المقالات

المعرفة والزمن الثقافي (محمد همام) _ج1_

يتحدد العقل العربي عند الجابري، رحمه الله، بجملة المبادئ والقواعد التي تقدمها الثقافة العربية للمنتمين إليها كأساس لاكتساب المعرفة. أما النظام المعرفي فقد استثمر الجابري في تحديده اجتهادات الفيلسوف اللغوي الفرنسي (لالاند) الذي يعتبر ذلك النظام منظومة من القواعد المقررة والمقبولة في فترة تاريخية ما. ويصبح عند الجابري جملة من المفاهيم والمبادئ والإجراءات التي تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية. والبنية تعني وجود ثوابت ومتغيرات، فيصبح عندها العقل العربي ثوابت الثقافة العربية ومتغيراتها. وإذا كانت الثقافة هي ما يبقى عندما يتم نسيان كل شيء (وهو قول منسوب للمؤرخ الفرنسي إدوارد هيريو Herriot ت 1975)، فإن العقل العربي، في هذه الحالة، هو ما خلفته وتخلفه الثقافة العربية في الإنسان العربي بعدما ينسى ما تعلمه في هذه الثقافة؛ أي يبقى الثابت وينسى المتغير. والثابت الذي يبقى هو العقل العربي ذاته. لذا يطرح الجابري سؤالا عن: ماذا بقي في الثقافة العربية منذ العصر الجاهلي؟ وهو، بنظره، سؤال ماكر ومضلل، وقامع لسؤال آخر مقموع ومستفز وهو ماذا تغيَّر في الثقافة العربية منذ الجاهلية إلى اليوم؟ سؤال مقلق وموقظ وممتد في أحشائنا الفكرية، عكس السؤال الأول المنوم. وامتداد السؤال الثاني فينا يزكيه أنا مازلنا نشعر بأن امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى وعنترة وعمرو بن كلثوم ولبيد والنابغة وابن عباس وعلي بن أبي طالب ومالك والشافعي وابن حنبل وسيبويه والجاحظ والمبرد والأصمعي والأشعري والغزالي والجنيد وابن تيمية والطبري والمسعودي وابن كثير وابن الأثير والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون والشاطبي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، نشعر بهؤلاء جميعا يعيشون معنا ويقفون أمامنا على خشبة واحدة ومسرح واحد هو مسرح الثقافة العربية الذي لم يسدل ستاره بعد، ولو مرة واحدة؛ أي لم تحدث القطيعة كما ادعى بعض المتسرعين في التعليق على أفكار الجابري و على مفاهيمه.

إن زمن الثقافة العربية، بنظر الجابري، ليس بالضرورة خاضعا لمقاييس الوقت والتوقيت الطبيعي والسياسي والاجتماعي، بل له مقاييسه الخاصة به. هذا الزمن هو الذي يبقى من الثقافة. والربط بين ثوابت الثقافة؛ أي “زمنها” وبين بنية العقل يعني أن زمن بنية العقل العربي هو زمن الثقافة العربية؛ ثقافة مازال يتحرك أبطالها التاريخيون، في الأدب والفقه والحديث والفلسفة والتاريخ، أمامنا على خشبة مسرحها ويشدوننا إليهم برباط وجداني وثيق.

إن العلاقة بين الثقافة العربية والعقل العربي، من منظور الجابري، علاقة لا شعورية؛ فالعقل العربي، كجهاز معرفي، عندها يتشكل وينتج في آن واحد وبكيفية لا شعورية. و”اللاشعور المعرفي” مصطلح تحليلي استقاه الجابري من أعمال عالم النفس السويسري جان بياجيه”، والذي أخذه بدوره من رائد مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد، الذي تحدث عن اللاشعور الانفعالي، أو السلوكي. وإذا كان جان بياجيه قد وظف المفهوم، كأداة تحليل إجرائية للبنية المعرفية للذات الفردية، فإن الجابري طور المفهوم ليصبح قابلا للتوظيف لدراسة الجماعات والشعوب والثقافة بعامة. فإذا كان اللاشعور عند فرويد يعني “طاقة نفسية قوامها الرغبات والمكبوتات موجهة نحو موضوع ما!”، فإن اللاشعور المعرفي عند بياجيه يصبح “مجموع العمليات والنشاطات الذهنية الخفية التي تتحكم في عملية المعرفة لدى الفرد”، (ذكر هذا في كتابه:

Problèmes de psychologie génétique, paris 1972)

هذا المفهوم، كما ذكرنا، نقله الجابري من مجال (السيكولوجيا التكوينية) إلى مجال (إبستمولوجيا الثقافة)؛ ليصبح “اللاشعور المعرفي العربي” هو “جملة المفاهيم والتصورات والأنشطة الذهنية التي تحدد نظرة الإنسان العربي، أي الفرد البشري المنتمي للثقافة العربية، إلى الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ… إلخ”، و”بنية العقل العربي” هي: “المفاهيم والأنشطة الفكرية التي تزود بها الثقافة العربية المنتمين إليها والتي تشكل لديهم (اللاشعور المعرفي) الذي يوجه، بكيفية لا شعورية، رؤاهم الفكرية والأخلاقية ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى غيرهم.” وهنا لابد من التمييز بين اللاشعور المعرفي الذي طوره الجابري كمفهوم وآلية تحليلية لدراسة الثقافة العربية، مستفيدا من اجتهادات جان بياجيه، وبين مفهوم  “اللاشعور الجمعي”، كما استعمله “يونغ”،عالم النفس المعروف والمستدرك على الكثير من أفكار فرويد.

وعليه، يتميز الزمن الثقافي العربي، بناء على هذا التوصيف بخصائص عدة؛ فهو مرتبط بزمن اللاشعور، ولا تاريخ له؛ أي لا يعترف بالزمن الطبيعي، كما لا يعترف بالمسافات الزمانية والمكانية، ولا بقانون السابق واللاحق، ولا بقانون السببية. وهو مثله مثل زمن بنية العقل المنتمي إلى ثقافة ما؛ لا يلحقه التغيير بنفس وتائر الزمن الاجتماعي والعاطفي ولا الزمن الطبيعي. وهو مثله مثل زمن اللاشعور؛ أي متداخل ومتموج، يمتد على شكل لولبي، مما يجعله يقبل بمراحل ثقافية مختلفة تتعايش في نفس الفكر، وفي نفس البنية العقلية، كما تتعايش في اللاشعور النفسي الرغبات المكبوتة المختلفة الراجعة إلى أزمنة نفسية وعقلية وبيولوجية مختلفة؛ رغبات الطفولة والشباب والرجولة، بالإضافة إلى الطاقات الغريزية البيولوجية المؤسسة لنشاط اللاشعور وفاعليته، بحسب تحليل فرويد.

ويذهب الجابري إلى أبعد من ذلك، لما يعتبر الزمن في الثقافة العربية ليس مدة تعدها الحركة وحسب، بل هو كذلك مدة يعدها السكون. ويستثمر الجابري الجهاز المفهومي للعالم المتكلم إبراهيم النظام في التمييز بين أنواع الحركة؛أي حركة الاعتماد وحركة النقلة؛ فالأولى حركة الشيء في الموضع نفسه، والثانية الانتقال من مكان إلى آخر، ليخلص الجابري إلى أن حركة الثقافة العربية ” حركة اعتماد “، رغم التحركات والاهتزازات والهزات التي تتعرض لها؛ ألم يولد النحو العربي كاملا مع سيبويه؟ و تتحدد معالم أصول الفقه عند مولدها مع الشافعي؟ و تكتمل الكتابة التاريخية مع ابن إسحاق والواقدي؟ و يكتمل المعجم والعروض مع الخليل؟ و تكتمل معالم علم الكلام مع واصل ابن عطاء وخصوصه؟ و يكتمل الفكر الشيعي مع جعفر الصادق؟

يصبح، إذن، تاريخنا الثقافي معطى جاهزا من بدايته. ويعقد الجابري مقارنة مع الزمن الثقافي الأوروبي ويلاحظ أنهم يؤرخون بالقرون: الفكر اليوناني،أي القرن الرابع قبل الميلاد، والفكر الفرنسي أو الألماني، أو الأوروبي،  فيجعلونه يمتد في وعيهم على مدى ثمانية وعشرين قرنا. كما يصنفون تاريخهم ،اعتماد على مفهوم الزمن الثقافي إلى عصر قديم (الإغريقي – اللاتيني)، وعصر وسيط (المسيحي)، وعصر حديث. فهم إذن أمام استمرارية تاريخية تشكل إطارا مرجعيا ثابتا وواضحا. فمهما تساءلنا عن طبيعة هذه الاستمرارية: هل هي حقيقية أو موهومة؟ فإننا أمام حركة ممتدة، بشكل متصل أو عبر ” قطائع”؛ استمرارية تؤدي وظيفة أساسية على صعيد الوعي؛ إذ تنظم التاريخ، وتفصل بين ما قبل وما بعد، وتجعل من المستحيل التطلع، ولو حلما، إلى عودة ما قبل ليحل محل ما بعد، كما تمدُّ أصحابها بوعي تاريخي يجعلهم يتجهون إلى المستقبل دون التنكر للماضي ودون أن يجعلوا هذا الماضي أمامهم فيقرؤون فيه مستقبلهم، وتساعدهم على أن يحتل الماضي مكانه الطبيعي من التاريخ ومن الوعي بهذا التاريخ. وهذا عكس ما نجده في زمننا الثقافي العربي؛ إذ لا نؤرخ لثقافتنا بالقرون إلا تكلفا، بل نؤرخ بزمن الأسر الحاكمة؛ فنقول: الشعر والأدب والفكر في العصر الأموي، أو العباسي، أو الفاطمي. وحتى إذا أخذنا بالنموذج التأريخي والتصنيفي الأوروبي فإننا نقسم زماننا الثقافي إلى مرحلتين: الثقافة العربية في القرون الوسطى، والثقافة العربية في العصر الحديث، ولا وجود للعصر القديم. كما أن المشكلة الفظيعة هي أننا نستعمل التاريخ الهجري في الزمن الأول (الثقافة العربية في القرون الوسطى)، أي إلى القرنين السابع والثامن الهجريين، ثم نقفز إلى التاريخ الميلادي في الزمن الثاني (الثقافة العربية في العصر الحديث)؛ إذ نبدؤه مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي. وما بين القرون الوسطى وعصر النهضة؛ أي ما بين القرن الثامن الهجري /الخامس عشر الميلادي، والقرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي، ” حلقة مفقودة ” وثغرة عميقة ومشوشة في الوعي العربي؛ حلقة مفقودة تعمق تمزيق الوعي التاريخي، وتجعلنا نتنقل بين مرجعيتين مختلفتين تماما، لكل منهما زمنها الخاص، كما يصبح وعينا بالزمن محكوم بوعينا بالمكان، فنتعامل مع الزمن كما نتعامل مع المكان، إذا غاب الزمن عنا فهو غياب مكاني وحسي وغير معنوي. كما يصبح الماضي يتناوب مع الحاضر على ساحة وعينا، بل ينافس الماضي الحاضر منافسة شديدة حتى ليبدو هو نفسه الحاضر! وهذا  يعني، بنظر الجابري، أن تاريخ الفكر العربي لم يكتب بعد، كما أن تاريخ الثقافة العربية في حاجة إلى إعادة ترتيب، مما ينتهي بنا إلى أن الزمن الثقافي العربي لم يتم بعد تثبيته ولا تعريفه ولا تحديده. وحتى عند الحديث عن “العصر الجاهلي”، و”العصر الإسلامي”، و “عصر النهضة”، فنحن نتحدث عن جزر ثقافية منفصلة في الوعي العربي الراهن، وتحضر حضورا متزامنا فيه. ثم إن التنقل بين هذه العصور ليس انتقالا من زمن إلى زمن بل هو قفزة من مكان إلى مكان. وهذا ما يحدث تداخلا لهذه الأزمنة الثقافية في وعي المثقف العربي، ويسبب له اضطرابات معرفية وأيديولوجية؛ معرفية باستهلاك معارف قديمة على أنها جديدة، الأمس واليوم. وأما الاضطرابات الإيديولوجية فنلمسها في المثقف الذي يعيش في وعيه صراع الماضي متداخلا مع أنواع الصراعات الأخرى التي يشهدها حاضره؛ كما يتجسد ذلك الاضطراب، معرفيا وأيديولوجيا، عند احتكاكه بالتراث الأجنبي الوافد والمترجم، قديما وحديثا، حتى إنه يصعب فرض أي نوع من النظام والتراتب داخل وعي المثقف العربي. كما أفرزت تلك الاضطرابات ظاهرة “المثقفين الرحل”؛  الرحلة من المعقول إلى اللامعقول، أومن اليسار إلى اليمين، أومن اليسار إلى الإسلام. وهذه الظاهرة،بنظر الجابري، ليست ظاهرة تراجع أو توبة، وليست مشكلة اختيار أيديولوجي، وإنما هي مشكلة انعدام استقرار معرفي (إبستمولوجي). هذه الوضعية المتأزمة للمثقف العربي، وحالة الركود، أو حركة الاعتماد الذي يعيشها زمننا الثقافي، هي التي جعلتنا، بنظر الجابري، نعيش سجناء الرؤية والمفاهيم والمناهج القديمة التي وجهت القدماء، لنظل منخرطين دون شعور في صراعات الماضي ومشاكله، كما يظل حاضرنا مشغولا بمشاكل ماضينا، وننظر إلى المستقبل بتوجيه من مشاكل الماضي. فنحن في حاجة ماسة، بنظر الجابري، إلى الروح النقدية اللازمة لكتابة تاريخنا الثقافي بتوجيه من طموحاتنا وأشواقنا، وفي حاجة إلى ترتيب العلاقة بين أجزاء التراث. فتاريخنا الثقافي الذي ورثناه، تاريخ فرق وملل ونحل ومذاهب وطوائف ومقالات؛ تاريخ الاختلاف في الرأي، وليس تاريخ بناء الرأي، مما يتطلب تجاوز حالة التعامل مع تاريخ علوم التراث وفنونه كجزر معرفية منفصلة؛ إذ لم يرث الفقه إلا خصومة  الفلسفة والفلاسفة، ولم يرث النحو إلا خصومة  المنطق والمناطقة. كما يتطلب المجهود الفكري تجاوز حالة عرض المعرفة التراثية كما تعرض البضائع في الأسواق؛ مشاهد متزامنة وليست مراحل متعاقبة، تقوم على التراكم وليس التعاقب!حتى تحول حاضرنا إلى معرض لمنتوجات ماضينا، كما نرى في معارض الكتاب!تجعلنا هذه الوضعية نعيش الماضي في الحاضر بدون تاريخ، ونعيش تاريخا ثقافيا يتداخل فيه الزمان والمكان، حتى أصبح تاريخنا الثقافي هو تاريخ الكوفة والبصرة ودمشق وبغداد والقاهرة والقيروان وفاس وأشبيلية وقرطبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق