المقالات

حدود الشريعة بين الذاتي والعرضي وبين الحد الأدنى والحد الأعلى(محمد همام)_4_

3- الإطار التطبيقي: الذاتي والعرضي في الدين

أ_ تمهيد:

استخرج سروش من دراسته للمثنوي، بناء على أطروحة “الذاتي” و”العرضي”، عتادا نظريا ومنهجيا، عمل على اقتحام فضاء الدين به، باحثا عن الذاتي والعرضي في الدين، من حيث النظر في تعاليمه ومفاهيمه، وفي تكونها التاريخي والسياقي، مدعيا أنه يقوم بعمل تفكيكي في بنية الدين؛ أي فرز عناصر تشكل المادة الدينية، من حيث القضايا والوقائع والعلل والوسائط والوسائل والعوامل الدخيلة في عملية التشكل؛ تشكل الدين كظاهرة تاريخية، مع تنقيح توقعات الإنسان من الدين وانتظاراته، والبحث عن بدائل أخرى للعناصر والأجزاء التي تشكلت منها منظومة الشريعة.

ب- عرضية اللغة العربية.

يعتبر سروش اللغة العربية هي عين العرضي بالنسبة للإسلام، بناء على دعوى تقول: ” لو كان نبي الإسلام إيرانيا أو هنديا أو روميا لكان خطابه الديني باللغة الفارسية أو اللاتينية أو السانسكرينية.”

من هنا انطلق سروش لإثبات أن اللغة العربية مفروضة،هكذا، على “الوحي المحمدي”؛[1]  فهي مثل الناي بالنسبة للفنان؛ فجودة الصوت بمقدار قدرة الناي. من هنا فخصائص الدين الإسلامي، بنظر سروش، ظلت مرتهنة لخصائص اللغة العربية و الأدب العربي، من حيث أدوات التعبير وصوره؛ مجازا أو حقيقة، أو نصا أو ظاهرا، أو محكما او متشابها، وكذا من حيث أشكال التركيب والاشتقاق التي ظلت حبيسة التصور الذهني العربي، الى درجة أن لا وجود، بنظر سروش، لمفردة في العربية تدل على “الوجود أو الكينونة”، عكس الفارسية أو الهندية أو الأوروبية بشكل عام، إضافة الى ضيق إمكانيات الصياغة في اللغة العربية.[2] كما أن نزول القرآن بلغة قريش ليس إلا عرضا متأثرا بالسياق الزمني والتاريخي لنزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم.

ج- عرضية الثقافة العربية:

يرى سروش بأن ثقافة الإسلام ثقافة عربية وهي بدورها عرضية؛ أي أنه كان بالإمكان أن تكون، نظريا، بشكل آخر، ولا تتجلى مظاهر الثقافة العربية في اللغة العربية وحسب، بل في الاستخدام للمفاهيم والتصورات المتولدة من البيئة العربية، خصوصا في بداية الإسلام، لذا نجد التقاليد العربية وكذا الأحاسيس العربية هي التجلي الأكبر للثقافة الدينية الإسلامية[3]، حتى إن دعوة القرآن للانفتاح على عمق الإيمان يتم من خلال النظر إلى شيء موجود في الواقع الفعلي للعرب؛أي:الإبل؛ خلق الإبل،في قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)،أو عندالإخبار بعظمة يوم القيامة؛لقوله تعالى:(وإذا العشار عطلت )،ويمثل للشرر الصاعد من جهنم بالجمال الصفر؛في قوله تعالى:(إنها ترمي بشرر كالقصر كأنها جمالات صفر).كما تحدث القرآن عن أنواع الفواكه والثمار المرتبطة بالمناطق الحارة الاستوائية مما عرف عند العرب. كما يظهر التجلي الثقافي أو العرض الثقافي من خلال التقويم الهجري في الصوم والحج والقتال، كما يذكر القرآن أبي لهب كشخصية عربية، و يصف  الجنة وما فيها من الفرش والأكواب مما عهده العرب في حياتهم؛ كقوله تعالى: ” وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة”.[4] ويذكر بعض عادات العرب في الحياة مثل وأد البنات[5]، كما يذكر الحيوانات المعروفة عند العرب، مثل: البغال والحمير والجمال والأسد والفيل والخنزير والحية، ويذكر بعض المواد المعروفة في شبه الجزيرة العربية كالصوف والقطن والكافور، مما يعني هيمنة تصورات الحياة العربية والذوق العربي على تجليات ذاتيات الدين في أعراض ثقافية واجتماعية.

وكلها أعراض تحيط بذات الدين وجوهره؛ فلو كان النبي غير عربي ما احتاج الدين، بنظر سروش، الى كل هذه الأعراض الثقافية في التواصل والتبليغ، بل سيستخدم أعراضا ثقافية أخرى، وبأشكال مختلفة. كما أن تفاعل العرب مع بقية الأقوام والشعوب كان له أثر في لغة القرآن وفي ثقافة العرب الحاضنة للإسلام في شبه الجزيرة العربية.

إن احتضان الثقافة العربية للوحي جعل سروش يذهب الى أن الدين جاء بتشريعات جديدة لكنه لم يضع لها مفاهيم وتصورات جديدة، بل استثمر المفاهيم القديمة وأطرها داخل علاقات جديدة؛ فمثلا “الله غير موجود” تحولت الى “الله موجود” ، والقربان الذي كان يقدم للوثن أصبح يقدم لله، وأنكرالقرآن أنوثة الملائكة، وحرم عبادة الطاغوت؛ أي أن مجموعة من المفاهيم المنتسبة الى الثقافة العربية أعاد القرآن صياغة علاقاتها بشكل جديد، مما خلق مناسبات جديدة بين أبناء القوم/العرب.كما أحدث تحولات جديدة في العلاقات الاجتماعية، نظريا وعمليا؛ فالله مثلا أصبح مركز الحياة في العلاقات الاجتماعية، فأصبحت المفاهيم التي يستعملها العرب في حياتهم تتجه وفق هذه الرؤية الكونية التي يوجد في مركزها “الله”، وهي مفاهيم من صميم حياة العرب لبست حلة دينية جديدة. ويرى سروش أن حالات الخوف من العدو ومن العطش ومن التيه في الصحراء التي كان يعيشها العرب في شبه الجزيرة العربية، بما يعني عدم الأمن، هي الإطار التصوري العام الذي أحاط باستعمل القرآن للمفاهيم والمصطلحات الناشئة وسط هكذا بيئة؛ فالمنظومة المصطلحية للقرآن، وفق سروش، تقوم على هذا الإطار الذهني/ البيئة؛لذلك نجد مثلا مصطلحات: الصراط، سبيل، مستقيم، سوي، عوج، هدى، ضلال، رشاد، غني، الشريعة، الطريقة، الزاد …

لقد كانت هذه المصطلحات من صميم الحياة الاجتماعية للعرب، ومن مفرداتهم الثقافية والسلوكية اليومية،ومن أفقهم الخيالي والذهني، أخذها القرآن ودمجها في إطار ديني جديد فأصبحت لها قيمة تصورية ومعنوية وعملية جديدة، وأصبحت كلها تدور في إطار رؤية محورها “الله”؛ فتم إنشاء عمارة روحية جديدة، بأدوات موجودة وقديمة ومنغرسة في عمق الثقافة العربية، وفي عمق الذهنية العربية، و لعل هذا هو سر تفاعل العرب مع خطاب القرآن، إيجابا أو سلبا؛ لأنه كان يخاطبهم من خلال معرفة مشتركة، خصوصا على مستوى المفاهيم، ومن خلال آليات تلقي عندهم مستعدة للتعامل مع هكذا مصطلحات مؤلوفة ؛ وقد زكى القران هكذا تصور عندما قال: ” ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر”[6]؛أي: التيسير على مستوى المفاهيم والمصطلحات، وفق رؤية سروش.

فمحاور الجوع والخوف والتيه التي كان يتحرك ضمنها الإنسان العربي زمن نزول الوحي، أصبحت بشكل آخر في وقتنا المعاصر، كما أن منظومة المصطلحات ركزت على  الطبيعة العملية لها، بحكم أن القرآن نزل وسط قوم أميين؛ أي لم يكونوا أهل كتاب، ولا أهل تراث مكتوب؛ أي قوم أميون،[7] لذا لم نجد في القرآن، بنظر سروش، مصطلحات: الصواب والخطأ، والتدقيق، والكتابة، والقراءة، وصناعة الكتب وتغليفها، والدواة، والورق، وحواشي الكتاب … مما لا ينسجم مع المنظومة الثقافية العربية يومذاك، والتي لم تسمح بتبلور ميدان معرفي خاص. ويمكن إدراج الأمر نفسه عند الحديث عن منظومة المصطلحات التجارية في القرآن: مثل: خسر، وربح، وتجارة، وقرض، وربا، وبيع، وشراء، وأجر، وغير ذلك مما يكثر ذكره في القرآن الكريم.[8]فنجد آيات كثيرة،وفي سياقات مختلفة تتضمن مصطلحات ذات عمق مفهومي ممتد في الأصول الاجتماعية والتاريخية للثقافة العربية. وقد صاغ القرآن بناءه النظري من خلال هذه المصطلحات، وأوصل مقاصده الى المخاطبين باعتماد هذه (المواد الأولية) الثقافية المرتبطة بالبيئة العربية، وبخصوصياتها التداولية والجغرافية، وهي كلها عرضيات تحيط بذات الدين، بل تنفذ الى أعماقه لتشكل مضامينه الأساسية، ولكنها تبقى عرضية، وكان بالإمكان أن تكون بشكل آخر في بيئة ثقافية أخرى.وعليه، فالدخول الى عمق الدين، إذن، يمر عبر  تمزيق حجب العرضيات الثقافية[9]. ويبقى السؤال: ما هو عمق العرضيات التي يجب تمزيقها للوصول الى الذاتيات؟

إن منظومة المصطلحات القرآنية، برغم ما طرأ على علاقاتها من جدة وتنوع، بقيت ،بنظر سروش، أسيرة مفاهيم الثقافة العربية، مما ضيق فرص تنزيلها والعمل بها، مثل المواد الأولية للبناءالتي تقيد هندسة البناء وتشل طاقات المهندس المعماري وإبداعاته،وجودا أو عدما،أو كما أو كيفا، بما يعني عند سروش أن الثقافة العربية من لغة وذوق ونمط حياة، ومن حيث الوعي العقلاني والخيالي والآداب والتقاليد والمفاهيم الفكرية، قد ضيقت فضاء حركية العقيدة والفكر الإسلاميين، مما أثر سلبا على المنظومة الدينية والفكرية عامة.

        إن اللغة، عادة تضيق بالتعبير عن الأفكار والمضامين؛ وقد استدل سروش بشكوى العرفاء من ضيق الوعاء اللغوي، كما ضاق بنظره، بالتجارب الدينية والوجودية للأنبياء والعظماء، فلم يتمكنوا من الإفصاح عن كل مكنوناتهم. ولكن سروش لم يشرح لنا كيف يشتكي الله من ضيق اللغة في حمل معاني الدين، وهو خالق الدين واللغة والإنسان والكون؟ فهل قوة اللغة العربية وقوة الثقافة العربية أقوى من إرادة الله في التعبير؟

يتجاوز سروش هذه الأسئلة ليزيد يؤكد أن العادات العربية لم تكن قادرة على منح المتكلم، وفي حالتنا هو الله، أفضل الأدوات والأمثلة لإبلاغ أدق الأفكار، كما أن تجارب العرب وذهنيتهم لم تكن تمثل أوسع ما يمكن لمجتمع بشري أن يستخدمه لإبلاغ حقائقه، كما لا تعتبر سياقات اللغة العربية أفضل القوالب اللفظية والمفهومية في دائرة البيان والتبيين، خوصا، وأن اللغة العربية، بنظر سروش، لم تبلغ من حيث البيان الشعري والعلمي والفلسفي مبلغا من التكامل والنضج.

كما لم يفت سروش أن يؤكد على فقر التجارب المعيشية والعرفية لحياة العرب يوم نزول الوحي، مما أثر على الأفق الإبلاغي للمصطلحات العربية، وحد من سعة التصورات الدينية. فلو كان الإسلام ظهر في اليونان أو في الهند أو في الروم بدلا من الحجاز فإن عرضياته لن تكون من صميم الثقافة العربية والحياة العربية واللغة العربية، إذ كان الفكر الفلسفي اليوناني سيوفر أدوات لغوية ومفهومية ومنظومة من المصطلحات والمفردات بما يحدث تغييرا في الخطاب الديني، وهذا هو سر اختلاف سياقات الإسلام في إيران والهند والجزيرة العربية والأندلس مع وجود مشتركات كثيرة بالطبع. ولا تختلف تلك السياقات من حيث اللغة وحسب، بل من حيث الثقافة والوعي الديني ذاته؛ أي أن الأجواء التاريخية والثقافية التي تنشأ فيها المفاهيم والمصطلحات تحدث تحولا في الرؤية الدينية، مما يحدث قبضا أو بسطا في الدين وفي المعرفة الدينية وفي مفاهيم الشريعة وفي تصور جوهر الحقيقة الدينية، ومما يتطلب عملا بحثيا حفريا عميقا لفرز الذاتي عن العرضي في الدين.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق