المقالات

اللغة لسان العالم:بحث في العلاقات البشرية(عبد العزيز بومسهولي)_3_

إن العلاقة باللغة ليست صورية وحسب، بل إنها أيضا علاقة حدوث متجدد للكينونة في العالم، فلا تاريخ يبدأ، ولا شعب يقدرعلى المصير، ولا وطن يولد، ولا علاقة تنشأ بين الأوطان والشعوب من غير لغة. و لأن ” قدر اللغة ببساطة، يتجذر في علاقة أية أمة من الأمم مع الوجود، فإن سؤال الوجود سوف يجعلنا ننغمس ونغوص بعمق في سؤال اللغة”. إن “البينية”وليس “البينونة” كعملية حدوث تنشأ بين الكائنات الإنسانية، بوصفها علاقة غيرية بامتياز هي صناعة للغة، وذلك لأن القاعدة البينية تمليها اللغة، ولذلك تكمن في البنية الأنطولوجية للكلام، الذي يحدد شكل الوجود الخارجي، أي يحدد طبيعة العلاقات الجارية فيه باعتباره عالم البينية، أي عالم الانتشار وفق ما يقتضيه اللوغوس بوصفه “لغة”بما هي عقل العالم، أو بوصفه”عقلا” بما هو لغة الكينونة. هذا إذ فهمنا اللوغوس أيضا من حيث كونه “قانونا” لكل شيء، ليس باعتباره منظما للعلاقات فقط، بل باعتباره علة كل علاقة، أي أساس كل أساس.

1_ اللغة قانون العالم، لوغوس علاقات القوى.

أين يكمن أساس كل ما نعيشه في العالم، من أحداث وتحولات ترافق الأحداث، ومن توترات أوتفاهمات  بين الدول، ومن تكتلات جيو- سياسية، أو انهيارات لاتحادات، وإلى غير ذلك من أشكال الحدوث المتوالية في مجرى التاريخ؟ هو ذا سؤالنا الجوهري، مادام هدفنا ليس هو التساؤل عن الوقائع بما هي وقائع موضوعية للتاريخ، بل هو التساؤل عن أساس هذه الوقائع بوصفها تعبيرا عن علاقات “غيرية” – “بيإنسانية”humainInter- بالمعنى الدقيق للكلمة. إن أساس المجرى التاريخي للحدوث، كمجرى دائم لعلاقات القوى، إنما ينبع من علاقات الانتماء المشترك ما بين الوجود و اللوغوس λσγος. غير أن كلمة لوغوس تعني الوجود أيضا، كما تعني اللغة والعقل والقانون أيضا. إنه “منذ القدم، ثم تأويل لوغوس هيرقليطس Héraclite بكيفيتين مختلفتين: بوصفه “ratio”، وبوصفه” verbum”، كقانون للعالم، وك”منطق”وضرورة للفكر، كمعنى، وكعقل”. أي أن معنى اللوغوس يتراوح  بين  معان تدل على العقل، وبين معان تدل على القول، لذلك يقرأ لفظ اللوغوس بمعان متعددة، فهو يعني العقل والعلة، كما يعني الحساب. أي ” الحساب الذي يسوي شيئا ما على قاعدة شيء آخر، وهذه “التسوية” هي ما نسميه عامة الرابط الذي يربط شيئا ما بآخر، أو العلاقة؛ أي أن لوغوس قد تكون مرادفا للكلمة اللاتينية relatio؛ علاقة، رابط…كما يدل لوغوس على البيان والكلام”. ويحق لنا أن نتساءل عن العلاقة الرابطة مابين كلمة اللغة في اللسان العربي، وبين كلمة لوغوساليونانية. وقد ذهب بعض الباحثين إلى تبني فرضية مفادها، أن كلمة لغة العربية ترجع إلى الأصل اليوناني لوغوس، وندرج في هذا الصدد رأي فقيه اللغة حسن ظاظا التالي: ” والغريب أن لفظة ( لغة ) لم ترد مستعملة في كلام عربي يعتد به، وإنما كانت العرب تسمي مجرد الضوضاء التي لا طائل من ورائها لغوا، وجاء من ذلك الفعل ألغى يلغي، بمعنى أبطل؛ أي: اعتبر ذلك لغوا؛ ولذلك فقد اختلف في اشتقاقها، وحار بعض الأعراب في جمعها، يقول ابن منظور بعد أن ذكر في تعريفها ما ذكره صاحب القاموس، ” وهي فعلة، من لغوت- أي تكلمت، أصلها لغوة، ككرة، وقلة، وثبة، وكلها لامات وواوات؛ وقيل أصلها لغي أو لغو، والهاء عوض…” والعرب الخلص لم يكونوا يستعملون كلمة لغة في لسانهم، وإنما كانوا كغيرهم من الأمم السامية، بل كأكثر أمم الدنيا، يستعملون كلمة لسان للدلالة على اللغة… وإننا ونحن لا نجد شاهدا واحدا على استعمال العرب لكلمة اللغة بهذا المعنى العلمي الذي نعنيه، ونظرا لما بدا من اضطراب اللغويين في اشتقاقها، وتردد الأعرابي في ضبط جمعها- لنميل إلى القول بأنها من أصل يوناني، هو كلمة “لوغوس”، التي معناها الأصلي “كلمة” أو “كلام”. وذكر المختصون من استعمالاتها في اليونانية الوحي، والحكم، أو الحكمة، أو المثل، أو المثال، أو القصة، أو المقالة، أو القضية المنطقية، أو التعريف، أو التفكير…الخ. وكل هذا كما نرى يحوم حول التعبير اللفظي عن الفكر”. وإذا صح هذا الافتراض، وكان لفظ اللغة في اللسان العربي، مشتق من لوغوس، كما اشتقت كلمة قانـون من كلمة Kanunاليونانية، وكلمة ناموس من Namus، وبعض الكلمات التي تنتهي بالـجــــذر ( وس) كقاموس وجاسوس، وغيرهما؛ فإن معنى أن تغيرا جذريا طرأ في اللسان العربي، ومعناه أن دلالة لغة ليست مرتبطة إلا جناسا، وليس اشتقاقا، بكلمة لغي ولغو الذي لا يدل على القول أو الكلام، بقدر ما يدل على انعدام معناه، وبطلانه، وارتباطها اللوغوس، إنما يعني ارتباطها بالوجود والتاريخ والانكشاف، وهكذا بمجرد ما غدت اللغة مطابقة للسان العربي من حيث هو المرشد للكلام، فإنها فتحت أفقا جديدا لعلاقة اللسان العربي، بالعقل والكلام، بالحساب والقانون، بالحكاية والمصير، بالوجود والعلة، بالشعر والإقامة، بالأرض والعالم، بالطي وإعادة الانتشار، بذاتها عينها وبالآخر. مع ظهور مفهوم اللغة بهذه الدلالة، انفتح أفق للتاريخ تأسست معه وفيه مبادئ كل العلوم اللاهوتية والدنيوية، علوم الكلام واللسان، العلوم المحضة وعلوم الفكر والمنطق. هذا التحول في بنية اللغة نفسها، لم يكن ليحدث، لولا العلاقة مع الغير، إنه يكشف عن أساس لا يكمن في شيء آخر،  بقدر ما يكمن في اللغة عينها، حاضنة لكل علاقة ممكنة. إن اللغة ك “لوغوس” بهذا المعنى يحكم العالم، ليس بالمعنى الهيلجي كعقل يتقدم في التاريخ ليبلغ منتهاه الكلي، وغايته الأخيرة كاكتمال للعقل والتاريخ المطلق، ولكن بالمعنى الذي تدل فيه اللغة على سلطة تكشف عن علاقات قوىمتصارعة تولد التاريخ. وذلك لأن السلطة كما يعتبرها ميشيل فوكو “M. Foucault”،”هي علاقة قوى، أو أن كل علاقات قوى هي، على الأصح، علاقة سلطة”.

وتبعا لتأويل دولوز G. Deleuze فإن “السلطة ليست شكلا كالدولة، ولا علاقة بين شكلين كالمعرفة، وأن القوة ليست على الإطلاق، قوة مفردة، بل من سماتها الجوهرية أنها ترتبط بقوى أخرى، وإن كانت كل قوة هي أصلا علاقة، أي سلطة: ليس للقوة أي موضوع آخر، أو ذات أخرى، سوى القوة”. وإذا كانت السلطة لا ترى ولا تتكلم، وتمارس نفسها كسلطة في الخفاء، انطلاقا من نقط لا حصر لها، فإنها تسمح بالرؤية وتبعث على الكلام، وذلك ” لأن الرؤية والكلام تحكمهما معا، وبكيفية كلية علاقات السلطة، والتي هي علاقات يستلزمانها ويكرسانها في الفعل”. وفق هذا المنظور، ليست اللغة مجرد لسان للتواصل، بل هي الحقل الذي تتمفصل فيه السلطة والقوة، وتنبني فيه استرتيجيات الخطاب ونظام المعرفة. يسعفنا هذا التحليل في الكشف عن مفهوم اللغة أو اللوغوس، بوصفه مفهوما علائقيا، تنتظم داخله علاقات قوى، تحيل إلى معان متعددة، لكن كل معنى إنما يعبر عن سلطة تجعل معرفة ما، أو فعلا ما ممكنين. ومعناه أن اللغة أو اللوغوس هي عقل، منطق،  حساب، علة، خطاب، قول، كلام، حكاية، وقانون. بالمعنى الذي تعبر فيه كل هذه المدلولات عن علاقات قوى تتجلى من خلال سلطة اللغة أو اللوغوس.وبهذا المعنى فليست الكائنات وحدها هي الخاضعة لسلطة اللغة، بل حتى الكلام نفسه، وبهذا المعنى أيضا فهي قانون العالم، ولهذا أيضا فاللغة أو اللوغوس لا تسمح لنا بالكلام فقط، وإنما تجبرنا على التكلم، وتجبر الكلام على الاستجابة لإرادة التكلم، كونها ليست سلطة في بنية وعينا وحسب، بل إنهاأيضا سلطة تبنين لاوعينا، أي ” أن الذات تنغرس منذ البدء في نظام قائم بشكل مسبق، وذي طبيعة رمزية وهو اللغة والكلام. إن النظام الرمزي يبين أن بنية اللاوعي مبنية كونها لغة، وهكذا فالكلام وقانونه هو الحكم بين الذات والآخر، وهو الذي يجعل العلاقة الإنسانية ممكنة ويمنعها من التدهور إلى الاقتتال”. وهذا معناه أن الذات التي تتكلم، وبنية وعي ولاوعي هذه الذات هي جميعا مفعول للغة، فاللغة لا تتحدث بنفسها، وإنما تتحدث بنا ومن خلالنا، ولذلك هي سلطة السلط، ومنشأ علاقات القوى التي تقود إلى تشكيل العالم بوصفه صناعة للغة.

إن اللغة بما هي  لوغوس، هي  قانون للكلام يجبرنا ضمنيا أو صراحة، وعيا وبلا وعي، على التكلم وفق قاعدة اللغة بما هي لغة، أي وفق نحوها الكامن في أساس بنيتها. ومعناه أن الكائن الإنساني هو كائن من أجل الكلام؛ وليس الكلام إلا نظاما يخضع لقانون بكيفية واعية أو غير واعية، وسواء كانت هذه اللغة أو تلك معيارية أو وصفية، ففي كل الحالتين معا ثمة نسق للتكلم، بكيفيتين مختلفتين، خصوصية عالمة، أو عامية دارجة، ولكنهما معا مبنينتين structuré. وبهذا المعنى تكون اللغة هي اللوغوس عينه، ويكون اللوغوس هو قانون العالم الذي يشرع لقواعد التخاطب اللامرئية في اللغة، كما يشرع لكل القواعد المرئية والتي نحتكم لها في علاقاتنا. إن منشأ القانون هو اللغة بما هي قانون للكلام وللعالم الذي يؤسسه اللوغوس. نجد هذا الطرح الهام  عند عالم التحليل النفسيمصطفى صفوان الذي يؤكد بأن ” الكلام يوحدنا بواسطة القوانين التي يخضع لها الكلام هو ذاته، أو على وجه الدقة، القوانين التي تتيح وحدها، تكوين الذات بما هي الكائن المتكلم.”وبناء على ذلك يكون الكلام بديلا للعنف في كل علاقة إنسانية ممكنة، فلا يمكن للإنسان أن يتكلم ويقتل في الآن عينه، لما يفترضه الكلام من الصفات، كما لا يمكن للإنسان الكلام والإفلات من مرجعية الحقيقة التي يجبره عليها الكلام، حتى ولو كان كاذبا؛ وبالنتيجة لا يمكن للمرء أن يطلب ويمنع اختزاله إلى موضوع معين، ومرتهن لنزوات الآخر، إذا لم يكن مطلوبا منه الوفاء بالوعد.

إذن، تتأسس في كل علاقة يتوسطها الكلام، الحياة المشتركة بين الأفراد، والجماعات، والمجتمعات، والشعوب، ولذلك فقانون الشعوب، والقوانين المنظمة للعلاقات بين هذه الشعوب، ليست ناتجة عن قانون الكلام. أما العلاقة التي ينعدم فيها الكلام، فهي ليست علاقة صمت، لأن الصمت بما هو إصغاء لنداء الوجود، ينتسب لحكمة الكلام، وإنما هي علاقة خرساء، تفتقد من جهة لحكمتي الإصغاء والكلام، وما ينتج عنها ليس سوى العنف المفضي للعدم. يقول مصطفى صفوان: ” لا يوجد بين شخصين سوى الكلام أو الموت، التحية أو الضرب بالحجر”.إنها معادلة صارخة، كما يستنتج،مصطفى حجازي، لأنها “تدل على واقعنا، فإما قول وفكر وامتلاك الحقيقة الذاتية، ومن خلالها حق الوجود والنماء، وإلا فإنه الموت وغريزته التي تفجر مختلف أشكال العنف التي تقضي على إنسانية الإنسان، كما أنها تتضمن تعبيرا كاشفا في فهم جدلية الوجود الإنساني وتفاعلات البشر. فإما حوار تحث مظلة نظام الكلام الرمزي، واعتراف متبادل بين ذاتيتين، وإلا فهو العنف الذي يتكاثر راهنا على مدى الساحة العالمية، وما يجري من تنكر لإنسانية الآخر، وصولا إلى هدره وقهره واستغلاله، وحتى إبادته”. كما تتضمن معادلة الكلام أو الموت رسالة سياسية بين الذوات، بين الحاكم والمحكوم، كما بين الشعوب، وهي رسالة تقول “إن قانون الكلام، هو المؤسس للكلام، والملزم للطرفين والناظم للعلاقات بينهما. وهو  قانونسابق على الوعي الفردي، والقوانين الوضعية التي يسنها البشر، وهو الذي يجعل المجتمع ممكنا، إذ يحكم علاقة الإنسان مع ذاته ومع الآخرين، كما يحكم المجتمع، إذ يكون “الجميع متساوين، وهو تحديدا قانون حصانة الآخر ومنع قتله والاعتداء عليه، وقانون منع الكذب وتثبيت مصداقية الكلام والالتزام به، والتي من دونها ينهار الرباط الإنساني”.

إن من شأن قانون حظر القتل، الذي قد يتولد الاعتداء عليه مشاعر الندم والذنب، أن ” يلزمنا بإفساح مجال للكلام أو للعقل، إذا كنا نفضل، وذلك قبل إطلاق العنان للعنف الذي قد لا يعرف حدودا، من دون إفساح مثل هذا المجال… وهذا يمكن للمرء أن يسميه قانون الكلام، بمعنى أنه قانون يضمن مكانه في العلاقات الإنسانية، من دون أن يكون وليد الكلام”. أي حتى بالنسبة البدائية أو التي لم يتم فيها بعد صياغة هذا الحظر، أو بمعنى آخر، لا يشكل هذا الحظر جزءا من الذهن الواعي.كما أن من شأن قانون منع الكذب تثبيت وتوكيد مصداقية الكلام والالتزام به.  كما أن الدفاع عن قوانين عدم رغبة ما يملكه الجار، من شأنه أن يصون حرمة الكلام؛إذ “لا يمكن قيام أي مجتمع، أو أي استمرارية، عندما تفقد الكلمات مبدئيا كل قوة الإلزام التي تتمتع بها، أو عندما لا يعود أحد يعول عليها. يصبح كل من المجتمع والاستمرارية ممكنان، لأن للكلمات قيمة، بحيث يعني قول أي شيء قولا يعتقد المرء أنه حقيقي”.إذن، إن قانون الكلام من خلال هذا المنظور هو الحد الناظم للعلاقات ما بين الأفراد والمجتمعات، إذ يعمل على ضبطها وإدخالها في النظام الرمزي الذي يميز الشرط الإنساني ويجعله ممكنا. ويرجع مصطفى صفوان مفهوم السيادة عينها إلى قانون يتمتع بثقة كونية، وهي “سيادة تتمثل في الخاصية الحاسمة لكل سيادة، أي خاصية سن القانون وخرقه”.

إن المسألة تتعلق بما يضمن مصداقية الكلام، أي العهود المبرمة بين الأطراف، والتي من شان خرقها، أن لا ينتج عنها سوى الخراب، ومعناه أن كل نقض للكلام، يعد بمثابة تقويض لكل علاقة، ومعناه، أنه لن يكون هناك سوى إخضاع لسلطة طائشة، أو حروب لن تنتهي إلا بالرجوع إلى تسوية على أرضية النظام الرمزي للكلام.هذا الأمر ينطبق على كثير من النزاعات التي تشهدها العلاقات الدولية، والتي لم يستطع حسمها اللجوء إلى القوة المفرطة، خاصة إذا كانت القوى المتصارعة يستند كل منها إلى تحالفات وتقاطبات يغذيها الحفاظ على المصالح. في حالة كهذه، لا تسوية غير تسوية الكلام، من خلال الجلوس لطاولة المفاوضات، بما يعنيه ذلك من إنصات لحكمة العقل، والخضوع لقواعد الاعتراف المتبادل، حفظا للمصالح المشتركة، وترسيخا للسلام الدائم.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق