المقالات

القانون الدولي كإرادة خاصة (يونس الخمليشي)

تلفت اللسانيات النسبية Relative Linguistics نظرنَا في ماهية اللغة إلى أنها روحٌ خاصةٌ، فينومينولوجيا مقيِّدةٌ جداً بتراكيبها الإعرابية أو التأليفية أو الشجرية، وبدلالاتها الوضعية والبراغماتية. وهذا كله ينزع عنها أي صفةٍ للكونية على مَنْحَيَيْ التركيب والدلالة. فكل دلالة في أي لغة هي تعبير عن رؤية خاصة إلى العالم تعكس قيم متحدث هذه اللغة، وكل تركيب هو تعبير آخر عن السلوك الذي يسلكه أفراد هذه اللغة سواء أكان سلوكاً اجتماعياً أو دينياً.

إذا استعرنا هذا المتنَ اللساني، وإذا نقلناه من مضامينه الأنثروبولوجية ومظانه اللسانية، إلى تطبيقاته القانونية صوب اللسانيات النسبية القانونية؛ فإن هذا سيقودنا في خط مستقيم إلى التشكيك ليس في كونية البنود الدستورية العامة وحسب؛ وإنما حتى في الشعارات القانونية العامة جداً والتي يُفتَرض فيها توحيد الشعوب بمختلِف إثنياتها وطوائفها وجماهيرها.

لنأخذ مثالاً واحداً من هذه الشعارات الدستورية الكونية، فلنفترض أن لدينا أسمى تعبير قانوني يمكن أن تتفق عليه الفطَرُ البشرية وهو تعبير: “كل الناس متساوون في الحقوق والواجبات” All people are equal in rights and duties ولنتخذ هذه العبارة بَنداً دستورياً وشعاراً في المحاكم لإظهار الجِدّةِ في تطبيقها.

ليست هذه العبارة القانونيةُ أخلاقيةً، فالتشوُّف الكوني قلقٌ يراود القانونيين ومقصد يرومونه في كل شعار دستوري لتحقيق المساواة بين الجميع. أراد المشَرِّع القانوني الانفكاك عن الأخلاقي الذي هو نسبي عام ومتضايف مع الديني الذي يتغير بتغير القطاعات الجغرافية والثقافية، ليضمن الكونية لتشريعاته القانونية بهذا التجريد.

يقدم القانون الحديث المُدَسْتَرُ في مدوناته ذاتَه على أنه كيان منفصلٌ عن الأخلاقي. إنه إرادةٌ تحقق “ما هو كائن”، وتحيل إليه “ما ينبغي أن يكون” والذي يفسَّر طيَّ “ما هو كائن”. فالقيم تشتق من تنفيذ القانون وفق وضعيته المتاحة، والأخلاقي فرع القانوني، فالقيم فرع الحقيقة. وفي الآن نفسه؛ يُعاب على الشريعة الإسلامية خلطها بين القانوني والأخلاقي في مظانها المختلفة. وهذا القانون الحديث يجابِه عَرْقلتين تقليديتين تبَطِّئ صيرورته وهما:

١-عرقلة تأويلية، وتكمن في عُسْرَة تأويل النص القانوني بما يحقق تفسير الأحداث الاجتماعية والسياسية بالشأو الذي يتوافق وغايةَ الدستور وروَحه. وهذا الميدانُ يكابده الفقهاء القانونيون.

٢-عرقلة تطبيقية، وتكمن في عُسرة تطبيق المِسطرة أو النص القانوني بما يحقق تقييم الأحداث الاجتماعية والسياسية (تحديد المذنب من البريء) بالشأو الذي يتوافق ومشاكلَ الواقع واشتباكاته. وهذا الميدان يكابده القضاةُ. لن نتعرض هنا إلى ممر ثالث وهو إشكالات تنفيذها من عدمه، أي إقامة العدالة من حيث علاقات السلط الثلاث ببعضها.

إن هاتين العرقلتين -على الأقل- ليستا الوحيدتين اللتين تعكران صفوَ القانون غايةً وتنفيذاً. إن الإشكال هو في لغة القانون نفسها، فيما تمت صياغته بها، والبوتقة التي تم صهره داخلها.

إن قولَ “الناس متساوون” بلغة ما، إنجليزيةً أو فرنسيةً أو غيرهما، عبارة مهما بلغت من الحياد لهي ترجمة شفافة لـ “إني أريد”، أو “بإرادتي أقنن لك هذا السبيل لتسلكه”، فكل عبارة قانونية هي تعبير عن إرادة وانحياز، وهذه الإرادة ليست انعكاساً لرغبة فردية، وهي رغبة الصائغ لها، بل هي إرادة رؤية العالم التي يعبر عنها والتي تتكلم عبره.

إن هذا يجعل أي صياغة لغوية قانونية مهما عتت في المعيارية لن تعبر إلا عن إرادة خاصة ورؤيةٍ إلى العالم معينةٍ.

إن القانون اللفظي يعبر عن اللغة المتلفظة، فـ”ينبغي عليك” هي “أنا أريد”، وهذا يجعل أي فعل وتفاعل وانفعال بقانون ما هو فعل وانفعال تحت إرادته، واندماج طي كينونته. فـ”أنا أريد” ليست إلا “أنا أكون” و”أنا أفكر”، وهذا إعدام لتفرد كينونة الفرد عن غيرها وقتل لحرية التعبير عن الذات والإفصاح عنها وموات لتركيز استقلال وجودها بعيداً عن تبعية أي إرادة أخرى.

تظل “المساواة” المنشودة وراء هذه القوانين في انطباقها على الجميع “معصوبة العينين”، ففي الآنِ الذي لا تفرق فيه بين أي أحد؛ لا تراعي خصوصيات الفرد الخاص وظرفه اللائق به بما يعبر عن حقيقة مَعيشِه، بله أن تراعي خصوصيات مجتمع ما أو طائفة وفق متنها وشروطها.

إن كل لغةٍ هي نسبيةٌ فيما تحمله من دلالات، تحمل قيمها الخاصة وتعبر عنها بما يضمن صفاء قولها عن رؤيتها للعالم. فاللغة إرادةٌ خاصة وعواطف مكثفة في ذاتها، وفي الآن نفسه، عواطف مكدَّسةٌ في اللغة تعكس الرؤية الخاصة إلى العالم بالنسبة إلى متحدثيها. أعني، ليست القوانينُ الدولية إلا إرادةً خاصة تفترض قيمها الخاصة وهمومها المقيَّدة. وعندما تعَمَّم هذه الإرادة الخاصة على شعوب العالم؛ فإنها تسعى لإدراجهم ضمن كينونتها الخاصة لتستفرغهم من كينونتهم الحقيقية والصادقة في أنفسهم والتي تعبر عن تاريخهم وتفردهم وخصوصياتهم وسلوكهم اللفظي والفعلي.

ليس القانون الدولي بذلك الانحياد العقلاني الخالص عن الانحياز الإرادي. فهنالك إرادات مكوِّنة ذات سلط معنوية عالية تسكن كُبَّارَ الشعارات القانونية الكونية. وهذا يضخنا إلى السؤال الآتي:

أي هويةٌ ممكنة في ظل قانون ليس من إفرازات الذات وتاريخها، وليس من اسْتِمْطارات المجتمع وجذوره التاريخية وتفاعلاته البعيدة الأمد مع الطبيعة والجماعات والطوائف والأديان والثقافات، وإذا كان القانون الدولي إرادة خاصةٌ يتم فرضها على الشعوب؛ فما هو مصير الحرية في اختيار إرادتهم وممارستها من الذات بدون فرض فارض خارجي؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق