المقالات

اللغة لسان العالم:بحث في العلاقات البشرية(عبد العزيز بومسهولي)_1_

في اللغة والعلاقة:

ثمة مفارقة تكشف عنها القضية التالية: “في أساس كل لغة ثمة علاقة ما، غير أن العلاقة عينها ليست ممكنة إلا في اللغة وباللغة أيضا”. هذه القضية ليست قضية اللغة، ولا هي قضية العلاقة وحسب، بل هي قضية الوجود المشارك للغة وللعلاقة. في صميم كل لغة ثمة علاقات متعددة أبرزها، هي هذه العلاقة التي تربط بين كائنات تتكلم أو تتبادل أدوار الكلام. وفي قلب كل علاقة تتعين أطراف تتقاسم الوجود عينه. وفيهما معا أي اللغة والعلاقة ثمة متواليات حدوث لأفعال كلامية في الفضاء الزماني للوجود البيذاتي المشترك. هذا الأمر يفصح عن ارتباط اللغة بالعلاقة من خلال الحدث، ومن خلال كائن من أجل الكلام. ولهذا بإمكاننا أن نختزل اللغة والعلاقة في بعضهما البعض، فنقول “إن اللغة علاقة أو هما الشيء عينه”؛ فإذا قلنا بأن “كل لغة هي علاقة”، فإنه بإمكاننا أن نقول بالمقابل بأن “كل علاقة – نعيها بوصفها كذلك- هي لغة أيضا”؛ وذلك لأن” العلاقة ليست ممكنة إلا باللغة”، ولأن” اللغة ليست ممكنة إلا في علاقة”؛ إذ يتعذر أن نتحدث عن علاقة خارج دائرة اللغة، وذلك لأن كل علاقة إنما تفصح عن ذاتها من خلال الكلام. وحتى العلاقات القائمة بين الأشياء اللا-لغوية، فهي ليست علاقات إلا لأننا نعبر عنها نحن بوصفنا كائنات من أجل اللغة، لأننا نحن من يحددها بوعينا اللغوي باعتبارها علاقة، ولهذا فهي دوما بالنسبة لنا  تندرج ضمن مشار إليه بكيفية مكنية أو صريحة في اللغة؛ ومعناه أننا لا نعتبر شيئا داخلا في علاقة إلا إذا كان هذا الشيء مشارا إليه، وكل مشار إليه فهو “متعين” في علاقة مع شيء ما، قد تعين هو الآخر بالإشارة، سواء كانت هذهالإشارة مضمرة أو بارزة، أو كان ذلك الشيء مطويا أو ناتئا في بنية “العلامة”. إن العلامة وهي تعبير أدق عن اللغة، منظورا إليها، من حيث هي أولا وقبل كل شيء علاقة بامتياز. لذلك يمكننا أن نستند إلى ما طرحه هيدغرHeidegger في الفقرة 17 من الفصل الثالث لكتابه الرئيس “الكينونة والزمان” لدعم تحليلنا لقضية اللغة والعلاقة، من خلالما يسميه هيدغر بكينونة العلامة التي”يمكن أن تصاغ على نحو صوري في نوع كلي من الإضافة، بحيث إن بنية العلامة ذاتها قد توفر خيطا أنطولوجيا من أجل تخصيص كل كائن بعامة”. إذ تشكل العلامة من خلال الإشارة بوصفها إحالة، معالم طريق تكشف ظاهرة العالم، وهكذا فإن” كل إحالة هي علاقة، ولكن ليس كل علاقة إحالة، وإن كل إشارة إحالة، ولكن ليس كل فعل إحالة هو إشارة. في ذلك يكمن في الوقت عينه: أن كل إشارة هي علاقة، ولكن ليس كل فعل علاقة هو فعل إشارة. بذلك يظهر الطابع الصوري- الكلي للعلاقة إلى النور. إن البحث في ظواهر الإحالة والعلامة أو حتى الدلالة لا يظفر بأي شيء متى ما خصصها بوصفها إضافة، بل ينبغي في النهاية أن يبين أن “العلاقة” ذاتها بسبب طابعها الصوري- الكلي إنما تملك أصلها الأنطولوجي في إحالة ما”.ومعنى ذلك أن العلامة تتوجه بالخطاب إلى كينونة –في- العالم مكانية على نحو مخصوص، ولذلك فهي توجه متبصر ضمن العالم المحيط، وهي تكشف في الوقت عينه عن “البنية الأنطولوجية للكينونة تحت اليد، وجملة الإحالة والعالمية”. بعبارة أدق، فإن اللغة تقود باعتبارها راعيا للوجود، إلى الكينونة بالمعية في العالم، أي أنها تؤسس في صلب بنيتها العلائقية، لكل العلاقات البشرية التي تؤسس العالم، سواء كانت هذه العلاقات بين الأشخاص الماديين، أو كانت بين الأشخاص المعنويين الخاصين والعامين.  أي لكل ما ينكشف كظاهرة للعالم. وهذا يكشف في الآن ذاته، أن كل مفارقة في اللغة إنما تحيل إلى علاقات روابط وإحالات وكينونة تحت اليد وكينونة في العالم، وأن كل مفارقة في العلاقة إنما تحيل إلى اللغة، إلى هذا النسيج أو الشكل الكلي الذي يحوي في جوفه العالم برمته.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق