المقالات

الفلسفة كوعي نقدي بالعالم:(بنسالم حميش)_2_

في الصلة بالرواية

لعل بنجيب محفوظ، ولو أنه لم يكمل رسالة الماجستير حول “فلسفة الجمال في الإسلام”، لم يتخل عن الفلسفة حين انصرف إلى الأدب، بل أرى أنه مارس تلك في هذا على غرار كتاب عالميين كبار. وأحسب أن سر حسن علاقته بالفلسفة كان من الجدارة والتمكن، حيث جنبه الوقوع في أشراك التعقيد النظري والتعتيم اللغوي والأسلوبي. إن نجيب محفوظ قد قاوم إكراهات الوظيفة والمتاعب الصحية وتحرشات فقهاء السوء بإرادة قوية في التحصيل المعرفي المواظب والإبداع الأدبي الإيجادي الزاخر، فلم تثنه عن أخذ نصيبه من طيبات الدنيا والتحلي بروح الهزل والنكتة، هذه الروح التي كثيرا ما استحضرتها وأنا أكتب فصلا من روايتي مجنون الحكم: “بين الانتقام والنكتة، مصر تحترق”.

من باب الشهادة الذاتية، ومقتديا بالغزالي وديكارت وباسكال، أقول إن أقرب النصوص الفلسفية إلى وظائف الكتابة الروائية وفعاليتها ليس النص الشمولي النسقي، أو ما كان على شاكلته، إذ كيف نريد للروائي أن يستقر في نسق ما ويطمئن إليه، وأن يتمذهب به ويحتمي، ذلك أن الكتابة النسقية تعبئ مبادئ الاستمرارية والكلية والعقلنة، فتنشد التمامية والاكتمال، أي حشر الحياة في منظومة تحدد هي ماهيتها وتبرمج ديمومتها وتنسِّقُ خفقانها. وهذا ما جعل أكبر فيلسوف نظامي، هيـچل، يقول إنه آخر الفلاسفة، آخرهم لأنه وضع الأطروحة وضدها، وأطل على أتباعه ومعارضيه معا من شرفة تركيبه آمنا، معتبرا كل حالات اختبار الوجود لحظاتٍ زائلة في سيرورة دنو الروح من الفكرة المثال وانصهار التاريخ في المطلق. المعطيات الوجدانية من شرفة هيـﭽـل هي كلا شيء، الفرد بكل معاناته وتجاربه هو كلا شيء، وعي الأنا بذاته وبالخارج والآخر وعي شقي، لأنه مطبوع بالانشطار والتمزق، فهو كل شيء؛ وكل هذه “الاغتيالات” المثالية هي من أجل غاية لا تعني أحدا ولا يطلع عليها أحد، ألا وهي حياة الكل وانتعاش الوعي الشمولي بذاته. هكذا يسقط الفرد ليعيش النسق وتتخلص المثالية المطلقة من مكابدات المعيش وآلامه، فترتاح إلى انسجام مقدماتها مع خواتمها وتنعم بتسلسل تدبيراتها ومنطقها. وكم يحق فيدور دوستويفسكي حيث يكتب: «إن الإنسان كثير التعلق بأنسقة الاستنباط المجردة، حيث يقبل على تشويه الحقيقة عن قصد ويغلق عينيه وأذنيه إذا كان في هذا ما يبرر منطقه»([3]).

لكنْ مع ما عرفته من أنساق فلسفية استفدت، على أيِّ حال، شيئا مهما: تيسير البناء الروائي وهندسة السرد، وما عدا هذا فإني أمامها، وخصوصا ما منها وجد ترجمته في أنظمة سياسية كليانية قامعة، أنزع إلى إيثار النص الفلسفي اللانسقي، أي الحيوي والمقطعي الشذري (كما في مؤلفي كتاب الجرح والحكمة) وهو الأنجع والأجدى في مجال اختبار الوجود وإيجاد الأفكار والرؤى؛ مع هذا النص، أراني في صحبة الوجوديين أهتف جهرا أو خفتا: عاش الفرد، هتاف يجد مرجعه في آيات قرآنية مثل ﴿ستلقون ربكم فرادى﴾ و﴿كلُّ امرئٍ بما كسبَ رهين﴾؛ وإنه هتاف من أجل الفرد وليس الفردانية). طاقات الفرد الذاتية، وهي على محك تجربة المعنى والعلاقة بالعالم والآخر، ذلك ما بتُّ أوليه مكانة مخصوصة في انشغالاتي الروائية. والسبب أنه «ما دام الإنسان يحيا، كما سجل سورين كيركچور، فلن ينتهي التناقض والألم والصراع. ولن ينتهي ذلك كله ما دام الإنسان في الوجود. أما في السرمد فكل شيء يُفسر»([4]).

إيماني أو قل تعلقي الفكري بالفرد هو الذي حدا بي، على مستوى الكتابة، إلى إدراك إمكانات الرواية التعبيرية ونجاعتها التبليغية في مجال خلق شخوص، وتتبع منحنيات حياتهم من خلال أنسجة العلاقات والعقد التي يتحركون فيها. وبالطبع يكون الفرد-الشخصية، لا بالمعنى الملحمي أو حتى البطولي للكلمة، هو من يتظاهر كعنصر حيٍّ متكلمٍ عاملٍ داخل مجموعة بشرية، يتفاعل معها وينتج، أو كصاحب شهادة تستحق في نظر الروائي الالتقاط والحكي.

بمعانٍ عديدة، أدرك إذن أن للرواية علائق مدلولية وثيقة بالفلسفة اللانسقية، الوجودية والحيوية، التي تحفل بأخصب مراتع التفكير في قضايا الإنسان، وهي في صيغتها الدينامية والحدية تتعلق أساسا بإشكال المعنى (أو اللامعنى) في جدلية الحياة والموت، المتمظهرة مثلا في ثيمات دوستويفسكي وتولستوي البارزة: الإنسان والشر/ الإنسان والحرية/ الإنسان والله، وهي ثيمات أمهات تتفرع عنها أخرى كثيرة، كالحرب والثورة والسلطة، أو كالحب والقلق والانهيار النفسي وخراب التواصل بين الذوات، وسوى ذلك. وإذا كان الحضور الفلسفي في أعمال ذينك الروائيين قويا، كما رصده وحلله نقاد (باختين وطوما باڤيل في كتابه فكر الرواية)، فإنه ليس أقلَّ اعتمالا عند كتاب كبار لاحقين، أمثل عليهم باثنين فقط، هما نيكوس كازانتساكيس وخورخي لويس بورخيس. فالأول فيلسوف في تكوينه، تأثر كثيرا بالمذهب الحيوي (نيتشه وبرگسون) إضافة إلى المذهب البوذي. وهذا التأثر وجد عنده إطار استقبال مواتٍ في أحد أهم روافد ثقافة اليونان القديمة، ممثلة في فكر هيراكليدس الشعري وفي الأبيقورية أو مذهب اللذة (إيدونيا) ومذهب السعادة (إيفديمونييا). ولعل أقوى وأجلى استثمار للبعد الفلسفي عند كازانتساكيس يتبدى في رائعته حياة ومغامرات أليكسيس زوربا، وذلك على مستويات عدة، منها مثلا ما كان عند سقراط والمفكرين قبله عبارة عن مولِّدٍ حراري وسمادٍ للنهج الفلسفي؛ أي المساءلة والتعجب والدهشة أمام أشياء الحياة وظواهر الوجود والكون. وهكذا نرى زوربا يعبر عن ذلك بشكل عفويٍّ حار، إذ يتحدث مبهورا وراقصا عن الكواكب والأشجار أو الأحجار المتدحرجة، كما لو أنه يراها لأول مرة (“إيني بروتي فورا نا ﭬليبو”، يقول في لغته البسيطة الشيقة)، كما أنه لما هوى صرح شبكته ذات الأعمدة والأسلاك الذي أقامه لاستغلال منجم للفحم الحجري في موقع مرتفع، لم يكن ردّ فعله سوى الدخول في رقصة السرتاكي الشهيرة التي أعجب بها مشغله وصديقه بازيل الكاتب الإنجليزي ورب المنجم في جزيرة كريتي، فطلب منه أن يعلمه الرقصة للتلهي عن الكارثة ونسيانها… أما بورخيس، فقد كان ينكر انتماءه إلى أي نسق فلسفي، بدعوى أن النسق في المعرفة والفكر يقوم على الاختزال والغش، كما رأى ذلك نيتشه من قبله، وما يقر به في غير ما موضع هو أنه في أعماله كلها لم يفعل شيئا آخر سوى التنقيب في الإمكانات الأدبية لنظريات فلسفية أو ثيولوجية، مثل العود الدائم والمثالية والسرمدية، التي يحركها كما لو أنها شخوص أو فعاليات روائية، هذا علاوة على أنه كان يشتغل بتيمة نفي الأنا والمكان وبتيمة معارضة الزمان، وإنْ كطرائق للتسلية أو السلوان…

لكنْ ما أُلح في التأكيد عليه هو أن أولئك الروائيين جميعهم لم يتوفقوا في علاقتهم بالفلسفة، إلا لأن فنهم السردي كان من الجودة والعمق، حيث جنبهم الوقوع في فخاخ الخطابة والوعظ أو في زلات الرواية-الأطروحة. ومقتفيا أثرهم صرت كلما سُئلت عن فلسفتي قلت إنها في مضان أعمالي الفكرية وبالتشخيص في رواياتي التي كنت بها -محاكيا دوستويفسكي تخصيصا- أجيب على قضايا ومسائل ذات طابع فلسفي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق