المقالات

بين خطابي الصَّهْيَنَة والفَلَسْطَنَة: (محمد الشرقاوي)_1_

مقدمة

أظهرت الأيام السبعون الأولى من الحرب التي شنَّتها إسرائيل على غزة، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مفارقتيْن متتاليتين في تطور المواقف الجماهيرية خلال المظاهرات وتصريحات النخب السياسية في الدول الغربية، وأسهمتا في حدوث تحوُّل نسقي في الرأي العام الغربي بين تراجع خطاب الصَّهْيَنَة وتقدُّم خطاب الحقوق الفلسطينية وضرورة التوصل إلى حلٍّ سياسي لإنهاء احتلال فلسطين، أو ما يمكن اختزاله بتيار “الفَلَسْطَنَة”. فانطوت المفارقة الأولى على توجيه الحكومات الغربية في أميركا الشمالية وأوروبا دعمًا مطلقًا لإسرائيل بعد هجوم كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، على المستوطنات الإسرائيلية في غلاف قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. لكن استهداف إسرائيل لمستشفى المعمداني بغزة، في 17 أكتوبر/تشرين الأول، وقصف المدنيين الذين لجؤوا إليه، حرَّك مئات الآلاف من المحتجين الذين خرجوا في آلاف المظاهرات حول العالم. فتقلصت نسبة المظاهرات المؤيدة لإسرائيل من 31% خلال الأسبوع الأول من الحرب إلى 5% بينما ارتفعت نسبة المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين من 69% إلى 95% منذ 13 أكتوبر/تشرين الأول، وفق دراسة مسحية أجراها المعهد الإسرائيلي لأبحاث الأمن القومي(1).

يقول مدير معهد القارات الثلاث للبحوث الاجتماعية، فيجاي براشاد (Vijay Prashad) : “من المستحيل مواكبة وتيرة الاحتجاجات. وهذا بدوره يدفع الأحزاب والحكومات إلى توضيح مواقفها من الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين في غزة. وقد أسفرت المظاهرات الحاشدة عن ثلاثة أنواع من النتائج: أ) اجتذاب النضالات الجماهيرية الآن جيلًا جديدًا من المواطنين، ليس إلى النشاط المؤيد لفلسطين فحسب، بل وأيضًا إلى الوعي المناهض للحرب، إن لم يكن المناهض للإمبريالية. ب) إِلْهَام قسم جديد من الناشطين، وخاصة النقابيين، لوقف شحن البضائع من وإلى إسرائيل. ت) بدء عملية سياسية برمتها على أساس نفاق “النظام الدولي القائم على القواعد” الذي يقوده الغرب، لمطالبة المحكمة الجنائية الدولية بتوجيه الاتهام إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وغيره من كبار المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية”(2)

أما المفارقة الثانية فكانت، في 12 ديسمبر/كانون الأول 2023، بين مقر الأمم المتحدة في نيويورك والبيت الأبيض في واشنطن عندما تبنَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة قرارًا، غير ملزم، يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية في غزة. وصوَّتت 153 دولة لصالح القرار مقابل معارضة 10 دول للقرار. فوجدت الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما معزولتين على نحو متزايد، وانضمت إليهما أقلية صغيرة من الدول: النمسا، وجمهورية التشيك، وغواتيمالا، وليبيريا، وميكرونيزيا، وناورو، وبابوا غينيا الجديدة، وباراغواي. ومن التحولات المثيرة أن أغلبية دول الاتحاد الأوروبي، 17 دولة من أصل 27، أيَّدت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الذي يدعو إلى “وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية” إذا أخذنا هذا التصويت في سياق المقارنة مع ثماني دول من الاتحاد الأوروبي مؤيدة، وأربع معارضة، وامتناع 15 دولة عن التصويت عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار مماثل لوقف إطلاق النار في 27 أكتوبر/تشرين الأول.

مهَّد هذا التصويت في الأمم المتحدة لموقف نقدي غير مرتقب من قبل الرئيس الأميركي، جو بايدن، لحكومة نتنياهو وسير إستراتيجيتها في الحرب على غزة؛ فقال: “لست متأكدًا من أن بن غفير ومجلس وزراء الحرب (في إسرائيل) يمكن أن يعتمدوا على الولايات المتحدة في أمن إسرائيل… لقد بدؤوا يفقدون الدعم بسبب القصف العشوائي الذي يحدث” في غزة. وأشار إلى “تصاعد معاداة السامية هنا في أميركا وفي جميع أنحاء العالم” ضد الإسرائيليين واليهود. ومن النقاط النقدية التي ذكرها بايدن “يتعين على نتنياهو تغيير الحكومة الإسرائيلية لإيجاد حلٍّ طويل الأمد للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي… الحكومة الحالية أكثر الحكومات تطرفًا في تاريخ إسرائيل وهي لا تريد حلَّ الدولتين… لا يمكنك القول: لا توجد دولة فلسطينية على الإطلاق في المستقبل… هذا أمر صعب”(3). ويُعد ذلك انتقاد حادًّا لدولة تعتبرها واشنطن حليفًا إستراتيجيًّا لها في الشرق الأوسط، وقد منحتها أكثر من 70 مليار دولار، أو نسبة 32% من إجمالي المساعدات الأمنية الأميركية للدول الأجنبية بين عامي 2000 و2022.

يتردَّد صدى هذه العزلة السياسية الدولية التي أصبحت تعانيها إسرائيل والولايات المتحدة في السجالات السياسية والحزبية داخل حكومة الرئيس بايدن وخارجها، فضلًا عن مراكز التفكير وحلقات النقاش في جلِّ الجامعات الأميركية ووسائل الإعلام المختلفة التقليدية والرقمية. وجاء في مقالة تحليلية بصحيفة “واشنطن بوست” (The Washington Post)، بعنوان “الولايات المتحدة أصبحت أكثر عزلة بشأن إسرائيل مع تفاقم أزمة غزة وتزايد الحاجة إلى المساعدات”، أن “الدول الغربية الآن منقسمة بشكل متزايد. ومع إعلان وزارة الصحة في غزة عن مقتل أكثر من 18 ألف شخص وإصابة ما يقرب من 50 ألفًا آخرين، أدى الوضع الإنساني في غزة إلى تحول في المشاعر العامة، مما دفع القادة إلى مواصلة إظهار الدعم للفلسطينيين من خلال المساعدات الإنسانية والتفاني في جهود وقف إطلاق النار”(4).

في ضوء هذا التغيُّر غير المسبوق في اتجاهات الرأي العام وموجة الانتقادات الرسمية المتزايدة لإسرائيل والولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وأيضًا ميول البيت الأبيض إلى انتقاد حكومة نتنياهو بأن الإسرائيليين “يفقدون الدعم بسبب القصف العشوائي في غزة”، يدخل التنافس ذروته بين خطاب الصَّهْيَنَة (تأييد الغرب لإسرائيل في بناء دولة على أساس ديني وعرقي وخُطَطِها في توسيع الاستيطان من ناحية) وخطاب الفَلَسْطَنَة (أو رؤية الغرب واقع الصراع التاريخي منذ 1948 بمنظور الشرعية الدولية وحق شعب محتلٍّ في الوجود على أرضه التاريخية، فضلًا عن معارضته لاستهداف المدنيين والأطقم الطبية والصحفيين في غزة من ناحية أخرى). وأصبح المجال العام الممتد بين سائر الجغرافيات من خلال وسائل الإعلام التقليدية والجديدة بمنزلة ساحة معركة بين سرديات مختلفة تتنافس على “الحقيقة” النهائية والأرضية الأخلاقية العليا، وبناء الواقع “الحقيقي”.

وهنا، تركز الدراسة على قياس مدى التحوُّل في الخطاب العام وتمثُّلات الرأي العام الدولي لكل من خطاب الصهيونية من ناحية والحقوق الفلسطينية من ناحية أخرى. وتنطلق من فرضية أن الخطاب الصهيوني داخل إسرائيل وخارجها يستنفد، على ما يبدو، طاقة الدفع إلى الأمام، سواء من حيث القدرة على بلورة خطاب ذاتي لاستدامة الاحتلال وتجاوز مجموعة مع العثرات التي وقعت فيها حكومة يمينية متطرفة بقيادة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، أو قدرة الأوساط السياسية والإعلامية الموالية لها في الغرب على حشد دعم سياسي ومعنوي مستدام في هذه المرحلة. ومن تداعيات هذا التحوُّل أن الخطاب المؤيد لإسرائيل دخل مرحلة الانحباس الإستراتيجي والتآكل من تلقاء ذاته حتى في العواصم المؤيدة تاريخيًّا لإسرائيل، وكأنه يُكمِل دورة الحضارة كما تصوَّرها عبد الرحمن بن خلدون، وسط قلق عدد من المثقفين والسياسيين الإسرائيليين من سؤال: “هل ستُكمِل إسرائيل ثمانين عامًا في الوجود؟”

وتعتمد الدراسة مدخلًا نظريًّا وتحليليًّا مركبًا في استقصاء فرضية الدراسة وتحليل مرتكزاتها في ضوء نظريات مختلفة في حقول الاتصال والإعلام والتحليل النقدي للخطاب. وتكشف دور وسائل الإعلام والقوى الرمزية في دعم خطاب الصهيونية والترويج لأطروحاته ومراميه منذ مرحلة التأسيس إلى اليوم. كما تستند إلى منهج التحليل الإستراتيجي الأمني في سياق نظرية “الأَمْنَنَة”، من خلال أطروحات باري بوزان (Barry Buzan) وزملائه في مدرسة كوبنهاغن. وتوظف الدراسة في التحليل نتائج بعض استطلاعات الرأي التي أنجزتها مراكز ومعاهد دولية متخصصة.

1. لحظة مفصلية في تقابل الأنساق

تُجسِّد الحرب الإسرائيلية على غزة بداية تحوُّل نسقي (Paradigm shift) بلغة توماس كون (Thomas Kuhn) الذي غيَّر الفهم المعاصر لتطور فلسفة العلوم وبلورة المعرفة في كتابه الشهير: “بنية الثورات العلمية”. فهو يرى أن النسق، ويترجمه البعض بـ”النموذج”، يوفر للعالم ثلاثية جدلية بنَّاءة: أ) فهم الطبيعة الأساسية للشيء موضع الدراسة، ب) واستنادًا إلى هذه الطبيعة الأساسية يبتكر العلماء طرقًا جديدة أو خاصة أو محددة لمراقبة العالم، ج) ونتيجة للسؤاليْن الأوليْن، فإن أولئك الذين يتبنون النسق ذاته يتفقون أيضًا على الأسئلة الأساسية التي ينبغي طرحها حول هذه الظاهرة(5). وبالنظر إلى تاريخ النكبة الفلسطينية عام 1948، وسلسلة الحروب المتتالية، في 1967 و1973 حتى عام 2021، لم يحدث تحوُّل قياسي أو طفرة غير مسبوقة في انطباعات الجماهير ومواقفها، خاصة في دول أميركا الشمالية وأوروبا، مثلما يحدث حاليًّا في ظل تداعيات الحرب الجديدة على غزة. ومن مؤشرات هذا التحوُّل أن “القناة 12” الإسرائيلية مثلًا توصلت إلى أن الإسرائيليين بعد شهر واحد من الحرب “يواجهون واقعًا جديدًا، فالصور التي تَبرُز في وسائل الإعلام الدولية ليست صور المذبحة في المستوطنات اليهودية، بل هي صور الموت والدمار في غزة”. وأضافت القناة في بيانها أن “رواية “الدفاع عن النفس” التي تتبنَّاها إسرائيل فشلت في الوفاء بتوفير مساحة كافية لأنشطة الجيش، وتمَّ التأكيد أن السرديات والصور الفلسطينية أثرت في الرأي العام العالمي”(6).

ويمكن دراسة التحوُّل النسقي في تمثُّلات الرأي العام الدولي، خاصة الغربي، للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، من خلال بنية تركيبية متوازية تنطوي على مستويات أربعة:

أولًا: هبَّت العواصم الغربية من واشنطن إلى برلين للتعبير عن التأييد المعنوي والمادي غير المحدود لإسرائيل عقب هجوم كتائب القسام على المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة ضمن أسوأ هزة أمنية وتهديد وجودي تتعرض لهما إسرائيل منذ خمسين عامًا. وهو تدفق سياسي من عواصم الغرب لدعم إسرائيل بنَفَس أكبر وعتاد متطور ومظلة سياسية أفضل مما كانت عليه الحال خلال حربي 1967 و1973، ثم الحروب الخمس الجديدة بين 2006 و2023، وبقية الأزمات والانتقادات التي واجهتها إسرائيل من قِبَل بعض الهيئات الدولية. وعلى الرغم من مرجعية الحداثة وقيمها السياسية منذ عصر التنوير في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، فضلًا عن التعددية العرقية والثقافية السائدة في دول الغرب منذ القرن الثامن عشر، فهي تجاري اعتداد إسرائيل بالاستثناء الخارج عن القاعدة في طبيعة المجتمع السياسي الغربي لكون الحركة الصهيونية ارتأت قيام قومية عرقية يهودية يتحمَّل الغرب مساندة طموحاتها وتبرير خطاياها والدفاع عنها ضد قرارات الأمم المتحدة فديةً عن حدوث المحرقة النازية يدفعها الغرب منذ الأربعينات من القرن الماضي. وقد صاغ المستشار الألماني، أولاف شولتس، في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حجة أخرى للدفاع عن إسرائيل بأنها “دولة ديمقراطية، ويجب أن يُقال ذلك بوضوح شديد”. وجاء تعليقه ردًّا على تصريح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بأن شرعية إسرائيل “يتم التشكيك فيها بسبب فاشيتها”. ويقول الأكاديمي الألماني، دانييل مارويسكي (  Daniel Marwecki)، مؤلِّف كتاب “ألمانيا وإسرائيل: تبييض الدولة وبناؤها”*: “عندما يتحدث السياسيون الألمان اليوم عن إسرائيل، فإنهم يفعلون ذلك من وجهة نظر أخلاقية ويعتقدون جميعهم أن الدفاع عن إسرائيل هو الأمر الصحيح الذي يجب القيام به من الناحية الأخلاقية بسبب الماضي الألماني”(7).

ثانيًا: تأتي المقارنة مثيرة بين ويلات المدنيين والمعاناة الإنسانية وخطر المجاعة والموت بين الحرب على غزة، والحرب في أوكرانيا، فوق اجتهادات الخطابيْن، السياسي والإعلامي، في الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية، ويتسع حجم المفارقات التي ينطوي عليها موقف الدول الغربية بين الأزمتين على اختلاف مستوى التهديد وعدد الفئات المستهدفة بالقتل العمد. وتعكس سجالات مجلس الأمن الدولي حاليًّا حدوث انشطار داخل أهم منظمة عالمية إلى معسكرين سياسيين متقابلين بحكم الأمر الواقع: معسكر القوة والواقعية السياسية واستخدام حق النقض (الفيتو) ضد دعوات وقف إطلاق النار من أجل مصلحة إسرائيل وتوفير الغطاء السياسي لها في وجه ستة مشاريع قرارات اقترحت أغلبَها دولٌ غيرُ دائمة العضوية مثل البرازيل والإمارات. في المقابل، معسكر سياسة القيم والتشديد على تذكير الدول الخمس الكبار (الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين) بمسؤولياتها بشأن حفظ السلم والأمن الدوليين بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وقد لجأ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى استخدام المادة 99 من الميثاق لتذكير الدول الأعضاء بمسوؤلياتها بعدما تبيَّن أن الوضع في غزة يشهد أسوأ كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين. ويقول أحد المراقبين عن متاهة الكيل بمكيالين بين الحرب في أوكرانيا والحرب على غزة: “إن التماثل الانعكاسي مع إسرائيل، من قِبَل كل من الإعلاميين والسياسيين الأميركيين، يحجب دائمًا الصورة الكاملة لما يحدث بين إسرائيل والفلسطينيين… هناك النفاق المزعج للحرب في أوكرانيا. والعديد من الأفراد في مختلف أنحاء العالم يؤيدون مقاومة أوكرانيا للاحتلال الأجنبي (كما ينبغي لهم)، ولكنهم يحرمون الفلسطينيين بكل سرور من أي وسيلة لمقاومة احتلالهم. حتى أساليب المقاومة غير العنيفة، مثل حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات، يتم التشهير بها وتجريمها”(8).

ثالثًا: استقطبت إسرائيل شركات الإعلام الغربية وصناعة السينما في هوليود، والنخب السياسية وممثلي البرلمانات الغربية لعقود طويلة من أجل تعزيز خطاب مُتَصَهْيِن يجد لها الأعذار ويسعى لقلب رذائلها إلى فضائل تحت ذريعة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” دون السؤال عن مبدأ التناسب في الحروب بين المقاتلين ونوعية الأسلحة الفتاكة. وتستهدف هذه الحروب في المقام الأول قتل المدنيين الأطفال والنساء كما هو واقع الحال في قطاع غزة، ناهيك عن حروب 2021، و2014، و2008-2009، و2006. وخلال الأسبوع الأول من الحرب على غزة، في 7 أكتوبر/تشرين الأول، انتعش الخطاب الذي حاول تقليص العدسة فقط على أزمة المحتجزين الإسرائيليين في القطاع، وغدا السؤال المرجعي النمطي: “هل تُدِين حماس؟” بمنزلة بسملة لازمة لدى جل إعلاميي الغرب خلال المقابلات التي أجريت مع السياسيين والنشطاء من شتى المشارب، خاصة من العرب الأميركيين أو العرب الأوروبيين.

كان الرئيس الأميركي، جو بايدن، قال ذات مرة عندما كان عضوًا في مجلس الشيوخ عام 1986: “لو لم تكن هناك إسرائيل لكان على الولايات المتحدة الأميركية أن تخلق إسرائيل لحماية مصالحنا في المنطقة”. غير أن استهداف مستشفى المعمداني بقطاع غزة وقتل 471 مدنيًّا ممن جاء أغلبهم لتلقي العلاج أو طلب ملاذ آمن، في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبيل سفر الرئيس بايدن إلى إسرائيل كان بمنزلة صحوة نفسية وإنسانية عبر العالم. وكلما ارتفع عدد القتلى المدنيين من الفلسطينيين في غزة -وسط شح موارد المياه والغذاء والمعدات الطبية والوقود، فضلًا عن تدمير البنية التحية للقطاع- ازداد السؤال النقدي بشأن سياسة إسرائيل والسردية التي تبرِّر وقوف دول الغرب في صفها بالعتاد العسكري والتأييد السياسي والمظلة الدبلوماسية في المنظمات الدولية.

بين تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة والسجالات المحتدمة دون التوصل إلى وقف لإطلاق النار في مجلس الأمن والجمعية العامة، تبيَّن للرأي العام الدولي حتى في دول الغرب مدى المفارقات وازدواجية المعايير. فخرجت إلى الشوارع مئات المظاهرات في مختلف القارات ضمن موجة احتجاجات دولية تُندِّد بالإبادة الجماعية واستهداف المدنيين ومراكز الإيواء والمستشفيات وما حذَّرت منه الأمم المتحدة بشأن جرائم حرب تنتهك قواعد القانون الدولي الإنساني. ويقول الباحث رامي خوري، من الجامعة الأميركية في بيروت: إن “إسرائيل تمتلك العديد من الصفات المثيرة للإعجاب في مجالات العلوم والتعليم والزراعة وغيرها من المجالات، لكنها تغرق في واقع الفصل العنصري الاستعماري الاستيطاني الذي يطحن الروح ونراه على شاشات التليفزيون يوميًّا. لذا، فإننا نسير في الشوارع من أجل العدالة الاجتماعية والحرية للجميع، كما فعل الناس الطيبون دائمًا لإصلاح نقاط ضعف عالمهم وتصحيح أخطائه”(9).

رابعًا: في ضوء التباين بين مواقف التصعيد والمطالبات بوقف إطلاق النار، نجحت الوساطة القطرية والمصرية في هدنة استمرت أسبوعًا، وتمَّ خلالها تبادل 80 من المحتجزين الإسرائيليين مقابل الإفراج عن 240 من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية من أصل قائمة شملت 300 اسم، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2023. ولكن الولايات المتحدة لا تزال تعارض الدعوة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حتى في اجتماع مجلس الأمن الدولي، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2023. غير أن هذه المعارك السياسية المتواترة في الأمم المتحدة لا تُضعف عنفوان الجماهير المنادية بمكيال منصف لجميع الأطراف، بل يتعمَّق النقاش عبر مختلف المنصات الرقمية التي تُفسِح مساحات زمنية آنية متعددة لتقديم ما يحدث ميدانيًّا. كما أن بعض العينات المثيرة عن معاناة المدنيين تُعبِّر عن البعد الإنساني التلقائي دون وسيط، وتُبيِّن أن تأييد إسرائيل الذي اعتمد على الإعلام التقليدي ومناصرة إحدى عشرة شركة تهيمن على صناعة الإعلام في الولايات المتحدة لم يعد المؤثر الأكبر في رأي الجماهير.  

يقول أحد أهم منظِّري الواقعية السياسية الدفاعية والأستاذ في جامعة شيكاغو، جون ميرشايمر (John Mearsheimer): إن “هناك فرصة ضئيلة لأن ينسى الأشخاص الذين يتابعون الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في مختلف أنحاء العالم قريبًا العقوبة المروعة التي تفرضها إسرائيل على غزة. فالدمار واضح للغاية؛ إذ لا يمكن تجاوزه، والعديد من الأفراد، خاصة في العالم العربي والإسلامي، يهتمون بمصير الفلسطينيين. فضلًا عن ذلك، فإن الخطاب حول هذا الصراع الطويل الأمد شهد تغيُّرًا جذريًّا في الغرب في الأعوام الأخيرة، والعديد منَّا، الذين كانوا ذات يوم متعاطفين تمامًا مع إسرائيل، يرون الآن أن الإسرائيليين هم المعتدون وأن الفلسطينيين هم الضحايا. إن ما يحدث في غزة سيؤدي إلى تسريع تلك الصورة المتغيرة للصراع وسيُنْظَر إليه لفترة طويلة على أنه وصمة عار على سمعة إسرائيل”(10). يمثِّل ذلك صورة مرجعية في تتبُّع طبيعة التحوُّل المرتقب في ظل عملية الإبادة الجماعية والدمار الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي من شدة تشبع جنرالات وزارة الدفاع وحتى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بمقولة: “الجيش الذي لا يُقهر”، وأن قدرة إسرائيل تكمن في “ما تستطيع فرضه بالقوة”.

ولا تخرج إسرائيل خلال الفترة الممتدة بين 1948 و2023 عن سياق حتمية مراحل القوة والتمدد والضعف والاندحار الحضاري. وثمة من المثقفين والأمنيين الإسرائيليين من يتبنون نظرية ابن خلدون في استشراف تفكُّك إسرائيل في عقدها الثامن. ومن هؤلاء: مائير بن شاحر، واللواء احتياط النائب، عوزي دايان، في مقالة بعنوان “في العقد الثامن”. ويستندان في التحليل إلى عدد من القرائن التي تستشرف احتمال أن تعيش إسرائيل حاليًّا حقبة محمَّلة بالمخاطر. وفي التاريخ اليهودي، ثمة دولتان بلغتا نهايتهما بحلول العقد الثامن: المملكة الموحدة لداود وسليمان التي تفكَّكت بعد نحو 70 سنة من قيامها، ومملكة الحشمونائيم التي انهارت بعد نحو 80 سنة(11). وقد قال بنيامين نتنياهو عام 2018: إن “وجودنا ليس بديهيًّا”، خاصة أن مملكة الحشمونائيم ظلت قائمة 80 عامًا فقط(12). وتعهَّد ببذل كل ما في وسعه للدفاع عن الدولة، وأن تنجح إسرائيل هذه المرة وتظل في الوجود مئة سنة. وقد عبَّر رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، إيهود باراك، بدوره عن الخشية من اندثار إسرائيل في عيد تأسيسها الثمانين بحلول 2028، في مقالة بصحيفة “يديعوت أحرونوت”، في 8 مايو/أيار 2022(13).

ويلاحظ أن الإسرائيليين، منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم يعايشوا انغماسًا نفسيًّا وذهنيًّا بمزيج من مشاعر الذعر الأمني وفقدان الثقة في المؤسسة العسكرية والاستخباراتية، بمن في ذلك رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، نفسه. وتزداد حاليًّا موجة القلق على مصير الصهيونية التي كانت في صالح اليهود القادمين من أوروبا وأميركا الشمالية أكثر من اليهود الشرقيين القادمين من البلاد العربية. وتنقلب إسرائيل في أعين كثيرين، خاصة فئات الشباب، من أرض ميعاد تاريخي إلى أرض افتراق تاريخي باتجاه أوروبا وأميركا الشمالية. وقبل عشرين عامًا، وقف رئيس الكنيست السابق، أفروم بورغ، يُحذِّر من حتمية ردود الفعل العنيفة، وقال: “اتضح أن النضال الذي دام ألفي عام من أجل بقاء اليهود يعود إلى حالة المستوطنات، التي تُديرها زمرة غير أخلاقية من منتهكي القانون الفاسدين الذين لا يسمعون صوت مواطنيهم وأعدائهم على حدٍّ سواء”. وكتب في صحيفة “إنترناشيونال هيرالد تريبيون” (The International Herald Tribune) عبارة عميقة المعنى: “لا يمكن لدولة تفتقر إلى العدالة أن تستمر”(14).

واليوم، غدا عدد متزايد من الإسرائيليين يُشكِّكون في أهمية استشرافات تيودور هرتزل (Theodor Herzl) في المقام الأول عندما قال في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني في لندن، يوم 2 أغسطس/آب 1900: “تطالب الصهيونية بوطن معترف به علنيًّا ومضمون قانونيًّا في فلسطين للشعب اليهودي. وهذا البرنامج الذي وضعناه قبل ثلاث سنوات غير قابل للتغيير. لابد أنها استجابت لضرورة عميقة جدًّا، لشوق قديم جدًّا لشعبنا، وإلا فإن آثاره ستكون غير قابلة للتفسير”(15). وكتب أحد المعلِّقين المعروفين في إسرائيل، ديفيد برين، في مقالة رأي بعنوان: “هل هذه نهاية الحلم الصهيوني؟” نشرها في صحيفة “جيروزاليم بوست” (The Jerusalem Post)، يقول: “لقد كان تاريخ إسرائيل مليئًا بالآثار في كل زاوية من زواياه بمعارك حاولت إثبات خطأ نظرية الملاذ الآمن. لقد احتفلنا للتو بالذكرى الخمسين لأكبر حرب، حرب يوم الغفران عام 1973؛ إذ أدى الرضا عن النفس والشعور الزائف بالأمان في أعقاب النصر غير المسبوق في حرب الأيام الستة عام 1967، وضعف الاستخبارات إلى دفع البلاد إلى حافة الانقراض”(16).

ويشير الكاتب البريطاني، رالف ليونارد(Ralph Leonard) ، إلى مفارقة تاريخية وجودية في علاقة الطموحات الصهيونية قديمًا وواقع إسرائيل حاليًّا بقوله: “لَكَمْ أتمنى في بعض الأحيان لو أن ثيودور هرتزل وماكس نورداو وحاييم وايزمان وديفيد بن غوريون لم يقنعوا اليهود والأمميين بأن الجواب على “السؤال اليهودي” هو إنشاء دولة يهودية وحدوية على الأراضي العربية في غرب آسيا؟… أصبح الأسلوب المعتاد هو شجب إسرائيل باعتبارها دولة شريرة وشيطانية ومارقة، وتعمل خارج حدود القانون الدولي والآداب”. ويضيف ليونارد أن “المقصود بالصهيونية، وفقًا لأبطالها، أن تكون دليلًا على الاستقلال اليهودي. لم يعد اليهودي هو الوديع المثير للشفقة، الذي اقتلعته فيافي المنافي. ولن يُذكر اليهودي بعد الآن في التاريخ باعتباره جثثًا هيكلية لبيرغن بيلسن (معسكر اعتقال نازي). ولن يكون اليهودي بعد الآن ساذجًا لدرجة الاعتماد على كرم الأمم من أجل بقائه وسلامته. لا، سيكون (Muskeljuden)، وهو اللفظ الألماني الذي يرمز إلى اليهودي ذي العضلات، بل رجلًا من مقام الإسبرطي الماهر في التعامل مع المحراث من جهة والبندقية من جهة أخرى. من وودي آلن إلى موشيه ديان. من ضحايا إلى ملوك”(17).

وتعود هذه الصورة المُتَخيَّلة لليهودي العضلي، أو اليهودي ذي الإرادة الجريئة في الفكر الصهيوني، إلى تمثُّل مركَّب لمقولة: (Muskeljudentum) بالألمانية، أو (Muscular Judaism) اليهودية العضلية، وهو مصطلح صاغه ماكس نورداو(Max Nordau)  في خطابه خلال المؤتمر الصهيوني الثاني في بازل، 28 أغسطس/آب 1898. وتحدث وقتها عن ضرورة تصميم “اليهودي الجديد”، ليحلَّ محلَّ “اليهودي التقليدي العجوز”، وهو يتمتع بالقوة العقلية والجسدية لتحقيق أهداف الصهيونية. ورأى نورداو أن “اليهودية العضلية” هي الرد على (Judennot)، كناية عن متاعب اليهود في أوروبا(18).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق