المقالات

المواطنة القلبية عند الإمام عبد السلام ياسين (إدريس مقبول)

في سياق الكلام عن مواطنة سياسية ومواطنة مدنية ومواطنة اقتصادية ومواطنة اجتماعية ومواطنة عالمية عابرة للحدود وغيرها من صيغ المواطنة التي أبدعها الفكر البشري في مجال الإنسانيات، يأتي مفهوم “المواطنة الإيمانية” واحدا من المفاهيم التي أبدعها الإمام عبد السلام ياسين ضمن شبكة من المفاهيم الجديدة التي يؤسس عليها رؤيته لفاعلية الفرد وبعده الأخلاقي، و هذا المفهوم من العناصر التركيبية التي تمتح من روح الرؤية التربوية عند الرجل والتي يجعل منها مقدمة شرطية لبناء مفهوم “مجتمع العمران الأخوي” أو نموذج الاجتماع كما نص على قيمه القرآن الكريم، يقول:”المواطنة القلبية الإيمانية بين المسلمين هي أم الخصائص في العمران الأخوي. سِمَتُها النفسية السلوكية الإقلاع عن حب الدنيا والتحررُ من العبودية للهوى. وبهذا الإقلاع والتحرر ينقلب موقف المسلم رأسا على عقب من المِلكية الأنانية لمتاع الدنيا، وتنقلب ذهنيته، وينسلخ من عادات المنكر، ومن الشرك بالآلهة التي يعبدُها الإنسان المشرك والغافل من دون الله: الشحِّ والمصلحةِ الخاصةِ والربحِ واللذةِ والمالِ والجاهِ”[1].

مفهوم “المواطنة القلبية” [2] بقيام شقه الثاني على بعد نفسي أو الصفة “القلبية” يرتبط بفلسفة “الغاية” من وجود الإنسان، ويستبطن في منهاج الإمام ياسين دعوة للتحرر من أسباب الصراع والتقاتل والضعف التي ترجع في أصلها إلى داء”حب الدنيا وكراهية الموت” أو ما سماه الحديث الشريف بـ”داء الأمم” المتجسد في عَرَضَيْه ؛الوهن(الخواء الداخلي) والغثائية(الخواء الخارجي).

يعطي الإمام ياسين لمفهوم “المواطنة القلبية” في كتابته بعدا تربويا وأخلاقيا محضا يرتكز على مبدأ التزكية، وتدافع عن أسبقية التراحم على التعاقد، ولهذا فهي تفترق عن مفهوم “المواطنة الإيمانية” عند غيره كالأستاذ طارق رمضان، لأنها ذات بعد آلي جاءت في سياق الاندماج الإسلامي العام في مجتمعات الغرب، لكنها تقترب شيئا ما من مفهوم “المواطنة إخاء” في بعدها الفلسفي والروحي لدى الأستاذ طه عبد الرحمن، حيث المؤاخاة عند الأستاذ طه هي المواطنة وقد تأسست على القيم الأخلاقية التي تنزل أعلى الرتب، ومعلوم أن الأستاذ طه ينتقد صيغة التفريق بين المواطنة والأخلاق الذي قامت عليه الليبرالية، باعتبار أن المواطنة هي جملة من الحقوق الفردية تحددها نظرية في العدل تم وضعها خارج نطاق الأخلاق، في حين أن الأصل في الإنسان هو الأخلاق. 

“المواطنة الإيمانية” عند الإمام ياسين ارتقاء للجمع بين الفاعلية والرسوخ؛ الفاعلية المنتجة في الوجود والتي تخرج بالكائن المؤمن من “وضعية العطالة”، والرسوخ المنتج في الوجدان أو في الأخلاق والذي يخرج به من “التيه” أو “وضعية ضياع البوصلة” ، وتظهر الفاعلية الآفاقية أو الجهادية كما يسميها الأستاذ ياسين وتتجلى حين يخرج الإنسان من إسار “العزلة”، ليدخل غمار الحياة والتربية والمجاهدة، حيث يواجه الإنسان”الشر” المتجسد في العالمين الكبير والصغير؛ في نفسه وفي الواقع، و”في مستقبل الإسلام نحتاج لِقران “الفطم” الفردي الأنفسي السلوكي بالفاعلية الجهادية، ليكون السلوك الإحساني عملا مصيريا رائده الفردي عبادة الله كأننا نراه، ورائده الجماعي إتقان الأعمال الجماعية لتحقيق إسلام العدل”[3]

لا يتوانى الإمام ياسين وهو يتكلم عن “المواطنة الإيمانية” في التنبيه على خطورة الانجرار وراء الفاعلية الحركية الخافضة والتغافل عن الفاعلية المعنوية الرافعة، يقول في كتابه “العدل”:” هنا يكمُن الخطـر الداهم ويعظُم الخطبُ وتتربص الزلة حين ندخل في معمعـان الحركية العـالمية -ونحن داخلون إليها مرفـوعي الرأس أو أذلاءَ مُكرهين- فتلتهمنا وتُلهينا عن مهمتنا الأولى في الحياة. هنا يهدد دَولابُ الحركية والفاعلية والوقت الجاري والمواعيد العجِلة ومنطقُ السرعة بصرفنا عن وِجهتنا. يهددنا الخطر القاتل، خطرُ أن نكسِب معركة التنمية ونخْسَرَ روحَنا. ونخسَر الإيمان. يهددنا أن نلْبَس مع الناس وكالناس لَبوسَ الدنيا ونطرح لِباسَ التقوى.ومَنْ خسِر الآخرة فما معنى حياته وما قيمة مروره من الدنيا؟ هذا ثمن باهظ وغبن ما بعده غبن. نعوذ بالله”[4].


[1]  – ياسين، عبد السلام. العدل، ص186.

[2] – .  يراجع:- طه عبد الرحمن، روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، بيروت: المركز الثقافي العربي ، 2006م، ص 233.

-Tariq Ramadan , Les musulmans d’occident et l’avenir de l’islam, Paris ; Editions Sindbad, 2003

[3] – ياسين، عبد السلام، الإحسان،1/97.

[4] – ياسين، عبد السلام. العدل،ص 436.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تحية عطرة لهذه الاقلام الحرة والابداعات المتكررة .زادكم الله رفعة في العلم وعافية في الجسم وقبولا عنده وخلقه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق