المقالات

السخرية في مسرحية”الملك هو الملك “لـــــسعد الله ونوس(عبد العزيز المُنتاج )_1_

في البداية نؤكد أننا لا نسعى في هذه الورقة، إلى تحليل دراماتوجي شامل ومفصل لمسرحية “الملك هو الملك” لسعد الله ونوس، وإنما سنقتصر على استجلاء مظاهر السخرية فيها، على اعتبار، أنها من أهم مميزات مسرح  ونوس، وخاصة في مسرحيتي “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” و”مغامرة رأس المملوك جابر” و”الملك هو الملك“. فإذا كان تعدد المقاربات لموضوع السخرية، كما يقول علي البوجديدي[1]، قد منع من تصور تعريف جامع ومانع لها[2]، فإن تناولها في مسرح سياسي وتحريضي مثل مسرح ونوس، يفرض علينا تجاوز هذا التعدد والتباين، وبالتالي اقتراح تعريف لها، يكون سندا لنا لملامسة تخومها وطبيعتها والهدف منها. تقول سيزا قاسم في تعريف يقترب من طبيعة السخرية في مسرح ونوس: “السخرية استراتيجية قول نقدي ساخر، وهي في الواقع تعبير عن موقف عدواني، ولكنه تعبير غير مباشر يقوم على التورية”[3]، أما عبد العالي الدكالي فيتجاوز طبيعتها إلى الأسباب التي تدعو إليها، حيث يقول إنها :” ايحاء بالحقيقة وهي خطاب مشاكس ومشاغب، يوقع على قساوة ومرارة ويأس الواقع وآلامه”[4]. من هذا المنطلق وانسجاما مع سخرية ونوس، نؤكد أن السخرية أسلوب نقدي استفزازي، يعتمد الإخفاء والتضليل. وطريقة قاسية للاحتجاج، ترفض الواقع وتسعى إلى تغييره . صحيح أنها تبدو أحيانا ضبابية، تخفي أكثر مما تظهر، لكن هذا هو سر قيمتها الجمالية التي تجعلها رديفة للأدبية[5].

ففي هذه الورقة ، سنقوم بتناول السخرية في مسرح سعد الله ونوس عموما، بعد ذلك سنتطرق وبإيجاز شديد وتلخيص مختصر للمسرحية التي ننوي البحث فيها. على أن نعود لكشف أوجه السخرية في بنيتها، من خلال العنوان والإرشادات واللافتات والشخصيات والأحلام والحوار. لنختم بخلاصة نجمل فيها ما توصلنا إليه في هذا البحث.

السخرية في مسرح سعد الله ونوس:

     يعد سعد الله ونوس من أهم رواد المسرح في العالم العربي، بفضل نظرياته الدرامية وإنتاجاته الغزيرة. وقد عمل على خلق مسرح عربي يستهدف تنوير الجمهور وتثويره، قصد دفعه الى المساهمة في تغيير مجتمعه. وهو ما يطلق عليه بتسييس المسرح، خاصة أنه موجه نحو الطبقات الشعبية الكادحة. يقول ونوس بهذا الصدد:” إننا نصنع مسرحا، لأننا نريد تغيير وتطوير وتعميق وعي جماعي بالمصير التاريخي لنا جميعا “.[6]

    يعتمد مسرح التسييس لدى ونوس على قراءة التراث، وإعادة مساءلته وفضح الواقع ونقده، مستفيدا مما بلغه المسرح الاحتفالي والبريشتي على مستوى التأليف والإخراج. هذا من جهة أما من جهة أخرى، فهو يعتمد السخرية التي تعتبر لديه، شكلا من أشكال النقد الواعي الممزوج بالتهكم والتقريع. وقد لجأ إليها ونوس بعد أن فقد كل أمل في التغيير أو الحوار مع المسؤولين عن وضع الأمة العربية، مما جعل السخرية ميزة من مميزات مسرحه، تسم كل إبداعاته . وذلك ردا على الهزائم العربية المتوالية، التي كانت أهم محفزاته[7].فالسخرية عنده تكشف عن الإحباط الذي أحس أن الأمة العربية قد بدأت تعيشه، لهذا بدأ يضرب بعنف وسخرية، لعله ينجح في إيقاظها، خاصة أنه يعتبر وجود المسرح دليلا على وجود الحياة. وأن على المثقف ألا ينهزم، بل عليه أن يحمل الصخرة ويواصل.

تقول سيزا قاسم:” تستخدم السخرية في نهاية المطاف عندما تفشل كل وسائل الإقناع وتستهلك كل الحجج[8]، لذا بدا ونوس ساخرا، حيث جاءت سخريته أقوى من وقع الرصاص ..وهذا ما عاشه الجمهور العربي مع مسرحياته، وبالضبط في مسرحية ” حفلة سمر من أجل 5 حزيران” التي لا يجد المرء أمامها من شدة الحزن إلا الضحك، لكنه ضحك كالبكاء على هذا الواقع العربي المر. لقد ترك ونوس حوالي ثلاثين عملا مسرحيا أبرزها “حفلة سمر من أجل 05 حزيران ” التي كتبها مباشرة بعد هزيمة 67 والتي هزت العالم العربي كله فكريا واجتماعيا وثقافيا، ولا تزال آثارها فاعلة إلى يومنا هذا. وقد أرخت للهزيمة، وسجلتها ووثقتها بأسلوب ساخر، وجد صداه لدى الجمهور العربي الذي أيقظته الفجيعة من الوهم الذي غطته به أنظمة الحكم العربية. بعدها كتب مسرحية سهرة مع أبي خليل القباني والتي انتقد فيها بسخرية لاذعة، تحالف الفكر الرجعي الظلامي وقوى الاستبداد في مواجهة الفكر التقدمي الحداثي، الذي مثله، في القرن 19 المسرحي، الرائد أبي خليل القباني والذي تعرض لمضايقات انتهت بتكفيره وحرق مسرحه….

    عموما فالسخرية سمة بارزة في كل أعمال ونوس ، وخاصة تلك التي كتبها بعد هزيمة 67 ، وهي سخرية واقعية لاذعة، تنبع من مبدع له نظرته الموضوعية والنقدية للمجتمع، أساسها الالتزام الصارم، المهتم بتحليل بنية السلطة في علاقتها بالمثقف والشعب …

مسرحية “الملك هو الملك”

1 ـــــ تقديم مختصر:

بعد تأثر ونوس بالاشتراكية العلمية، حاول استلهام المسرح البريشتي، فكتب رائعته التي ننوي الاشتغال عليها في هذا البحث، مسرحية الملك هو الملك، وهي تتناول علاقة المواطن بالسلطة، بل تذهب أبعد من ذلك، لأنها تحاول تفكيك هذه العلاقة وإعادة بنائها. وقد كتبها ونوس سنة 1978 مستلهما حكايتها من العصر العباسي، وبالضبط من كتاب ألف ليلة وليلة. وقد قال عنها علي الراعي: “إنها أعذب ارتشافة ارتشفها كاتب عربي من تراث ألف ليلة وليلة، وانتشاله من جمود الماضي إلى حيوية الحاضر. ومن ثم توظيفه لخدمة رسالة سياسية”[9]. أما ونوس فقد قال عنها :” إنها أمثولة تساعد على فهم بعض ما يجري في الواقع و اتخاذ موقف منه “[10]..

    إن استلهام  عمل إبداعي من العصر العباسي، وتقديمه في القرن العشرين، و في صورة ساخرة ولاذعة، يشير حتما إلى أن السلطة في العالم العربي لا تتغير، ولا تتأثر بمرور الزمن، وأن أنظمة الحكم في القرون الأولى هي نفسها التي تحكم الآن.

2 ـــ ملخص موجز :

     تروي المسرحية قصة ملك ضجر ذات ليلة، فأراد أن يقوم بجولة ليلية مع وزيره، فصادف أن سمعا مواطنا ، يتمنى أن يكون ملكا ولو ليوم واحد، ليملأ الأرض عدلا ، فيقرر الملك أخذه إلى قصره، ويتنازل له عن عرشه وتاجه، لينزوي هو ووزيره في ركن قصي، منتحلين صفة تاجرين (مصطفى ومحمود)، مكتفيين بمتابعة اللعبة التي أرادها الملك سخرية من الرعية التي لا تصلح إلا للتسلية.

الجميل في اللعبة، أن الأبله والأخرق (أبا عزة)،الذي أفلس وأضاع ماله، والذي غرق في الديون والخمر. ينجح في تقمص شخصية الملك، لدرجة أن الجميع لم يتعرف عليه، وصدق الجميع أنه الملك فعلا. بما في ذلك زوجة الملك الحقيقي (الملكة )، التي أكدت أن هذا هو الملك، وأنها تستطيع تمييزه من بين المئات، وزير الملك الذي  يعرف أن الأمر مجرد لعبة، وحين انتبه إلى أن الأمر قد بدأ يخرج عن السيطرة، أغرى عرقوب بالمال، واسترجع ملابس الوزارة، ليلتحق بالملك الجديد وزيرا له. متخليا عن ملكه الحقيقي، الذي راح يذرع المكان جيئة وذهابا صارخا أنه هو الملك، وأن الأمر مجرد لعبة، لكن هيهات فقد فات الأوان ، لينتهي به الأمر مطرودا متهما بالجنون.

لا تنتهي اللعبة (المسرحية الساخرة) هنا، فالملك المتوج يتقن الحكم بشكل مذهل، ويبسط سلطته بصرامة أربكت كل حاشيته. ودفعت مقدم الأمن للاعتراف بوجود مؤامرة تستهدف العرش و تعهده بالقضاء عليها في ساعات. أما زوجة أبي عزة الملك الجديد، والتي لا تزال متمسكة باتهامها لشهبندر التجار والشيخ طه، بكونهما تسببا لزوجها بالإفلاس، فتقف أمام الملك الجديد (زوجها)، دون أن تعرفه، مصدومة لعفوه عن المتهمين وتقريبهما منه. فتصرخ محاولة، دون جدوى، فضح تحالفهما (المال والدين ) مع الملك ودعمهما له، مؤكدة أنهما هما من يحكم فعليا وليس الملك.

    أبو عزة لم يتنكر لمبادئه و زوجته فقط، بل تنكر لابنته، التي أمر خادمه سابقا ووزيره الحالي، عرقوب بالزواج منها أو باتخاذها  جارية له إن أراد. هذا التنكر للمبادئ تواصل، لكنه بلغ منتهاه حين رفض أبو عزة التخلي عن العرش كما وعد بذلك، بل إنه تمادى وأصدر قانونا يحرم بموجبه اللعب، حفاظا على عرشه..” اللعب ممنوع…والوهم ممنوع…والخيال ممنوع …والحلم ممنوع  “[11].


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق