدم”، فعاشت مشاهد ذهنية من أطوار ومراحل لا وجود لها حقيقة في واقع الأمة الإسلامية، كالحداثة وما بعدها، والعولمة وما بعدها، ودافعت عن شعاراتها السائدة كالتنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

 وبذلك ازدادت الهوة بين ما تعيشه هاته النخب على مستوى التصور وبين حقيقة مجتمعاتها، إذ فرضت على نفسها القفز من منظومة إلى منظومة، ومن سياق الى مساق، خارقة بذلك كل القوانين والسنن، وباحثة عن اللحظة الإعجازية التي تتجاوز من خلالها مائتي سنة -على الأقل- من (الجمود والتقليد).

لقد تجلت الأسئلة الأخلاقية الكبرى- بنمطها الحداثي- وعبرت عن نفسها خارج دائرة العلوم الإسلامية، ومن ثم فهي أسئلة مغتربة عن الذات، جعلت الانعتاق من الموروثات الثقافية “المقيدة لحرية الفكر والمعطلة لسلطة العقل” غاية  وجب على الإنسانية كلها السعي لتحقيقها.

 كل هذا، كان حافزا لإعادة “ترتيب الحقل الدلالي للسؤال الأخلاقي العربي الإسلامي، ولن يكون مثل هذا الترتيب ناجحا إلا باستشكاله داخل احداثيات تاريخه، إذ السؤال عن كيفية العمل ووفق أي معيار”([1]).

هو سؤال يبدأ بتجهيز النظام المعرفي والمنهجي الذي يمكننا من تجاوز حالة الارتباك التي اتسمت بها الدلالة الأخلاقية في علاقتها بالدلالة النصية.

 ولما كانت كل نظرية أخلاقية لا تتأسس ولا تنبت خارج سياقاتها الفلسفية والمعرفية، وفي إطار تصوراتها الوجودية (الميتافيزيقية) التي تخضع لها وتدافع عنها، فان إدخال سؤال الأخلاق إلى دائرة الاهتمامات المباشرة للعلوم الإسلامية بات أمرا ملحا وضاغطا، خاصة في هذه الزمنية التي اتسعت فيها الفجوة بين النص وفهمه، ثم بين فهمه وتنزيل مقتضياته في الواقع.

 هذا السؤال، لم يكن في السابق سؤالا ملحا، حيث تكفل النص التشريعي في مراحل ممتدة من تاريخ الأمة بحضور روح الأخلاق في الممارسات الفردية والجماعية، يومها كانت العلوم كلها سواء دينية أم دنيوية، هي تعبير عن غايات أخلاقية بالأساس.

فالناظر في العلوم الإسلامية يجد أنها لم تخل من أجوبة عن عناصر السؤال الأخلاقي، إذ هو نظر ينطلق من رصد المفردات ذات الدلالة الأخلاقية وتتبع النصوص التي راكمت حول هذا اللفظ تصورات وفهوم في مجالات مختلفة، فقد أضمر هذا السؤال في العلوم الإسلامية، وارتبط بالدلالة التشريعية من خلال كتب التفسير والفقه وأصوله و كتب التصوف وعلوم الحديث، خاصة في العصر الأول، فالفقه مثلا كان يطلق ” على علم طريق الآخرة ومعرفة وقائع آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب”([2]).

 إن من مقتضيات التجديد الإسلامي، قدرة العلوم الاسلامية على التفاعل مع التاريخ والمستجدات، وكذا قدرتها على إمداد مختلف البنى الفكرية الحديثة بضوابط النظر المنهجي الأصيل، وليس هناك علم قمين بهذه المسؤولية مثل علم أصول الفقه، لأنه المادة المعرفية التي غلب على انشغالاتها البحث في دلالة النص وتنزيل مقتضياته في الفعل التكليفي، فإذا كان “الفقه سؤالا عن (كيفيه العمل) فإن علم أصول الفقه هو البناء المنهجي لترتيب هذا السؤال ترتيبا منهجيا داخل إطار مفهومي محكم الدلالة مكن من إنشاء علم استوفي أدق الشروط العلمية لضبط التجربة العملية في الإسلام ضبطا نظريا بغية تقنين الفعل العربي الإسلامي”([3]).

 هذا، ولئن خفت الاهتمام بموضوع الأصول الأساس وسط مجموعة من القضايا التي ليست من صلبه ولا حتى من ملحه([4])، فصيرت مباحثه إلى “مسائل مختلف فيها بين النظار”([5])؛ فإن ضم الدرس المقاصدي للمدونة الأصولية قد أتاح لها إمكانات منهجية منتظمة ومتسقة، وأعاد الاعتبار للاجتهاد الذي سعى لتجاوز مرحلة التقليد والجمود، ولبناء الأحكام الشرعية بناء يستجيب لتطلعات الذات الإسلامية من خلال بث روح التدين ومكارم الأخلاق، وإصلاح المجتمع، وتحولت المقاصد بذلك من “مادة أصولية تبحث من خلال موضوعات معينة، إلى إطار ناظم للمادة الأصولية بكاملها، وشعار سرى في كامل الموضوعات الأصولية في مختلف المباحث والأبواب، فلا تجد مبحثا أو مسألة إلا ومقاصد الشريعة حاضرة في توجيه مضمونها، وتحديد مفهومها وأبعادها([6]).

لقد شكلت المدونة المقاصدية عند الإمام الشاطبي وثيقة تشريعية ناضجة، “وعلامة فارقة بين فترتين في تاريخ التنظير المقاصدي: فترة أولى حاول الفكر المقاصدي اختيار طريقه وتلمس السبيل لعلم المقاصد، من حيث هو فن من فنون النص الشرعي، وفترة ثانية اكتمل فيها النضج التنظيري للفكر المقاصدي واستوى على يد أبي اسحاق”([7])، لذلك انطلق منها كثيرون في مواجهة الزخم والطوفان التشريعي الغربي، كما استندوا إليها في بحثهم عن تأصيل لمنظومة قيم ذات بنية منهجية متينة، فقد أتاحت النظرية المقاصدية ثراء معرفيا ورؤية إصلاحية ونسقا محكما في بناء الأحكام وتفعيلها، استندت إلى فلسفة أصولية تفرد فيها الشاطبي عمن سبقه من العلماء، حيث اتخذت المقاصد عنده في المجمل بعدين أساسين هما:

المقاصد التي وفرت أدوات الفهم

المقاصد التي وفرت أدوات التطبيق

وهما معا يحيلان بدرجة كبيرة على انشغالات السؤال الأخلاقي وعلى أرضيته الأساسية المتمثلة في:

مجموع النظم والقيم الأخلاقية المؤطرة

مجموع الآليات والسبل التي تسهر على تفعيل هذه القيم في المجتمع.


الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق