المقالات

حرب غزة وانقسامات أوربا (زياد ماجد)_3_

فرنسا وأحوالها المتوترة

وسط هذه التطورات والتحولات في الخريطة السياسية الأوروبية، لابد من الإشارة إلى أن ثمة خصوصية للمشهد السياسي الفرنسي. ففرنسا هي البلد الأوروبي حيث العدد الأكبر من المواطنين المسلمين واليهود، وحيث العدد الأكبر من المهاجرين المقيمين المغاربيين والإفريقيين المسلمين. وهذا يجعل الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي يأخذ أبعادًا تمس ملايين الفرنسيين مباشرة، بعائلاتهم وبعواطفهم وبمواقفهم السياسية المختلفة(5).

وفرنسا هي أيضًا البلد الغربي الوحيد الذي لم يتقادم بعدُ تاريخه الاستعماري في المنطقة العربية وتحديدًا في الجزائر. وشأن الأخيرة يُنظر إليه في الكثير من السجالات كشأن داخلي فرنسي لاعتبارات ثلاثة، الأول: مرارة الهزيمة الفرنسية وطرد مئات الألوف من الفرنسيين والجزائريين المتعاملين معهم بعد الاستقلال الجزائري العام 1962. الثاني: الهجرة الكثيفة اللاحقة للجزائريين نحو فرنسا (وسط حاجة اقتصادية فرنسية لعملهم في قطاعات مختلفة)، وحصول كثير منهم (كما من المغربيين والتونسيين) على الجنسية، بما جعل الآن أبناءهم وأحفادهم فرنسيين مكتملي الحضور وبأسمائهم وهوياتهم المركبة، بينهم من ظل من ذوي التعليم والدخل المحدودَيْن مقيمًا في ضواحي المدن المتراجع الاهتمام والإنفاق الحكومي فيها، وبينهم من ارتقى اجتماعيًّا وتعليميًّا وبات له صوت ومواقف ومواقع في المستشفيات والجامعات والنقابات والأحزاب والإعلام والتجارة والاستثمار وغير ذلك من قطاعات عمل الطبقة الوسطى والبرجوازيات المدينية. وهذا يثير حنق العنصريين، ويؤدي في حالات بعض الضواحي والمدن، حيث يتوازى مسار التهميش الاقتصادي والاجتماعي مع مسارات تمرد وتجاوزات للقوانين وإعلاء لهوية إسلامية، يؤدي إلى صدامات دورية مع الشرطة. والأخيرة، صارت في سلوكياتها أقرب إلى السلوكيات الكولونيالية في مناطق يسميها اليمين المتطرف، الذي يصوِّت لصالحه 57 في المئة من عديد الشرطة، “الأراضي الخارجة عن سيادة الجمهورية الفرنسية”.

الاعتبار الثالث يرتبط بالعلاقة الرسمية المأزومة بالإسلام وحضوره في الحيز العام في فرنسا. فالعلاقة هذه إضافة إلى كونها صدامية من الأساس، بسبب الماضي الاستعماري في الجزائر وإفريقيا ثم الهجرات من هناك نحو فرنسا، هي صدامية راهنًا أيضًا بسبب صرامة السياسات المرتبطة بالعلمانية. ويفيد هنا ذكر أمرين متعلقين بالعلمانية الفرنسية. فهي راديكالية استهدفت على مدى قرن من الزمن الكنيسة الكاثوليكية وهمشتها تمامًا. وهي تبدو مُستهدفةً منذ عقدين الإسلام بمظاهره ومسلكياته المرئية، كالحجاب والطقوس الخاصة بالصلاة والصيام والأكل الحلال والتمرد على مواد تدريسية تقارب الأديان وفق منطق تاريخي معزول عن شؤون الإيمان والعقيدة. وما يعقِّد أمر هذه العلاقة أكثر، أن تأويل العلمنة بات، ولَو على النقيض مما تنص عليه القوانين الدستورية الفرنسية، يراقب الناس في يومياتهم وملبسهم عوض تركيزه على علمانية الدولة وحيادها تجاه الأديان والمتدينين. وهذا يتسبب بالطبع بتوترات موسمية تفاقمها الأحوال الاقتصادية وعنف الشرطة وخطاب الإسلام الراديكالي المتصاعد ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مشاهد الحروب الوافدة من الشرق الأوسط، لاسيما من الخريطة الفلسطينية.

هذه الاعتبارات تفسر بعض جوانب الخصوصية الفرنسية في أوروبا وأسباب الموقف الرسمي المرتبك والمنحاز لإسرائيل، والمتراجع مؤخرًا بعض الشيء عن سفور هذا الانحياز بعد تعاظم الانتقادات له وتزايد التظاهرات الشعبية ضده. ورغم تقاطع هذا الموقف مع المواقف الأميركية (والبريطانية والألمانية) كما أسلفنا، إلا أن الخصوصيات في الحالات المذكورة تتباين؛ إذ تتعايش في أميركا مثلًا الهويات على نحو مغاير، ولو أن المشاكل والأزمات تنشأ هناك أيضًا بين الحين والآخر.

خلاصة:

لعله من الوجيه القول في ختام هذا النص المُستعرِض المواقف الأوروبية الرسمية أو الحزبية من الحرب الإسرائيلية على غزة: إننا أمام حالة ستتسم على المدى البعيد بالمزيد من التناقضات والتوترات لأسباب عديدة.

السبب الأول مفاده أن الهوة بين كثرة من الحكومات الداعمة لإسرائيل وقطاعات واسعة من الرأي العام في بلدانها آخذة بالاتساع على نحو بات يقلق الحكومات نفسها. نرى الأمر، بعد فرنسا، في إنكلترا حيث ليس إبعاد وزيرة الداخلية عن منصبها ببعيدٍ تمامًا عن تداعيات ذلك، ولَو أن له أسبابًا أخرى ترتبط بعلاقتها المتوترة مع جهاز الشرطة.

السبب الثاني منطلقه الخلافات بين الحكومات الأوروبية نفسها وتصاعد أصوات إسبانية وبلجيكية وإيرلندية تطالب بعقوبات ضد إسرائيل وبتعديل اللهجة الرسمية والمصطلحات تجاه الحرب على غزة.

والسبب الثالث مرده احتمالات أن يطرأ تعديل ولو جزئيًّا على الموقف الأميركي، خاصة لجهة طول الحرب ووضع جنوب قطاع غزة وأحوال الضفة الغربية والقدس الشرقية حيث يقتل الجيش والمستوطنون الإسرائيليون فلسطينيين يوميًّا ويسلبونهم أراضيهم وأملاكهم. وللعلم، فإن البيئة السياسية للحزب الديمقراطي، وعلى العكس من منافستها الجمهورية شديدة الدعم لإسرائيل، منقسمة على ذاتها، ويُرجح أن تتصاعد الانقسامات فيها بين جناح يساري تواليه قاعدة شعبية شابة وطلابية، وتدعمه عادة شرائح مجتمعية من الأميركيين السود والمنحدرين من أصول عربية ومن اليهود التقدميين المعارضين للصهيونية من جهة، وأجنحة أخرى أقل “راديكالية” وأقرب إلى الخط التاريخي للحزب، داعمة لإسرائيل، على طريقة جو بايدن وأنتوني بلينكن، من جهة ثانية. وإذا كان الجناح الأول ما زال أقليةً في الحزب، إلا أن معارضته الحادة لسياسة بايدن تجاه إسرائيل قد تعني تراجع حظوظ الأخير في الرئاسيات الأميركية بعد سنة من الآن، أي في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وهذا يدفع كثرًا في الإدارة الحالية وفي محيط بايدن إلى البحث عن تغيير يستوعب المعارضة ويُرضيها، ولو بعد تأخير ومماطلة.

يضاف إلى كل ما ورد أن مواقف المنظمات الحقوقية الأميركية والدولية، ومواقف منظمات الأمم المتحدة بأكملها، ومثلها أصوات أكاديميين معروفين في مجال دراسات “الإبادة الجماعية”، تنتقد منذ بدء جولة الحرب الحالية السياسات والتصريحات والعمليات الإسرائيلية، وتتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد دفع الأمر دولًا (هي جنوب إفريقيا وبوليفيا وبنغلاديش وجزر القمر وجيبوتي)، وأفرادًا (جميعهم من الحقوقيين)، ونوابًا (من برلمانات من حول العالم) إلى التقدم بطلبات للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق بشأن الأوضاع في “دولة فلسطين” التي وقَّعت على اتفاقية روما الخاصة بعمل المحكمة ونظامها. وهذا كله له أثر في تكوين وعي قانوني لابد أنه سيزيد من الضغط على الحكومات الداعمة لإسرائيل والمدافعة عن حربها المفتوحة.

في أي حال، لن تكون الأمور أوروبيًّا وأميركيًّا وعربيًّا ودوليًّا كما كانت فيما خصَّ القضية الفلسطينية بعد توقف القصف والقتل. فالقناعة (الموهومة) التي ترسخت في السنوات العشر الأخيرة لدى الإدارات الحكومية الغربية وبعض مثيلاتها العربية وزعمها أن القضية الفلسطينية لم تعد مركزية عربيًّا، وأن التطبيع بين عدد من الدول العربية وإسرائيل (البحرين والإمارات ثم المغرب والسودان، إضافة إلى التواصل السعودي مع إسرائيل ووجود اتفاقات سابقة بين مصر والأردن وإسرائيل)، يكفي للإطاحة بما تبقى منها وحصرها في إطار تنموي اقتصادي، هذه القناعة سقطت الآن. ولن يكون من اليسير لأحد ترميمها أو تجاهل إلزامية العمل من جديد على مسارات سياسية تُعيد فلسطين إلى قلب المعادلات، وتطرح بالطبع تحديات جديدة، لا تبدو الإجابة عنها اليوم ممكنة أو واقعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق