المقالات

بين حكمة عبد الرحمن الأوسط وتسرّع إيمانويل ماكرون: مقارنة تجربتين تاريخيتين في مواجهة التطرف الديني. (إبراهيم القادري بوتشيش)

    نقترح في هذا المقال بسط النظر في دراسة مقارنة بين تجربتين تاريخيتين لحاكمين ينتميين لثقافتين وعصرين مختلفتين، أحدهما عاش في العصور الوسطى وهو الأمير الأندلسي عبد الرحمن الأوسط، وآخر لا يزال يعيش في قلب لحظة العالم الراهن، وهو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وعلى الرغم من أن منهج المقارنة يبدو غريبا بسب اختلاف الظرفيات والبنية التاريخية والسياقات المؤطرة للحدث، والثقافات والزمان والمكان والقوانين والآليات التشريعية، وتباين مكونات النظام الديني والعلماني وغيرها من معطيات المقارنة، فإن استنطاق التجربتين في سياق تاريخ بشري مشترك، وعبر منهج مقارن بين ثقافتين رغم التباعد الزمني، لا يخلو من لذة معرفية، تجعل من التاريخ علما فاعلا ومتفاعلا، ينبش في الماضي ليجيب عن مشكلات الحاضر.

 كما أن وحدة موضوع المقارنة الذي هو كيفية تدبير مواجهة التطرف الديني ما يلقي الضوء على تطور الفكر السياسي في معالجة الأزمات، سواء في مسار التسامح والتعايش بين الشعوب، أو مسار استنبات الكراهية وزيادة وقود الصدام بين الحضارات، مما يثري النقاش حول ملف راهني دقيق، لا نزال نعيش اهتزازاته وارتداداته.

بعد هذ التوطئة المنهجية، نحسب أن جمع خيوط الموضوع يستلزم التعريف بحاكمي الدواتين موضوع المقارنة، وإن كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غني عن كل تعريف، بحكم أنه زعيم دولة تعدّ من الدول الكبرى في العالم المعاصر وهي فرنسا، وثامن رؤساء الجمهورية الخامسة، تولى رئاسة فرنسا منذ سنة 2017  إلى غاية كتابة هذه السطور. أما الأمير عبد الرحمن الأوسط فهو رابع أمراء بني أمية بالأندلس التي كانت بدورها من القوى السياسية الكبرى في العصر الوسيط، تولى الإمارة بعد وفاة أبيه الحكم الربضي سنة 206ه/821م، وهو لا يزال في إهاب الشباب، إذ لم يكن قد تخطى آنذاك ربيعه الرابع والعشرين. ويجمع المؤرخون على أن عهده يمثل ذروة الاستقرار والوهج الحضاري الذي شهده المجتمع الأندلسي حتى عرفت أيامه» بأيام العروس «، كناية عن استكمال نضج الإمارة الأموية بالأندلس، وبلوغها ذرى الرقي، والنضج الحضاري.

ولعلّ الموضوع الذي يعالجه هذا المقال هو ما شكّل قاسما مشتركا بين زعيمين منتميين لحضارتين متباينتين، فكلاهما واجه حركات التطرف الديني، لكنهما اختلفا في آليات تدبيرهما للمواجهة. فلنبدأ أولا -حسب السبق التاريخي- بتوصيف حركة التطرف الديني التي ٌقضت مضجع الأمير الأندلسي، وكيف واجهها.

حركة التطرف المسيحي في قرطبة وآليات مواجهتها من قبل السلطة الأندلسية:

برزت في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط موجة من التعصب المسيحي، تبنتها مجموعة من النصارى المتطرفين الذين كانوا يلقبون أنفسهم “بشهداء قرطبة” Martyrs de Cordoue، مستغلين وجود أمير مثقف ومسالم على رأس السلطة، وظروف مجتمع راهن على الانفتاح والتعددية والتعايش بين جميع مكوّناته، ليقوموا بحركة دينية تعصبية متطرفة تخرج عن سياق التعايش الديني والتآلف والتساكن.

    سنتجنّب مناقشة مزاعم بعض الكتابات الأجنبية التي دافعت عن هذه الحركة المتطرفة، فنعتتها بالحركات القومية، أو فسرتها بشعور المجتمع المسيحي بالتهديد الثقافي، أو بكونها جاءت كرد فعل على الاضطهاد الديني، وغيرها من التفسيرات التي ردّدها بعض المؤرخين الأجانب من طينة بروفنسال وسيمونيت ومورينو وغيشار، لأن الرد عليها ودحض منطلقاتها تتطلب تفاصيل لا تستوعبها مساحة هذا المقال، وإن كان فحصها ووضعها تحت مجهر التحقيق يثبت أنها أحكام تنبو عن الحقيقة، وتفتقر إلى النسبية في النظر.

بدأت هذه الحركة تحت زعامة الراهب ” أوليخيو” Euligio بالإساءة للنبي (ص)، وشتمه ولعن العقيدة الإسلامية جهرا وأمام الملأ، بل حتى داخل رحاب مساجد قرطبة، وسانده في ذلك راهب آخر يدعى”ألفارو” Alvaroـ كما انخرطت معهما فتاة تسمى ” فلورا ” Flora . وانضم إلى هؤلاء مجموعة من المتطرفين الذين كانوا يشتمون النبي محمد (ص) ويسيئون للرموز الإسلامية، مما أثار حفيظة المسلمين وأجّج غضبهم. فكيف واجه الأمير الأندلسي هذه الموجة من التعصب والتطرف الديني؟ سؤال نطرحه للمقارنة  بينه وبين إيمانويل ماكرون  في كيفية تدبير الظاهرة ذاتها؟

لجأ عبد الرحمن الأوسط – وهو الأمير المعروف بانفتاحه وتسامحه وحرصه على السلم الاجتماعي واحترامه للتنوع الثقافي – إلى عقد مجمع كنسي لمناقشة هذه المسألة، بغية استطلاع الرأي العام المسيحي بالأندلس تجاه التطرف الديني، ومعرفة موقفه من الإساءة لنبي الإسلام، فحضر القساوسة ورجال الدين المسيحي هذا الاجتماع. وبعد مناقشات استمرت عدة أيام تحت إشراف أسقف إشبيلية Recafredo ، خرج المجمع الكنسي بقرار يمنع ازدراء العقيدة الإسلامية، ويعتبر كل من نهج هذا النهج مخالفا لتعاليم الكنيسة.

وبعد أن ساد الاعتقاد بعد هذا الاجتماع أن الأزمة انقشعت، وأن جمرة التطرف الديني المسيحي قد انطفأت، سعى زعيم الحركة “أوليخيو”  من جديد لتحويلها إلى “قضية” تغذيها مشاعر التعصب الديني، والكراهية للسلطة الأندلسية والمسلمين، فتمادى في الطعن في نبي الإسلام، واخترق كل الخطوط الحمر، فتمت إحالته على القضاء الذي اكتفى بالحكم بسجنه ، أملا في تغيير موقفه. ثم تحولت عقوبة السجن إلى عفو مشروط بخروجه من قرطبة، تجنبا لإثارة مشاعر المسلمين، لكنه سرعان ما عاد إليها بنشاطه المتعصب المحموم. وبعد أن لم تنفع معه سياسة التعامل باللين والتروي والتسامح، والاكتفاء بطلب عدم الإساءة للنبي (ص)، اضطر الحاكم الأندلسي إلى إحالته على العدالة حيث حكم عليه بالإعدام في نهاية المطاف.

من خلال قراءة راصدة بين سطور أخبار هذه الحادثة من التطرف الديني، تستوقفنا مجموعة من الملاحظات:

يأتي في مقدمتها حكمة ورصانة الأمير الأندلسي في التعامل مع مسألة الإساءة للنبي(ص) وازدراء الديانة الإسلامية، وعدم الانفعال أو التسرع في الإساءة للديانة المسيحية. وعلى الرغم من أن الجريمة كانت خطيرة تمس بمشاعر المسلمين، وتهدد الاستقرار الاجتماعي، فإن الأمير حافظ على الحياد الذي يفترض أن يتسم به رئيس الدولة، لأنه كان أميرا لكل المجتمع الأندلسي وأطيافه الدينية والإثنية، لذلك لم يمس الديانة المسيحية أو ينتقدها، ولم يعمّم غضبه على كافة المسيحيين، أو يصادر تنظيماتهم التي كانت تسمح بها قوانين الدولة.

وبهدف اتخاذ القرار المناسب وعدم جرح مشاعر الآخر، عرض الأمير الأندلسي المسألة على الهيئات الدينية المسيحية المختصة، فعقد مجمعا كنسيا سادته روح الحوار والحرص على الحفاظ على السلم الاجتماعي بين مكوّنات المجتمع، وترك للهيئات الدينية المسيحية تقييم الحدث الذي استنكرته واعتبرته خارجا عن تعاليم الكنسية.

ومن مظاهر التروي والحكمة أن السلطات الأندلسية عرضت القضية على العدالة والقضاء ليقول كلمته، بناء على الحجج والقرائن التي تثبت الجريمة، ولم توجه أي انتقاد للديانة المسيحية. وعلى الرغم من أن المحاكمة قضت بالسجن على زعيم الحركة المتطرفة، فإن ذلك كان يعتبر أخف العقوبات، بل تمّ العفو عنه وأطلق سراحه، وتمّ الاقتصار على إبعاده من قرطبة، أملا في تغيير موقفه، وعدم تكرار الإساءة للرسول عليه السلام، بيد أن الرجل ومعه جماعته المتطرفة استمروا في نهجهم المتعصب، ولم ينفذ فيه حكم الإعدام حتى استنفذت جميع الوسائل للتراجع عن تطرفه الديني.

هكذا تبدو حكمة الأمير الأندلسي، وانفتاحه وتسامحه في عصر خطير ينعته المؤرخ والفيلسوف “ول ديونارت” Will James Durant بعصر الإيمان والتعصب الديني، حيث كان الوتر الديني يتسم بالحساسية المفرطة، وزادت الحروب الصليبية من رفع إيقاعه بعد أن قتل الصليبيون ما يربو عن ثلاثة ملايين مسلم.

تلك هي طريقة تدبير الأمير الأندلسي عبد الرحمن الأوسط لحادثة التطرف الديني، فماذا عن السيد إيمانويل ماكرون؟ وكيف أدار أزمة حادثة التطرف الديني التي أسفرت عن قتل أستاذ أساء للنبي محمد (ص) وما أعقب ذلك من عمليات تطرف ديني في مدينة نيس الفرنسية، وما تمخض عن كل ذلك من سجالات فكرية؟

حادثة قتل مدرس التاريخ وآليات تدبيرها:

ثمة في تقديري ثلاثة ردود أفعال جعلت طريقة تدبير إيمانويل ماكرون لهذا التطرف الديني تختلف كليا عن نظيرتها التي نهجها عبد الرحمن الأوسط.

أولها التسرع في الأحكام والتصريحات، والتطاول على الإسلام، حتى قبل أن تقع جريمة قتل الأستاذ صموئيل باتي. فالرئيس الفرنسي كان قد أدلى بحديث مطول في ثاني أكتوبر الماضي، انتقد فيه الديانة الإسلامية التي تعيش حسب قوله أزمة بنيوية، مكررا ذلك عدة مرات، وعلى مسمع من الجاليات الإسلامية المكونة للنسيج الاجتماعي الفرنسي.

أما الثاني فيتجلى في وضع الرئيس الفرنسي نفسه في خانة مفكر أو أكاديمي جامعي يتمتع بكافة الصلاحيات لإبداء الرأي، متناسيا منصبه كرئيس دولة علمانية لا يحق له إيثار دين على آخر، أو عرق على غيره، ولا استخدام مصطلحات ينبذها قاموس الديبلوماسية، أو تخدش مشاعر الآخر.

صحيح أنه رئيس دولة تزهو بقيّم الأنوار والحرية، ولا تنص قوانينها عن معاقبة السخرية من الرموز الدينية. لكن كان عليه من باب الحكمة والتقاليد الدبلوماسية والدربة السياسية، عدم تعميم أحكام سلبية على دين لا يعرف سوى خطوطه الكبرى، فيقسو  بمحدودية معارفه حول الدين الإسلامي على مشاعر شعوب تربو عن مليار ونصف مسلم .

بينما يتجلى رد الفعل الثالث في عدم تمييزه بين الإسلام وواقع العالم الإسلامي. لو أن السيد ماكرون تحدث عن أزمة واقع المجتمع الإسلامي المعاصر، لقبل المسلمون انتقاده. فلا أحد ينكر ما يتخبطون فيه من أزمات. لعلّ أهمها أزمة الديموقراطية والحرية والاستبداد السياسي الذي ليس من صنع الإسلام، بل هي أزمة مركبة من الوضع الداخلي ومسؤولية الاستعمار والتبعية، وإفلاس بورصة العلم ، خاصة أن تدبير الأزمات يحتاج إلى الاستعانة  بمراكز البحوث والتفكير Think tanks التي تساهم في صناعة القرار لمواجهتها ، والحيلولة دون استبداد الحكام بالتحكم في القرار، وهو ما يفتقر إليه المجتمع الإسلامي للأسف. والحال أن السيد ماكرون أطلق العنان للسانه دون تمييز على الأقل بين الإسلام كعقيدة ، والمسلمين كبشر كما فعل عبد الرحمن الأوسط بقدر من التبصر والحصافة حين ميّز بين جماعة المتطرفين المسيحيين، والديانة المسيحية التي تفيض بروح التسامح.

وإذا كنا ندين ونحتج بأعلى ما في حنجرتنا من قوة، وكل ما نملكه من سائل الحبر جريمة قتل المدرس الفرنسي بتلك الطريقة البشعة، فإننا نأسف لكون  الرئيس الفرنسي جهل أو تجاهل موقف الإسلام من قتل النفس، واعتبارها ” أم الجرائم” ، وأن من قتل نفسا واحدة  فكأنما قتل الناس جميعا. لم بشخّص السيد ماكرون الفروق بين العقيدة وخطاب الواقع، كما هو الحال في المسيحية أيضا. فكم أحرقت الكنيسة من الناس وهم أحياء بسبب آرائهم، وكم حصدت سيوف الصليبيين أرواح المسلمين إبان الحروب الصليبية حتى أن منسوب دماء القتلى من المسلمين بلغ الركبتين عند احتلال بيت المقدس كما سجّل ذلك المؤرخ ستيفين رنسيمان. وكم قطعت من رؤوس الجزائريين والمغاربة إبان الاحتلال الفرنسي على يد ضباط وجنود فرنسيين ” مسيحيين” كما يشهد بذلك متحف الإنسان الفرنسي الذي يحوي 18 ألف جمجمة من الشعوب المحتلة التي قطعت رؤوس مقاوميها، ومع ذلك فالمسيحية براء من هذه السلوكات التي مورست باسمها. لذلك يبدو لي أن ثقافة عبد الرحمن الأوسط كانت من السعة وحسن الاطلاع ما جعله يعرف الديانة المسيحية عن كثب، ويحترمها بوصفها ديانة سماوية ، ومن ثمّ تجنّب الدخول في دائرة ملغمة تتناسل فيها أحكام القيمة، والافتراءات ضد الإسلام كما فعل ماكرون.

بين حرية التعبير وتعمد الإساءة:

لا يخامرنا الشك في أنّ الحرية وحرية التعبير والتعدد والاختلاف، تعد من أسس الدولة الفرنسية المستمدة من مبادئ الثورة الفرنسية وعصر الأنوار. غير أن الأنظمة الليبرالية الديموقراطية الناضجة التي تحترم نفسها، غالبا ما تسيّج هذه الحرية بسياج سميك، حتى لا تتحول إلى حقل ملغم بالتحريض على العنف والتشهير والقذف، وترفع سقف الحرية إلى مستوى التملص من القيود الأخلاقية، فتسيئ بذلك إلى الحرية نفسها، وتخرجها عن سكتها الصحيحة، لتنزلق إلى مهاوي العنصرية والكراهية والصدام الحضاري.

ومهما قيل أن إساءة ماكرون للإسلام تأتي قي سياق انتخابي يروم استمالة اليمين الشعبوي الفرنسي، فإن استنطاق تصريحاته والموجهات الناظمة لها يفصح عن قصدية الفعل وتعمّد الإساءة. فعلى الرغم من عدم وجود حدود لحرية التعبير في الصحافة، كان على السيد ماكرون أن يعتبر خصوصية الإساءة للنبي الكريم، وينأى بنفسه بصفته رئيسا، قلا ينحاز إلى هذه الجهة أو تلك . فما المانع الذي كان يمنع عبد الرحمن الأوسط – وهو في موقف قوة – من الانحياز إلى بني جلدته من المسلمين، والتضييق على المسيحيين، جراء تطرف جماعة منهم، وإساءتها لنبي الإسلام؟ ومع ذلك آثر التريث والإنصات لممثلي الكنائس قبل أي ردة فعل. أما ماكرون فقد أطلق العنان للسانه لتوصيف أزمة الإسلام من دون روية وتثبت، أو معرفة دقيقة بالعقيدة الإسلامية، محاولا فرض “إسلام فرنسي” على الجاليات الإسلامية المقيمة ببلده، علما أن أساس الدولة العلمانية يجعل من الحياد أسلوبا في التعامل مع الشأن الديني، وليس من مهام رئيس دولة أن يفتي في شأن أي ديانة  كيفما كانت بأنها في أزمة.

 فعوض أن يسلك مبدأ الحكمة في التضامن مع الأستاذ المغتال، صبّ الزيت على النار بإعلانه تأييد نشر الرسوم المسيئة للنبي، بل جعلها على واجهات المباني الحكومية الفرنسية والفضاء العام، وخرج بتصريحات تلوّح في جميع الاتجاهات الجارحة، وكلمات تنطق بالعداء السافر للإسلام بمعاني واضحة لا تقبل التأويل، على الرغم من محاولته التخفيف من حدّتها في الحوار الذي خصّ به قناة الجزيرة الفضائية. ومن خلالها يتضح إذا كان الأمر في حاجة إلى دليل، أن كلامه لم يكن موجها إلى المجرم القاتل، بل كانت سهام لسانه موجهة نحو انتقاد الإسلام، ووصفه بالانفصالية، ومحاولة التخوين إرضاء لليمين العنصري. ولا تزال المساجد في فرنسا تتعرض حتى اليوم إلى المضايقات والإعلاق التعسفي.

عبد الرحمن الأوسط ممثلا  لتسامح الإسلام وماكرون متنكّرا  لأفكار عصر الأنوار:

عندما دعا عبد الرحمن الأوسط إلى عقد مجمع كنسي لمناقشة حركة التطرف الديني التي تبنتها مجموعة من المسيحيين المتعصبين، كان يستند في فعله على منهج التسامح والعدالة والإصغاء للآخر، وهي المبادئ المستمدة من تعاليم الإسلام. في حين أن إيمانويل ماكرون تنكّر لمبادئ عصر الأنوار، رغم ما يبدو سطحيا أنه يدافع عنها. مع العلم أن مفكري عصر الأنوار لم يكونوا مناهضين للدين، وإنما وقفوا ضد استخدام الدين من طرف المؤسسات الدينية والسياسية لأهداف مصلحية أو سياسوية، أو  بهدف نشر فكر غيبي مناقض للعقل، ولم يوظفوا هذا العقل للاستهزاء بالأديان أو بالرموز المقدسة. والتسامح الذي يعدّ من أهم القيّم التي جاء بها عصر الأنوار، لا يعني التسامح مع الآخر فحسب، بل احترام كرامته، وعدم خدش مشاعره أو المسّ برموزه المقدسة، وهو ما نجح في تطبيقه الأمير الأندلسي المنوه به، وفشل فيه الرئيس الفرنسي نظريا وممارسة .

ولعلّ قراءة راصدة في خلفيات تصريحات ماكرون، والنوايا المتسترة وراءها، تثبت أنها ليست سوى إعادة إنتاج لعقلية المركزية الغربية المتعالية التي تنكرت بدورها لمبادئ الثورة الفرنسية، وفكر الأنوار المؤسس على العدالة والمساواة والإخاء، وهي العقلية التي رسختها الدراسات الاستشراقية ذات المنزع الأوروبي المركزي، والتي ترى في الغرب مجالا متحضرا متنورا، وفي الشرق مجالا بربريا متخلفا ظلاميا، بعيدا عن الفهم والتعقل الذي يتجاوز المواقف الحدية.

والثابت أن تلك العقلية المركزية الاستعلائية  بدأت منذ العصور الوسطى الباكرة عندما تأسست كراسي الإستشراق في الجامعات الأوروبية، وشرعت بإيعاز من الكنيسة في إنتاج خطاب  يحط من قيمة الإسلام، باعتبار نبيه محمد عليه السلام مهرطقا منشقا عن الديانة المسيحية، وتوجت هذه الرؤية المتعالية  بنظريات جديدة تقدس المركزية الغربية، كان آخرها نظرية هانتعتون حول صراع الحضارات، و نظرية فوكوياما التي تجعل من الديموقراطية الليبرالية آخر اختيار منقذ للبشر. وفي كل هذه الأطروحات التي شاعت سواء في العصور الوسطى أو الحقبة المعاصرة، ثمة- وفق ما يراه تيري هنتش في كتابه “الشرق الخيالي ورؤية الأخر” – انتقاص من العقل العربي الشرقي، مقابل العقل الغربي الذي يروم شحن الذاكرة الأوروبية بصور تبخّس من قيمة الآخر، وتكرّس دونيته، وتنتج أفكارا مشوهة عن الشرق للهيمنة وبسط النفوذ، وتقاوم أي فكر بديل، وهو ما امتح منه ماكرون تصريحاته حول ما أسماه بأزمة الإسلام، دون أن يتمكّن من التحرر من أسارى هذا الخطاب الاستعلائي .

مع ذلك فالأمل معقود على أن تكون تصريحات ماكرون وردود أفعاله مجرد خطأ قابل للتصحيح، حتى لا تتسع بقعة الزيت فوق قطعة الثوب، ولا يتحوّل خطاب الكراهية والإساءة للمقدسات الإسلامية إلى عدوان على هويات الجاليات الإسلامية بفرنسا وأوروبا عامة، وحتى نلج فضاء الفكر والحوار والتعايش، واستثمار مقومات المشترك الحضاري، لسدّ شقوق الاختلافات، وجعل العالم يتواصل  بشكل منتج لتوحيد الجهود نحو القضايا العالمية المشتركة، وفي طليعتها اليوم مواجهة جائحة كورونا، وتوزيع اللقاح على شعوب العالم بكيفية عادلة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق