المقالات

السياسة العمومية وإشكالية المفهوم؟ (عبد الرحمن الشعيري منظور)

صار استدعاء مفهوم السياسة العمومية في اليوميات الاستثنائية لحالة الطوارئ الصحية في زمن كورونا، من لوازم النقاش العمومي في مختلف منصات التواصل الاجتماعي، إذ اقترن توظيفه أكاديميا وسياسيا في سياق ارتفاع الطلب العام على مؤسسة “الدولة” باعتبارها أم المؤسسات السياسية والكيان المعبر عن الإرادة المجتمعية في العيش المشترك.

 قبل إقرار دستور 2011 في المغرب، لم يكن ثمة تمييز دستوري بين مجالي ” السياسة العامة” و” السياسة العمومية” وكان الفرق بينهما يخضع لاختلاف منطق الترجمة بين أنصار المدرسة المغاربية التي تجنح إلى استعمال مصطلح السياسة العمومية كترجمة عن الفرنسية لـمفهوم “Politique publique” وبين المدرسة المشرقية التي تترجم المصطلح الانجليزي” Public Policy” إلى مصطلح” السياسة العامة” ومن ثم، كان التداول الأكاديمي للمفهومين يوظف على سبيل الترادف للدلالة على مجمل الفعل العمومي “للدولة وهي في حركة” على حدّ تعبير BRUNO JOBERT في دراسته الشهيرة المنشورة بالمجلة الفرنسية للعلوم السياسية سنة 1985.

السياسة العامة والسياسات العمومية بين الدستور والسياسة

حاول المشرع الدستوري المغربي في دستور 2011 إقامة نوع من التمايز بين مجال السياسة العامة (Politique générale (التي يذكرها بصيغة المفرد، وبين مجال السياسات العمومية ( Politiques publiques) التي تُذكر بصيغة الجمع، فورد ذكر مصطلح السياسة العامة في الفصول الدستورية: 92 -1 و 100-3 و 103 – 1 و الفصل 137. بينما وُظف مفهوم السياسات العمومية في الفصول: 13 و 70 – 2 و 92 – 1 و  101 –  2 و163 – 2 و168 – 1 و2.

 ففي قراءة سياسية للوثيقة الدستورية يمكن القول بأن تحديد السياسة العامة للدولة يندرج ضمن المجال الملكي بامتياز وذلك باستحضار الثقل الدستوري والسياسي للفصلين: 41 و42 من الدستور ثم الفصل 49 الذي يشير إلى تداول المجلس الوزاري في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، ثم الفصل 92-1 الذي يلزم مجلس الحكومة بعرض السياسة العامة للدولة بعد التداول فيها على المجلس الوزاري، وباستقراء للتجربة الحكومية المغربية فالتداول في هذا الشأن يتعلق بالبرنامج الحكومي المشار إليه في الفصلين 88 و 89 من الدستور، ويزكي هذا الطرح باندماج تحديد السياسة العامة للدولة -بما هي توجهات استراتيجية كبرى- ضمن مشمولات المجال الملكي، وتمايزها عن مجال السياسات العمومية الحكومية، ما أكدّه قانون التعيين في المناصب العليا رقم  02.12  بكلّ تعديلاته من التباين الواضح بين التعيين الملكي للمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات الاستراتيجية بناء على الفصل 49 من الدستور وبين التعيين الحكومي في الوظائف المدنية في الإدارات العمومية والوظائف السامية في المقاولات والمؤسسات العمومية بناء على الفصل 92 من الدستور.

 وضمن هذه الهندسة الدستورية يسهم رئيس الحكومة في مجال السياسة العامة إما عبر تقديم الأجوبة على الأسئلة الشهرية المتعلقة بها أمام البرلمان(الفصل100-3) أو عبر ربط مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها لدى مجلس النواب من خلال تصويت منح الثقة بشأن تصريح يدلي به في السياسة العامة أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه (الفصل 103-1) كما نصّ الدستور على أنّ الجهات والجماعات الترابية الأخرى “تساهم في تفعيل السياسة العامة للدولة، وفي إعداد السياسات الترابية، من خلال ممثليها في مجلس المستشارين”( الفصل 137).

 و باستقراء عام لحضور مفهوم السياسات العمومية في الوثيقة الدستورية نجد أن المشرع الدستوري يحيل عليه في ثلاث سياقات:السياق الأول: يتعلق بدور هيئات التشاور والفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها (الفصول 13 – 163-168).

السياق الثاني: دور الحكومة برئيسها والوزراء في التداول وتنفيذ البرنامج الحكومي والسياسات العمومية ومرادفتها أي السياسات الحكومية والسياسات القطاعية، ويتضح هذا الترادف اللغوي من خلال القراءة المتمعنة في مجمل النص الدستوري (الفصول 88 -89 – 90-92 -93).

السياق الثالث: دور البرلمان في مناقشة وتقييم السياسات العمومية (الفصلان 70 و101).

في المحصلة، وبناء على المعطيات السياسية الشارحة للغموض الدستوري في العلاقة بين المجال الملكي والمجال الحكومي في صناعة الفعل العمومي للدولة، يمكن القول بأن تحديد السياسة العامة للدولة وترتيب أولوياتها هو شأن ملكي سيادي، وأنّ الحكومة تسهم فيه بمقدار يتأثر بظروف الزمن السياسي، كما أنها تقوم في هذا الحقل السيادي بدور الوسيط المؤسساتي في شرح معطيات هذه التوجهات الدولتية الكبرى للبرلمان بشكل دوري مستعينة بذلك بلغة الأرقام والإحصائيات، ويتجلى هذا الاختصاص الملكي في صناعة السياسة العامة للدولة -على سبيل الذكر لا الحصر- في سياسة الأوراش الكبرى( الموانئ، TGV ومحطة نور للطاقة الشمسية..) وفي المخططات المُهيكِلة في الصناعة والفلاحة والطاقات المتجددة وغيرها، وكذا في التوجهات الكبرى في السياسة الخارجية والشأن الديني والعسكري والأمني والتعليم والفلاحة وفي كلّ مجالات الفعل العمومي للدولة.

كما يحتفظ الملك في النظام السياسي المغربي بحق التدخل والتوجيه في مجال السياسات العمومية المتعلقة بالتدبير الحكومي و الإداري اليومي، وهذا ما تم تسجيله مراراً في عدة قضايا( قطاع التكوين المهني، قطاع الماء، مسألة دفاتر تحملات قطاع السمعي البصري سنة2013، انتقاد الحالة المزرية لمدينة  الدار البيضاء، التعليمات الملكية بفتح تحقيق مع موظفي الجمارك والأمن بالمراكز الحدودية سنة 2012) ويتم تأطير كلّ هذه التدخلات دستوريا وفق قراءة رئاسية للفصل 42 من الدستور و الذي يؤطر مجمل الفعل الملكي في حقل الدولة بما يستلزمه ذلك من آليات عمل من قبيل: الخطب، بلاغات الديوان الملكي، التعليمات والأوامر، جلسات العمل، الرسائل وحتى الزيارات الميدانية واللقاءات بالمواطنين.

في براديغم السياسة العامة

ظهر مفهوم السياسة العامة كنموذج معياري(براديغم) في سياق التحول الذي عرفه حقل العلوم السياسية من الاهتمام التأسيسي الذي كان منصبّا على تحليل البناء الفلسفي والمؤسساتي للحكم، ومحاولة تفسير وتبرير ظاهرة السلطة السياسية، إلى دراسة النموذج الدستوري للدولة في علاقته بالسياسة العامة، كمنتوج تكمن أهميته في ربط السياسة بالمشاكل الواقعية للمجتمع ( محمد الغالي، التدخل البرلماني في مجال السياسات العامة في المغرب).

 وقد برزت المدرسة الأنجلو سكسونية منذ ستينات القرن الماضي في التنظير لمفهوم السياسة العامة، من خلال كتابات الأمريكيين خاصة: Ira Sharkansky, J. Andersson, Thomas R.Dye, R. Cobb، في حين لم تهتم المدرسة الفرنسية بتحليل ودراسة السياسات العامة إلا في الثمانينيات من خلال مجهودات كلّ من : J. Padioleau, P. Muller , M. Ballavance, J.C. Thoenig  وغيرهم..

ولا يختلف مفهوم “السياسة العامة” عن غيره من المفاهيم  الملتبسة في حقل العلوم الاجتماعية من حيث عدم وجود تعريف دقيق ووحيد له، إذ تتعدد تعريفاته وتتداخل بشكل كثيف، وفي هذا السياق رصد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسنين توفيق إبراهيم حوالي أربعين تعريفا لمفهوم السياسة العامة، لذا تبقى عملية تحديد تعريف جامع للسياسة العامة مسألة نظرية مستعصية نظرا لارتباط المفهوم بالعديد من الفروع العلمية المختلفة (علم الإدارة، علم الاجتماع، علم الاقتصاد والتدبير…) الأمر الذي حتم انتقاء مجموعة من التعاريف المحددة لهذا المفهوم السياسي-الإداري.

فالسياسات العامة تعدّ تعبيرا على الرغبة الحكومية في العمل أو في الامتناع عن العمل، أي أنها ليست محصورة دوما فيما تنفذه الحكومة من أعمال وما تنجزه من برامج ومخططات لمختلف القطاعات لحلّ المشاكل المجتمعية، بل كذلك تشمل ما تهمله أو تمتنع عن فعله (أندرسون جميس، صنع السياسات العامة).

ويُعرف الباحثان  الفرنسيان Jean- Claude Thoenig, Yves Mény  السياسة العامة في معجم العلوم السياسية والاجتماعية لسنة2004 بأنها “منتوج لنشاط سلطة تمتلك القوة العامة والمشروعية الحكومية”، فترتبط السياسة العامة في هذا التعريف بالضرورة بحيازة السلطة والقوة السياسية في المجتمع، وعلى هذا المنوال طرح فليب برو تعريفه للسياسة العامة باعتبارها “مجموعة متماسكة  من النوايا والقرارات والإنجازات يمكن عزوها لسلطة عامة (محلية، وطنية، فوق وطنية) ومن ثم، يمكن الحديث عن سياسة عامة في ميدان الصحة، والسكن، والإعداد السياحي… (فيليب برو، علم الاجتماع السياسي)

من مقاربة بحثية مغايرة، حدّد الأستاذ حسنين توفيق إبراهيم في كتابه القيّم “النظم السياسية العربية، الاتجاهات الحديثة في دراستها” خمس مستويات لدراسة نجاعة الأنظمة السياسية من زاوية النموذج المعياري للسياسات العامة، وهو ما يساعد القارئ غير المختص على استيعاب الملامح الرئيسة لمفهوم السياسة العامة وحمولته النظرية في تأطير الفعل العمومي للدولة.

فالمستوى الأول: يتعلق بتحليل القواعد الدستورية والقانونية التي تحكم عملية صنع السياسات العامة، أي تحديد الضوابط والإجراءات المسطرية والمؤسسية ذات الصلة بعملية رسم السياسات العامة وتنفيذها وتقييمها والمحاسبة على نتائجها، ممّا يساعد على مقارنتها بما يجري بالواقع، سواء من خلال التطابق أو الاختلاف.

المستوى الثاني: رصد وتحليل وتقويم الأدوار الفعلية للفاعلين الرئيسيين في صنع السياسات العامة، سواء على الصعيد الحكومي أو غير الحكومي، وكذلك ما يتعلق بتأثير القوى الخارجية في صنعها وتنفيذها.

المستوى الثالث: تحليل محتوى ومضمون سياسة عامة محددة، والوقوف على أولوياتها ومدى تكاملها وارتباطها بسياسات أخرى.

المستوى الرابع: رصد وتحليل عملية تنفيذ السياسة العامة من خلال الكشف عن طبيعة الأجهزة التي تقوم بالتنفيذ وآليات عملها، مع التركيز على دور الجهاز الإداري.

المستوى الخامس: يتأسس على تقويم السياسة العامة، وتحليل نتائجها على ضوء الأهداف المعلنة للسياسات المعينة، مع تحليل العوامل المساهمة في نجاحها أو تعثرها، وذلك من خلال العديد من الأدوات الكمية والكيفية المعروفة في تقويم السياسات العامة، مثل المؤشرات الاقتصادية، والاجتماعية وحساب الكلفة…”

في المحصلة، تتعدد التعريفات المحدّدة لمفهوم السياسة العامة، لكن يبقى الخيط الناظم المشترك بينها بحسب عالم السياسة الكندي  Vincent Lemieux في كتابه:

 L’étude des politiques publiques. Les acteurs et leur pouvoir

يتأسس على أنّ كلّ تعريف منها إلاّ ويتضمن في محدداته أحد العناصر التالية: الفاعلون، المشاكل، الأنشطة والحلول. فلِبلورة أي سياسة عامة سواء على المستوى الدولي أو الوطني أو المحلي لا بد من تدخل مجموعة من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين (حكومة، برلمان، أحزاب، نقابات…) لكن يبقى الفاعل الحكومي هو الفاعل المركزي في صنعها، لما يتوفر عليه من قوة المعلومة والخبرة والموارد المالية والجهاز الإداري، ومن ثم، يتم تعريف السياسة العامة كذلك على أنها: “سلسلة من الأنشطة أو حتى اللاأنشطة والقرارات الحكومية، التي تترجم قدرة السلطات العامة على الفعل و التغيير، ثم التكيف، وذلك من خلال الدراسة والإعداد، الاعتماد، التنفيذ، التدقيق ثم التقييم.( محمد الغالي، مرجع سابق)

فالسياسة العامة، حسب هذه المقاربة تقوم على إدراك المشاكل العامة (Problems publics) وتصنيفها ضمن مفكرة عمل (Agenda)  لذلك تسهم في هذا السياق المشاكل العمومية كالبطالة، الفقر، الفوضى في الفتوى، الهدر المدرسي و الجائحة الفيروسية … في تدخل السلط الحاكمة لإدراكها خطورة تفاقم هذه المشاكل على قوة الدولة والتماسك المجتمعي،  ويجب أن يتبلور هذا التدخل عبر إيجاد حلول مقنعة لها من خلال تحقيق وإشباع الحاجات المادية والقيمية للسكان إما بواسطة اتخاذ قرارات استعجالية أو من خلال إدماجها في أجندة النشاط والفعل الحكومي.

وبذلك، تكون السياسة العامة بمثابة الأنشطة (القوانين – البرامج …) الموجهة لضبط مشكل معين أو مجموعة متداخلة من المشاكل، ومحاولة إيجاد حلول لها من خلال السياسات القطاعية، وبتعبير آخر فالأصل في تشكل السياسة العامة من خلال هذه المقاربة، يتأسس على إدراك المشاكل العامة وتدبير الندرة في المجتمع،  بينما ركزت توجهات نظرية أخرى على ربط نموذج السياسة العامة بالحلول، وبالتالي يكمن في نظرها أساس أي سياسة عامة في اختيار أفضل البرامج والبدائل المطروحة على صاحب القرار من أجل طرح حلول فعالة للمشاكل العامة، من خلال التركيز على الغاية (Finality) لذا، نجد أن الغايات أو الحلول المتوخاة تعتبر مسألة مركزية في التعريفات المقدمة من قبل المختصين في السياسات العامة من أمثال: Richard Simon  و Stéphan Brooks.

إن إعطاء نبذة عن مفهوم السياسة العامة لا يسمح في هذه المقالة بالتوسع أكثر في رصد مختلف الدراسات المرتبطة بحقلها العلمي، والتي جعلت من نموذجها المعياري في الفعل العمومي أحد أبرز نظريات العلوم السياسية الحديثة ومادة أساسية في القانون العام في كلّ جامعات العالم.

 فبخلاصة مركزة، يمكن تعريف السياسة العامة بأنها: عملية تقوم على معرفة وتحديد القضايا والمشاكل العامة الناجمة عن مطالب المجتمع التي تحتاج إلى تدخل السلطات العامة، عبر قيام هذه الأخيرة بدراسة الواقع وفك تعقيداته، وذلك بإعداد سياسات حكومية مناسبة لحل كل القضايا التي تهدد تماسك هذا المجتمع، وتشارك في هذه العملية على الصعيد الوطني الأحزاب السياسية والنقابات العمالية وجماعات الضغط والنخب والأطر الإدارية العليا وغيرهم من الشركاء التي تنفتح عليهم السلطة الحاكمة، بيد أن حجم مشاركة كل هذه القُوى يختلف من دولة إلى أخرى بحسب تجذر الممارسة الديمقراطية والشفافية الإدارية في نمط الحكم وبنيته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق