المقالات

المؤسسة الدينية المغربية وأزمة كورونا؟ عبد الرحمن الشعيري منظور

كشف الانتشار المثير لفيروس كورونا من مهده بمنطقة (ووهان (Wuhanالصينية، وتحوله السريع إلى جائحة عالمية في مارس 2020، عن حقائق صادمة تهدد البشرية في وجودها ومستقبلها، بفعل صراعات الدول الكبرى حول قيادة العالم ولو بتجاوز كل أسس العيش المشترك القائم على الأمن والسلم وسلامة النظام البيئي والصحي للإنسان.

   أدت سرعة انتشار الفيروس التاجي إلى تحوله لجائحة عالمية كوفيد-19 و من ثم إعلان معظم الدول عن حالة الطوارئ الصحية لتفادي المزيد من الإصابات والوفيات، وللحفاظ كذلك على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وقد انخرط المغرب في هذا المسار الوقائي العالمي باعتماده حالة الطوارئ الصحية في 23 مارس 2020أدت إلى توقف و انحباس في المجال العام (الإدارة، الرياضة، الثقافة، السياسة والحقوق والحريات في التجمع والتنقل…).

في هذه الظروف الحرجة ماذا كان حظ الشأن الديني بالمغرب من تداعيات الطارئة لجائحة كوفيد -19؟ وكيف تفاعلت المؤسسة الدينية الرسمية مع هذه الأزمة؟ وماهي أهم ملامح التحول التي مسّت آليات اشتغال المؤسسات الرئيسية في الإسلام الرسمي: إمارة المؤمنين ومؤسسة العلماء ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؟

سنحاول مقاربة كل هذه التساؤلات وفق نسق تحليلي يعتمد التوثيق والتعليق على المؤشرات الأولية لأهم التفاعلات التي جعلت من الشأن الديني إباّن جائحة كوفيد-19 في صلب السياسة والنقاش العمومي، وهو ما تبدى جلياّ من خلال صناعة العديد من رموزه وقضاياه للحدث السياسي في هذه الظرفية.

1-فتوى الإغلاق المؤقت للمساجد، بين حفظ الدين وحفظ الصحة.

أدى إعلان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2020 عن تحول فيروس كورونا المستجد إلى وباء عالمي إلى اتخاذ الحكومات قرار منع التجمعات الكبرى ومنها التجمعات الدينية في مختلف دور العبادة، وعملت معظم الدول الإسلامية على إغلاق المساجد  وتعطيل أداء صلاة الجمعة، كما قرّرت السلطات السعودية تعليق أداء العمرة و إبرام عقود الحج، ومنعت مؤقتا الصلوات جماعة في الحرم المكي والمدني.

في المغرب تطلب اتخاذ قرار مثل اغلاق المساجد لجوء الملك بصفته الدينية إلى التقنية التاريخية في استفتاء العلماء عند حدوث النوازل الشرعية الكبرى ذات الارتباط بالاستقرار السياسي والاجتماعي للبلاد، لذا كان  التوسل بفتوى العلماء في هذه الظرفية الحساسة أمرا ضروريا لتجنب أي معارضة فقهية وسياسية تطعن في المشروعية الإسلامية للقرار، وفي هذا السياق تم الاعلان صبيحة يوم الاثنين 16 مارس عام 2020 الموافق لـ 21 رجب 1441 عن فتوى للمجلس العلمي الأعلى بإغلاق المساجد مؤقتا، حملت في مضمونها قرارا دينيا سياديا مستعجل النفاذ، ولأهميتها التوثيقية نورد مقتطفا منها:

    “…واستلهاما من نصوص الشرع التي تؤكد على ضرورة حفظ الأبدان، وعلى تقديم دفع المضرة على جلب المصلحة؛ وعلما بأن من شروط الصلاة، ولاسيما في المساجد، حصول الطمأنينة، وحيث إن الخوف من هذا الوباء ينتفي معه شرط الطمأنينة.لكل هذه الاعتبارات الشرعية والعقلية الاحترازية؛ فإن الهيئة العلمية للإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى تفتي بما يلي: ضرورة إغلاق أبواب المساجد سواء بالنسبة للصلوات الخمس أو صلاة الجمعة، ابتداء من هذا اليوم الاثنين 16 مارس عام 2020…”

حققت هذه الفتوى العامة غايتها في التأصيل الشرعي  لقرار عمومي كان لا بدّ من اتخاذه للوقاية من التداعيات الخطيرة للجائحة على سلامة المصلين وعامة المواطنين، وتم تقبل هذا القرار الذي شمل إغلاق حوالي 52 ألف مسجد[1] بارتياح من قبل معظم فئات الشعب المغربي والفاعلين في الحقل الديني بالنظر لغنى القواعد الصحية في الإسلام، وثراء فقهه في التعامل مع الأوبئة، وبالأخص مع شيوع قاعدة  لدى الفقهاء تؤسس على كون “صحة الأبدان  مقدمة على صحة الأديان”، ولم يشذ عن هذ القبول الشعبي للفتوى إلا القليل من  بعض أتباع التيار السلفي، كان من أبرزهم الشيخ السلفي المثير للجدل عبد الحميد أبو النعيم في الذي اعتبر في مقطع فيديو ُروج  بشكل كبير عبر منصات التواصل الاجتماعي  أنّ “البلد الذي تغلق فيه المساجد ولا تصلّى فيه الصلوات الخمس، هذا بلد ارتدّ عن دينه، وكفر بعد إيمانه وأصبح دار حرب وليس دار إسلام”.. وهذا التصريح لا يندرج ضمن حرية التعبير والنقد لفتوى فقهية عامة، بل حمل في طياته عصيانا لقرار دستوري يروم ضمان سلامة السكان كما هو منصوص عليه في الفصل 21 من دستور 2011، و قد كان بالأحرى مواجهة تصريح أبي النعيم بالحجاج الرصين من قبل مؤسسة العلماء عوض اللجوء إلى اعتقاله، وهو ما كان سيؤدي إلى إعطاء نموذج بيداغوجي راشد في التعامل مع مثل هذه الأفكار الشاذة عن فقه المقاصد، كما أن منطق القانون كان يقتضي إعمال مبدأ التناسبية لتحقيق التوازن الدقيق بين حفظ متطلبات النظام العام واستحقاقات العدالة.

في المحصلة، كان للفتوى العامة بإغلاق المساجد مؤقتا على إثر جائحة كوفيد- 19 تأثير كبير في تجنب  سيناريو فظيع لانتشار العدوى بين المواطنين المغاربة في حالة تحول المساجد لبؤر المرض، خاصة إذا ما استحضرنا أنّ عدد رواد المساجد أثناء صلاة الجمعة يصل في المغرب إلى حوالي 11 مليون مصلي.  ويكفي أن نذكر على سبيل إدراك المخاطر ما نتج عن تنظيم تجمعين دينيين لليهود المغاربة في7 و10 من شهر مارس 2020 بالدار البيضاء احتفالا بعيد ” البوريم ” من اصابة 16 حالة بالفيروس وإخضاع 300 مغربي من الأقلية اليهودية لاختبارات الكشف عن الفيروس.

كما عرف الحقل الديني الرسمي في زمن كورونا الغاء فعاليات الدروس الحسنية في شهر رمضان، وتحولت الممارسة الدينية للملك من طابعها المراسيمي إلى ممارسة شعائرية احترازية، فأحيى الملك ليلة القدر وصلّى صلاة عيد الفطر دون أي نقل تلفزي مباشر، وفي غياب لكبار مسؤولي الدولة باستثناء وزير الأوقاف ووليّ العهد وخاصة أقارب الملك من نخبة” الشُرِفا” داخل القصر الملكي.

 وقد حوت كل هذه التطورات التي رافقت تدين المغاربة في ظل الحجر الصحي ومنعتهم من ارتياد المساجد وصلاة التراويح واحياء التقاليد الرمضانية الجماعية، في جانبها المشرق إعادة الاعتبار للسلوك الروحي الفردي في حياة الإنسان المسلم، الذي يحتاج إليه لتحقيق كماله الإنساني في معترك “الحياة السائلة” بتعبير المفكر “زيجمونت باومان”.

2 – صفة الناظر الأعلى تستدعى من خارج الدستور

نتج عن قرار فرض الحجر الصحي وإغلاق معظم المحلات التجارية تداعيات اقتصادية ومالية سلبية على مجمل النشاط الاقتصادي الوطني وبالأخص في القطاع غير المنظم والحرف والأنشطة الاقتصادية الصغيرة. ولمواجهة هذه الأزمة قرّر الملك في حقل “الدولة” تأسيس صندوق مواجهة جائحة كوفيد- 19 الذي صرف دعما اجتماعيا  للمتضررين والأسر المعوزة، كما تم على صعيد الحقل الديني توظيف لقب سلطاني قديم أي “الناظر الأعلى” لتكييف التدخل الملكي في مجال الأوقاف الحبسية، فصدرت في 08 يوم  أبريل 2020 تعليمات ملكية بإعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى ما عدا للموظفين، من أداء الواجبات الكرائية طيلة مدة  الحجر الصحي. فهذا القرار من الزاوية الاقتصادية له انعكاسات إيجابية في تخفيف حدة الأزمة المالية على الآلاف التجار والحرفيين والمهنيين، لكنه من الزاوية الدستورية الصرفة يشي بصعوبة حصر وظيفة إمارة المؤمنين بشكل دستوري دقيق كما يفترض الفصل 42 من الدستور، فمثلا هذا القرار استند على صفة الناظر الأعلى للأوقاف ولم يتم تصريفه بواسطة ظهير بل ببلاغ لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، كما يمكن بناء على هذه القراءة السلطانية للدستور اصدار فتاوى وتوجيهات من خلال المجلس العلمي الأعلى تتطرق إلى الشأن السياسي، وسبق أن حصل ذلك مع الدعوة إلى التصويت بنعم على دستور 2011،و يمكن توقعه  في المستقبل السياسي، نظرا  لاستمرار الاحالة على صفات “الإمام الأعظم” و”القاضي الأول”  في المعجم السلطاني للديوان الملكي ووزارة الأوقاف والإعلام الرسمي.

 3-مؤسسة العلماء والفقه المستجد،

لم تكن مؤسسة المجلس العلمي الأعلى في مستوى التفاعل الحيوي مع ما خلفته الجائحة من وقائع مستجدة وأسئلة متناسلة تتعلق بالحياة الدينية للمغاربة، فكان البطء باديا في تعامل المجلس العلمي في هذا المجال الفقهي المستجد وفي الأداء الإعلامي والتعبئة لسياسة الحجر الصحي الذي تحول نجاحه إلى تحدي يؤرق جميع مكونات وقوى الوطن. فالسلك العلمائي الرسمي أنِس العمل التقليدي في إلقاء الدروس والمواعظ والمحاضرات، ولم يحترف بعد التواصل الحديث عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما أن تبعيته المطلقة للسلطة السياسية زرعت فيه رقابة ذاتية أضحت عائقا له عن التواصل مع الجمهور، هذا، مع تسجيل استثناءات نادرة لشخصيات لها تحرر نسبي اتجاه سياسة الرقابة من أمثال العالم مصطفى بنحمزة، ولعلّ خلفيته الجامعية ومعايشته الطويلة للمجتمع المدني كوّنت لديه دراية واسعة بمجال الإعلام والتواصل ومخاطبة النخب والناس عامة. كما يسهم معطى شيخوخة معدل سن أعضاء المجلس العلمي الأعلى وانغلاقه الكبير على متون الفقه المالكي في إضعاف تواصله مع جمهور شاب متطلع للبحث والمعرفة الدينية في ظل سيادة عولمة فكرية ووجود هيئات علمائية نشيطة في إصدار البحوث الشرعية والفتاوى الفقهية مثل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لذا كانت أزمة كورونا فرصة سانحة لمؤسسات العلماء في المغرب لسلوك مسار الاجتهاد الفقهي تجاه إشكالات شرعية ناتجة عن حالة الوباء سواء فيما يتعلق بالزكاة وتغسيل موتى مرض كوفيد- 19 وغيرها من القضايا المستجدة  التي عجّت بها تساؤلات الناس في العالم السيبراني، لكنها لم تكن في الجاهزية التامة لذلك، واكتفت بإعمال سياسة رفع الحرج ليس إلا . ومن ثم اكتفى المجلس العلمي الأعلى على إصدار أربع فتاوى في مواجهة النازلة الفيروسية، إسهاما متواضعا منه لمواكبة النقاشات الواسعة في وسائط التواصل الاجتماعي حول “فقهيات زمن كورونا” وتطرقت هذه الفتاوى الأربع للقضايا التالية:

                   – فتوى جواز إقامة صلاة التراويح في البيوت، الصادرة بتاريخ 21 أبريل 2020

فتوى بجواز دفن موتى كورونا بدون غسل، الصادرة بتاريخ 25   أبريل 2020

فتوى بجواز إخراج زكاة الفطر نقدا، الصادرة بتاريخ 18 ماي 2020

فتوى إقامة صلاة العيد في المنازل والبيوت الصادرة بتاريخ 20 ماي 2020

ويظهر التأخر الكبير للمجلس العلمي الأعلى وهيئة الإفتاء التابعة له عن التفاعل الفقهي مع الاشكالات الشرعية التي نتجت عن الجائحة، في إصداره لفتوى جواز دفن موتى مرض فيروس كورونا بدون غسل بعد أزيد من شهر ونصف من إعلان وزارة الصحة عن أول حالة وفاة بالمغرب بتاريخ 10 مارس 2020، وهذا يعد إخلالا بالواجب المؤسساتي، كما أنه تأخر مخالف لضوابط الفقهاء أنفسهم المنصوص عليها في القاعدتين ” تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز” و ” المناسبة شرط”.

وإذا كان العلامة ابن قيم الجوزية تحدث على العلماء أهل الفتوى بأنهم بمثابة “الموقعين عن ربّ العالمين” فإن المجلس الأوربي للعلماء المغاربة كان موقعا بامتياز عن الدولة المغربية في مقاربتها الرافضة لفتح المساجد بشكل جزئي  واحترازي في زمن الوباء، إذ كان هذا التصور حاضرا في تفاعله مع النقاش الرائج في أوربا حول مسألة فتح المساجد، وختم بيانه حول القضية المُحَرّر بلغة مزجت فقه الشرع بفقه الواقع  بخلاصة ” أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والوقاية خير من العلاج، وفي الرخصة الشرعية سعة، وفي انتظار الفرج مخرج، وفي التواضع رفعة، وفي الأناة بركة، وما نحن في أوروبا بأكثر علما و صلاحا وورعا، أو أكثر حرصا على الجمعة والجماعة من العلماء الأجلاء في المجالس العلمية، والمجامع الفقهية، والمؤسسات الافتائية، وملايين المسلمين عبر العالم ، الذين رضوا برخصة الله، وتفرغوا لأعمالهم ووظائفهم، وتجنبوا كل المخاطرات والمجادلات، في انتظار عودة آمنة مطمئنة إلى المساجد، وعسى أن يكون ذلك قريبا، وما ذلك على الله بعزيز.”

وبعيدا عن مثالية الفتوى في بنيتها الدلالية، فقد عبرت في سياقها السياسي عن أوجه الخلاف والصراع بين النظامين المغربي والجزائري في السيطرة على تمثيلية المسلمين في فرنسا، إذ جاء هذا البيان بعد إعلان المسجد الكبير بباريس التابع للمؤسسة الدينية الرسمية بالجزائر عن فتح أبوابه أمام المصلين تفاعلا مع قرار مجلس الدولة الفرنسي في 18 ماي2020 الذي قضى بفتح دور العبادة معتبرا استمرار اغلاقها “يشكل مساسا خطيرا وغير قانوني بحرية العبادة، مع إلزام المسؤولين الدينيين بفرض القواعد الصحية الوقائية من الوباء”.

4 – الدعوة إلى تنظيم الزكاة وأفق الاجتهاد،

صرّح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في اجتماعه مع لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج بمجلس النواب يوم الخميس 28 ماي 2020 أن الملك “أمر بإعداد جميع الوثائق والتصورات المتعلقة بالزكاة ودليل خاص بها، وهي وثائق موجودة”، مشددا على أن الملك باعتباره أميرا للمؤمنين “سيقرر في تنظيمها بالكيفية التي يراها مناسبة للشرع والاجتهاد” وخضع هذا التصريح الذي جاء في سياق عادي ضمن أشغال اللجنة البرلمانية لتهويل إعلامي وكأن الأمر يتعلق بقرار تنفيذي ، بينما هو على حقيقته مجرد فكرة قيد التدارس في الدائرة الضيقة لمؤسسة إمارة المؤمنين، وستتحكم في إنفاذها حيثيات سياسية واقتصادية معقدة  يعمل النظام المغربي دوما على  صون توازناتها منذ محادثات “إكس ليبان” مع فرنسا الاستعمارية سنة1955، كما أن الدعوة لتنظيم الزكاة ليس بجديدة في المغرب فقد سبق للملك الحسن الثاني أن دعا إلى إحداث صندوق الزكاة سنة 1979، وبقي هذا الصندوق  طيلة الأربعين سنة في كل القوانين المالية التي تشير إليه ضمن لائحة الحسابات الخصوصية رغم عدم وجود أي درهم فيه.

يمنح السياق الاستثنائي لأزمة كورونا زخما معنويا لإنجاح تجربة صندوق الزكاة في المغرب، إذا ما توفرت شروط تأسيسية تتمثل في: توفر الإرادة السياسية، الثقة في الدولة، استقلالية الصندوق عن الدولة(نظام الوكالة المستقلة)، شفافية التدبير والمراقبة، وجعل أوجه صرفه مرتبطة وجوبا بالمشاريع الاجتماعية والاقتصادية والعلمية الاستثمارية المستهدفة لإخراج أصناف مستحقيها شرعا من دائرة الفقر إلى دائرة الغنى المساهمة في تنمية البلاد، وتوجد تجارب دولية رائدة في هذا المجال من بينها تجربة صندوق” بيت الزكاة الكويتي”، كما يحتاج مسار نجاح الصندوق بالإضافة إلى توفر السياق السياسي الراشد إلى اجتهاد شرعي جماعي لمؤسسة العلماء رفقة رجال القانون والاقتصاديين لصوغ أجوبة قاصدة عن علاقة فريضة الزكاة بمنظومة الضرائب الحديثة لتحقيق الغايات الشرعية والتنموية المرجوة من أداء ركن الزكاة.

5-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في امتحان الأزمة.

تسود وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عقلية استثنائية تعرقل اندماجها في منطق الدولة الحديثة، ويتجلى ذلك في صور متعددة منها: حرمان الموظفين من حق العمل النقابي، طغيان الهاجس الأمني في تعاملها مع قضايا الشأن الديني، تقليدانية خطابها الديني، ثم تلبسها الكبير بداء “البيروقراطية” بالمعنى السياسي وليس الفيبري للكلمة، وهذا الداء يظهر جليّا في مجمل تدبيرها للشأن الديني عامة، وفي مضامين الخطاب التواصلي لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية مع البرلمان والإعلام، وفي هذا السياق ندرك لماذا تأخر الوزير في اطلاع الرأي العام على مخطط وزارته اتجاه الأزمة، كما أن اجتماعه مع لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج بمجلس النواب يوم الخميس28 ماي 2020 لم يتضمن أي عرض لخطة الوزارة لاستئناف أنشطتها بعد رفع الحجر الصحي  وفق الشروط الاحترازية، مع العلم  أنها  تشرف على مجالات لها أهمية معنوية  في ميزان التربية والقيم، وتهمّ بشكل مباشر فئات واسعة من المغاربة كالتعليم العتيق(300 مؤسسة) والكتاتيب القرآنية( 14 ألف كُتّاب)، ومجموعات محو الأمية في المساجد (7077 مجموعة) وجامعة القرويين ومعاهد العلوم الشرعية وغيرها من المؤسسات الدينية.

 وبخصوص قضية فتح المساجد قال الوزير في عرضه أمام اللجنة البرلمانية بمجلس النواب بأنه “لا يمكن فتحها بكيفية خاصة من خلال تحديد عدد المصلين أو تصور كيفية أخرى لذلك، وأردف بأن قرار فتحها بشكل عادي أمام المصلين لن تتخذه وزارته بل سيُتخذ من السلطات الإدارية والصحية المختصة ” فمن خلال هذا التصريح الوزاري الذي يبدو واقعيا في طرحه، لاستحالة فتح المساجد جزئيا وفق الضوابط الوقائية نظرا لمعطيات واقعية تتجاوز قدرات الوزارة (كثرة أعداد المساجد والمصلين، الكلفة المالية الباهظة للوجستيك الوقائي) نستشف أن الوزارة لا تدرج في توقعاتها معطى استمرار خطر الجائحة لمدة أطول، مع يستلزمه ذلك من استئناف الحياة وفق الضوابط الوقائية، ومنها الحياة الدينية العامة ، لذا تشكل هذه الظرفية فرصة للوزارة لاجتراح رؤية مستقبلية ناظمة لمختلف أنشطتها في الظروف الاستثنائية ، ومنها انجاح ورش التعليم العتيق عن بعد، والتفكير في الفتح الذكي للمساجد وفق خطة احترازية محكمة لكي تسهم في التعبئة الروحية والأخلاقية والفكرية لاحتواء التحديات الراهنة والمستقبلية في عالم “القرية الكونية” بتعبير المفكر”مارشال ماكلوهان”.

على سبيل الختم، تدعو أزمة كورونا بما حملته من دروس بليغة، المؤسسة الدينية المغربية إلى الاعتبار من امتحانها الكبير، بما يستلزمه ذلك من حسن استيعاب التحديات الجديدة المطروحة في مجال التدين والقيم الأخلاقية والفكر الإسلامي، وذلك عبر تهييئ شروط استئناف الاجتهاد الفقهي الجماعي، وكذا الانخراط في ورش التربية الروحية لتهذيب الإنسان ووقايته من أمراض القلوب المعنوية، وهذا الورش التربوي الكبير يتطلب من المؤسسة الدينية  التعاون والتكامل مع كل الفاعلين في مجال التربية والدعوة والتعليم من علماء وحركة إسلامية ورجال التربية وأهل الفكر ضمن سياق ديمقراطي يؤمن باستقلالية الشأن الديني عن السلطة السياسية.

* بتصرف من مساهمة الباحث في المؤلف الجماعي” جائحة كورونا والمجتمع المغربي، فعالية التدخلات وسؤال المآلات، تنسيق د.ميلود الرحالي، منشورات المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، يونيو 2020.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق