المقالات

شقوق في جدار الوعي الإسلامي(كمال القصير)

كتب دوستويفسكي في مذكرات من العالم السفلي، أن الإفراط في الوعي علّة حقيقية كاملة.
إذ إن الإنسان يكفيه في حاجاته اليومية، ذلك الوعي العادي، الذي يبلغ ربع أو نصف الوعي الذي بتمتع به المثقف.
يكفيه أن يكون له وعي من يوصفون بالناس العمليين والإيجابيين. لكنه لم يقل شيئا عن الإفراط في غياب الوعي.
وفي كثير من الأحيان يغيب عن نقاشاتنا الفكرية هذا السؤال: هل تحتاج الأجيال المعاصرة إلى الكثافة في الوعي بالتاريخ؟ أم أنها لا تحتاج فعلا نصف أو ربع ما يحتاجه المثقف؟
يبدو أن الحل الذي يطرحه دوستويفسكي للتقليل من مخاطر الوعي الكثيف، لا يستحضر مخاطر الوعي الخفيف على مستقبل المجتمعات.

كيف نقيس كثافة الوعي؟

إذا أردنا قياس كثافة الوعي فبإمكاننا أن نفترض هنا: أننا نحبّ عليا ومعاوية، ومعجبون بالأشعري وأحمد بن حنبل. وتستهوينا كلمات الجيلاني والشاذلي. كما أننا لسنا معجبين بتجارب الأمويين أو العباسيين في الحكم. ومستاؤون مما يفعله الشيعة في إيران والعراق بحق شركائهم في الوطن.
ونبكي ضياع الأقصى كلما تذكرنا ذلك. وحال بعضنا يقول إن على جيل صلاح الدين أن يظهر من جديد. كما أنه لابد من إعادة الخلافة الراشدة. وإن على المبتدعة أن يكفوا عن انحرافاتهم التي باتت سببا في تخلفنا.
كل هذه الافتراضات تدل على درجة الوعي الذي نحمله.
وعندما يرى آخرون أن لا فائدة من كل ما سبق ذكره. وأن لا دور له في حياتنا اليومية، ومستقبلنا الاقتصادي والسياسي والعلمي. ويتساءلون باستغراب من تكون كل تلك الأسماء والأماكن التي ذكرنا؟
وما الذي سيقدمه لنا هذا النوع من التفكير؟
وأن العالم لم يعد يتحمل العودة إلى الوراء. فإننا نكون هنا إزاء الوعي الخفيف، الذي يحاول إفراغ الإطارات من محتوياتها القديمة.
إن العنصرين الأساسيين في كل ما ذكرت مما يتصل بالوعي، هما ” التذكر” و” النسيان”. فما يتم تذكره أو نسيانه، هو جوهر لعبة الوعي بالنسبة للمجتمعات.
الوعي الكثيف قد يصنعه حديث ضعيف، لا يريد الناس أن يتصوروه إلا صحيحا.
فقد نسجوا معه علاقة وجدانية استقرت في أعماقهم. لقد مثّل حديث ” والله يا عمّ لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بيساري على أن أترك هذا الدين ما تركته”، قمة جمال الموقف والمعنى. رغم حكم العلماء بضعفه. لكن وعي الناس بتلك اللحظة يأبى أن يكتمل إلا بتصور أن النبي صلى الله عليه وسلّم قد قال ذلك. بل إننا في وعينا نريد أن يكون صحيحا، وأنه فعلا قد قاله. إن ضعف قصة مثل هذه يجعلنا نحزن. وكأن الاعتزاز بالإسلام لا يكتمل إلا بقصة ذلك الكبرياء العظيم، في مواجهة محاولة شراء دعوة بأكملها ومقايضة مستقبلها بالمال والسلطان.

السنة يفتقرون إلى كثافة الطقوس

يتشكل الوعي الكثيف عندما تتحول المناسبات والتواريخ الدينية والانتصارات والرموز والأحداث إلى طقوس اجتماعية منتظمة ومؤسسة.
هذا المستوى من الوعي الكثيف بإمكانه مواجهة العولمة والحداثة. ووضعها ضمن حدودها المقبولة. إن الدولة السنية تحتاج أن تتوسع في الطقوس الاجتماعية.
هكذا تقول تجربة التاريخ ودروسه. إن مسؤولية الفقهاء وعلماء الاجتماع هي أن يجدوا التركيبة الصحيحة لهذا الأمر. فأعيادنا ومناسباتنا وطقوسنا الحالية لا تكفي لمواجهة شدة برودة العالم، وماديته الطاغية على الروح.
إن عناصر العولمة وقيم ما بعد الحداثة إذا عبرت من خلال الوعي الكثيف، لم يبق منها خطر يُخشى على المجتمعات. فلا سبيل إلى الحفاظ على الذاكرة إلا بالتذكر. الوعي السني بطبيعته مؤسس تاريخيا على عنصر الفرح. وهو بذلك يختلف عن الوعي الشيعي الغارق في أحزانه.
وتتطلب مقتضيات الفرح الاهتمام بالحدث الاجتماعي، واعتباره أساسيا لتطور الوعي. الفرح أساسي لسيكولوجيا الجماهير السنية. الفرح باستشهاد الحسين أفضل من البكاء على ذلك.

إهدار طاقة المجتمعات

الحزن إهدار لطاقة المجتمعات، والفرح لا يولّد الأحقاد بالتأكيد. أما استمرار الحزن فيذكي نيران الحقد الطائفي والمذهبي. احتفال العالم السني بمناسبات وأعياد بعضهم مطلب أساسي. واعتناء الأتراك بانتصارات الثقافة العربية ومحطاتها الأساسية. واحتفال العرب بالمساهمات الهندية والتركية والأفريقية في التاريخ السني، يساهم في صناعة عصبية الإسلام العامة.
كثافة المناسبات الدينية ذات الأبعاد الاجتماعية في تاريخ التشيع لم تكن كلها حبّا في آل البيت. فقد مثلت حاجة أساسية لاستمرار الوعي الشيعي الكثيف وتمدد الدولة نفسها.
لا نكاد نحصي عدد الأعياد الدينية التي عرفتها الدولة الفاطمية. ويتفق المؤرّخون على اعتماد الدولة الفاطمية على الاحتفال بالأعياد والمواسم طيلة العام. باعتبارها أداة للتقرّب من الناس وصناعة ثقافتهم.
ويمكن إرجاع عدد من أعياد المصريين الحالية إلى زمن الفاطميين. ويورد المقريزي أسماء أعياد الفاطميين ومواسمهم مثل: موسم رأس السنة، ويوم عاشوراء، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ومولد الحسن ومولد الحسين، ومولد فاطمة الزهراء، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان. ثم احتفال غدير خم، وفتح النيل، والاستمتاع بمشاهدة الخليفة وهو يشاهد الاحتفال.

الدولة السنية الباردة

الدولة تتحمل مسؤولية صناعة الوعي الجمعي عبر صيغة التاريخ المستعاد.
ولا غرابة أننا نجد أثناء قيام الدول بعملية صناعة الوعي أن يتم الاحتفال بالذكرى الألف لميلاد ابن سينا، ومنحه جنسية أوزبكستان الاتحادية الاشتراكية السوفياتية. باعتبار مكان مولده بالقرب من بخارى. واعتباره حسب ملاحظة برنارد لويس بطلا ثقافيا للاتحاد السوفييتي.
تراجعت الدولة السنية المعاصرة الباردة، عن صناعة الوعي الكثيف. وهي لا تبدي اهتماما بالاحتفالات بالرمز التاريخي والديني، باستثناء مناسبات قليلة. وبتراجع هذا المنحى خسرت أدوات أساسية لصناعة الوعي الكثيف.
أما الفقه السني فينظر إلى الأمر بغير منظار صناعة الوعي الاجتماعي. لكن بمنظار الحكم الفاصل، بالجواز أو المنع. كما أنه لا يمكن أن نتوقع قيام السنة بالتوسع في خلق الأعياد الجديدة، على طريقة الشيعة.
إننا عندما نتوقف عن فعل أشياء ضرورية نحتاج إلى فعلها، فإننا نتوقف أيضا عن معرفة هذه الأشياء. وإذا توقف الناس عن ممارسة السياسة بشكل صحيح، فإنهم سيتوقفون عن فهم معناها. وكذلك بالنسبة للقضايا الدينية والاجتماعية. إذا توقفت المجتمعات عن ممارستها، فإنها تفقد معناها تدريجيا في هدوء.
الحدود الحقيقية للمجتمعات، هي التي يصنعها الوعي. والحدود الوهمية، هي التي ترسمها السياسة. حدود الوعي مفتوحة، وحدود السياسة منغلقة. الصراعات التي يخوضها الوعي أو الإنجازات التي يحققها عابرة للحدود. وعندما تضيق السياسة بالناس، يستوعبهم الوعي. ويمنحهم مقومات الوجود والاستمرار في المستقبل.
المشاعر الإنسانية أقوى بكثير من التحليل المنطقي للتاريخ والأحداث. وحتى في حالة الفشل الذريع الذي تعكسه تجارب التاريخ ونتائج الواقع، تستمر العواطف في التفوق على التحليل المنطقي للأشياء. لأن المشاعر مرتبطة بالوعي. وباستطاعتنا بكل سهولة أن نلاحظ هذا المنحى في الوعي الشيعي الكثيف بالتاريخ. عاطفة جياشة، صدقا أو كذبا، واصطناع آلام ومصارع متواصلة. والنتيجة تقضي بتفوق المشاعر على المنطق الذي تسير به حركة التاريخ.
كنت دائما أتساءل: ما الذي يجعل الوعي السني قليل العاطفة تجاه مصارع الأئمة من آل البيت؟ أو بتعبير آخر، لماذا لا يعبّر عنها الوعي السني بشكل أكثر وضوحا من حيث الممارسة؟
لماذا يترك الآخرين يسرقون منه أحزانه، وأفراحه بأئمة آل البيت الذين هم رموز السنة الأولين. ويستفردون بها من دونه؟
لماذا يقل حضورهم في خطاباتنا اليومية؟
لماذا لا تحتل أسماء الباقر والكاظم وزين العابدين والنفس الزكية والإمام زيد مساحة واضحة في وعينا السني؟ لماذا نخسر كل هذه المساحات من ساحة المواجهة مع الآخر؟ لماذا لا نتداول أقوالهم في فضائنا السني؟ إني كفرد من السنة لا أتذكر خطيب جمعة يذكرهم بانتظام أو حتى مرات معدودة.
لقد تشكل لدي مع الوقت نوع من الإجابة. إنه ببساطة غياب أو ضعف فكرة الاستحواذ. فالسنة على المستوى الاجتماعي لم يمارسوا تاريخيا عملية الاستحواذ على آل البيت. وحاولوا أن يكونوا وسطا في موقفهم من معاركهم السياسية ضد الحكم، الذي لم يكن يميز بين معارضيه.
ومن ثم تشكل وعيهم على مسافة من كل تلك الرموز السنية الكبيرة لآل البيت.
إن الوعي السني يميل إلى فكرة ” الحق” لكنه لا يعبر عن ميول ورغبة تجاه فكرة الاستحواذ. ولم ينتج وعينا السني قدرا كافيا من الاستحواذ. ولأن وعينا يتصرف باعتباره الوعي الأكثري للأمة، فهو لم يكن مهتما بصناعة قصة، أو رواية تاريخية خاصة به. مثلما هو الحال مع الأقليات التي تحتاج دوما في استمرارها، إلى صناعة قصة خاصة بها في مواجهة الغالبية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق