المقالات

الحوار المجتمعي مسلكا للتغيير(رشيد الوهابي)

     يكتسي الحوار أهمية كبيرة على مستوى الأفراد والمؤسسات والهيئات؛ فهو منهج كل فرد يُسيِّد قيم التواصل، وكل مؤسسة ترنو إلى النجاح والتألق، وكل هيئة تنشد التغيير السلمي. فإلى جانب كون الحوار واجبا شرعيا، فهو ضرورة سياسية تمثل عنوان نضج الفاعل السياسي والاجتماعي والمدني، إذ ينتقل الحوار بالمتحاورين المختلفين من التصامم إلى التسامع، ومن التصادم إلى التصادق، فلا وسيلة للتقرب والتقارب، والتفهم والتفاهم غير الحوار، ولا بناء للمجتمع، ولا سبيل للنهوض به وتطويره بدون اعتماده منهجا لبناء الائتلاف، ومسلكا لتدبير الاختلاف.

     صارالحوار المجتمعي في العقد الأخير مطلبا عزيزا، ومطمحا منيفا لطلاب التغيير السلمي، فلا غرو أن يكتسب هذا الحوار راهنيته وأولويته ضمن قائمة المواضيع الأولوية المطروحة على موائد المدارسة والمساجلة بين الذوات الفاعلة فكريا وسياسيا واجتماعيا، في ظل ما عرفه العالم العربي من موجة انتفاضية، وانقضاض انقلابي، ومسار انتخابي في عدد من بلدانه.

   إن مسارات التغيير ومساقاته في البلدان العربية، وتداعياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تفرض المسير نحو التأسيس لحوار مجتمعي يحقن الدماء، ويسهم في البناء، فهل يمكن أن تكون لغة الحوار بديلا عن لغة الدماء؟. تساؤل مشروع يشكل هذا المقال محاولة لمقاربة الجواب عنه جمعا وتلخيصا لأطراف الموضوع، وعرضا للفيف من زبد الأفكار، وفصوص الأقوال. ويبقى المجال مفتوحا للباحثين لإغناء النقاش بسطا وتحليلا، واستدراكا وتتميما.

1- دواعي الحوار المجتمعي

     بانت في السنين الأخيرة بشكل جلي أهمية الحوار المجتمعي، وحاجة الوطن العربي لركوب مركبه، وارتسمت في مخيال الشعوب العربية وواقعها البواعث والدواعي الحاملة على نهجه بديلا عن العنف، لذلك يمكن اختزالها في ثلاث سياقات:

السياق الدولي: أهم عناوينه المعلنة هو دعم الغرب للاستبداد ومناهضته لحرية الشعوب، وتغذيته للصراعات، وإذكاؤه للنعرات العرقية والطائفية، إلى جانب تنامي ظاهرة التطرف والغلو الديني، والإرهاب بألوانه وتمظهراته.

السياق الإقليمي: يتلخص في التحولات الإقليمية في الوطن العربي، وما يعرفه من اقتتال داخلي، واصطفاف إديولوجي وسياسي، وانقلاب على الشرعية الديمقراطية بمصر، وقمع شرس للمناهضين للاستبداد المناصرين للحرية…

السياق الوطني: يعرف انتظارات سياسية واقتصادية واجتماعية، تخرج الشعوب من دائرة الاستبداد والفساد والفقر والحاجة، وتتشكل في ثلاثية مطلبية: الحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية.

      هذه السياقات الثلاث المتداخلة والمتشابكة فيما بينها، لا تنفصل إحداها عن الأخرى، والفرقاء السياسيون والاجتماعيون والمدنيون شركاء في الوطن يعنيهم حاضره ومستقبله، ويجمعهم مصير مشترك يحتم عليهم التداعي للحوار المجتمعي والتنادي إليه، فأية أهداف ترجى منه؟  

2- أهداف الحوار المجتمعي

      يعد الحوار المجتمعي إنجازا تاريخيا كبيرا إذا انخرط فيه الجميع، وشمل كل القضايا المجتمعية مرتبة وفق سلم الأولويات، فمن شأن إنجازه تأسيسا ومأسسة، وترسيخا وتعميما، تحقيق أهداف كبرى ذات أثر إيجابي على الفرد والمجتمع والدولة:

– إزالة الجفوة بين الفرقاء، وردم الفجوة بينهم.

– النقد المشترك للماضي، وتشخيص الحاضر، والإعداد المشترك للمستقبل.

– إحباط سياسة التفرقة التي يتقوى بها الاستبداد، إضعافا للفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمدنيين.

– تجنيب البلد معضلة المواجهة الداخلية، وحقن دماء أبنائه، فمن نقاط القوة نبذ العنف، وتبني نهج السلمية في التغيير.

      يمكن تسجيل ملاحظة وجيهة تتمثل في كون أغلب هذه الأهداف محل اتفاق ونقطة التقاء بين فضلاء الوطن وعقلائه، لكن تحققها – على نبلها وتأكد ثمارها- تحول دونه عقبات، وتقف دونه معيقات.

3- معيقات الحوار المجتمعي وعقباته

      ثمة عقبات نفسية وفكرية وموضوعية، تشكل مجتمعة – على ما بينها من تداخل- معيقات أمام نجاح الحوار المجتمعي.

العقبات النفسية: قد تختلف من طرف لآخر، وقد يجتمع بعضها عند البعض، من ذلك مثلا: الأنانية، والتعصب للرأي، وكراهية المخالف، والاعتداد بالرصيد النضالي السابق، إلى جانب المصالح الشخصية والفئوية، والنعرات العرقية واللغوية…

العقبات الفكرية: يدخل ضمنها اختلاف المرجعيات، والانتماءات الإيديولوجية، وسيادة منطق الإقصاء الفكري، والتنميط بسحب المواقف والأحكام المسبقة، وكيل التهم الجاهزة، يضاف إلى ذلك وبشكل أشد حضورا وأكثر تأثيرا اختلاف آفاق التغيير وأسقفه وأولوياته، وبالتبع قد يفضل البعض الانشغال بالمعارك الهامشية والخلافات الفرعية التي تنحط به عن إبصار آفاق التغيير المشترك.

العقبات الموضوعية: يقصد بها العقبات التي تكتنف البيئة المجتمعية والسياسية، من انقسامات وانشقاقات، وتعددية سياسية ومدنية قد تكون شكلية، واحتواء النخب وشراء الذمم، وإقصاء المعارضين، وإفشال الاستبداد فرص التواصل ومحاولات التقارب والتقريب بين الفرقاء.

    إن حضور هذه العقبات في المجتمعات العربية، ينبغي ألا يمنع الفرقاء من اللقاء على أرضية أو أرضيات مشتركة لمصلحة المجتمع. فعلى أية أرضية يتأسس الحوار المجتمعي؟ ما المنطلقات التي ينطلق منها الفرقاء السياسيون والاجتماعيون والثقافيون والمدنيون في حوارهم المجتمعي؟

4- أرضية الحوار المجتمعي

    من الوجيه تقرير بدهية مفادها أن المنطلقات محددة لطبيعة النتائج، ومبوصلة للآفاق، لهذا يجمل بالفرقاء الالتقاء على أرضيات جامعة. فالأستاذ عبد السلام ياسين يرى أن أم الأرضيات الجامعة هي أرضية الإسلام الجامع لأطياف المجتمع، ليكون حوارا بعيد النظر واسع الأفق، يقول: “دعونا من الحوار السياسي الضيق الآفاق القصير النظر. دعونا منه لحظة، جلسة، مرة، حتى نعلم الأرضية التي نجلس عليها نحن وأنتم”[1]، ويفصح عن أرضية الحوار قائلا: “الإسلام وشريعته وأرضيته وسماويته هو ما ندعوكم للجلوس إلى مائدته، لنتكلم، وليسمع بعضنا من بعض، لكيلا يستمر بعضنا لبعض قوة منع وقمع، وليكون بعضنا لبعض عضدا وساعدا في فعل الصالح النافع من شؤون البر والتقوى الذين أمرنا وإياكم في كتاب الله العزيز بالتعاون عليهما”[2]

    إن الالتقاء على أرضية الإسلام الجامعة لا يلغي أرضيات كثيرة يلتقي عليها الفرقاء، منها تمثيلا لا حصرا:

– أرضية وحدة الوطن: فالشراكة في الوطن والمواطنة والغيرة على الوطن جامع يدعو الجميع إلى خدمته وبناء مؤسساته، وحمايته من أي مؤامرة اجتزاء أو اعتداء، لا مزايدة في ذلك لأحد على أحد ولا مفاخرة، يقول الأستاذ راشد الغنوشي: “ينبغي علينا إذن أن نقبل مبدأ المواطنة، وأن البلاد ليست ملكا لزيد أو لعمر أو لهذا الحزب أو ذاك، ولكنها ملك لكل مواطنيها”[3]

– أرضية المروءة: فلا يعدم المجتمع أن يلتقي أبناؤه بُنَاتُه على أرضية المروءة بما هي خلق رفيع وفضيلة نبيلة ينتفع بخراجها المواطنون، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين – رحمه الله-: “على صعيد المروءات، لو كان مع المروءة نصيب من التدين، يكون لنا لقاء مع العقلاء الفضلاء، ويكون لنا تعاون على منع التظالم وحماية الضعيف”[4]

– أرضية حفظ كرامة المواطن من أي امتهان وإذلال، فهي مطلب جامع مشترك.

– أرضية نبذ الظلم والاستغلال، ومناهضة الفساد والاستبداد لضمان الحرية وإقامة العدل، يُرجَحُ الأستاذ ياسين قائلا: “نتفق معكم على أن ديمقراطية نظيفة خير من استبداد وسخ”[5]

    تلكم أهم الأرضيات التي يمكن الالتقاء عليها بين الفرقاء، والمنطلقات التي ينبغي الاتكاء عليها في التأسيس للحوار المجتمعي، وفي مباشرة الفعل الميداني المشترك، لكن الالتقاء على بساطها يتطلب شروطا للإنجاح.

5- شروط إنجاح الحوار المجتمعي

     تعلو أصوات العقلاء في الوطن العربي منادية بفتح حوار وطني مجتمعي يسع الجميع دون إقصاء، ويشمل كل القضايا بدون استثناء؛ حوار سياسي، وفكري وثقافي وتعليمي، واجتماعي واقتصادي، وشبابي، ونسائي، ومدني…، يتداعى له الخبراء كل في مجال تخصصه.

     إن المطمح الأساس للحوار، والركن الركين الضامن للاستقرار هو سعي الجميع بتفان وإخلاص نحو بناء الائتلاف في المشترك، وتدبير الاختلاف في المختلف، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتحقق شروط أبرز عناوينها:

– تثمين المبادرات الجادة لتعزيز فرص التواصل والتلاقي وطنيا ومحليا بين الهيئات والجمعيات والشبيبات والنقابات…

– الاقتناع بكون تعدد الرؤى والمناهج والمشاريع عامل بناء وإغناء، لا داعي إقصاء وازدراء، ما دام يؤسس لتنوع الاختلاف والتعاضد لا تنوع التنافر والتضاد، يقول محمد عابد الجابري – رحمه الله-: “يجب فسح المجال لحرية التفكير، لحرية المغايرة والاختلاف”[6].

– البحث عن المشترك لتحديد القواسم المشتركة، والجوامع الجامعة.

– تحديد مجالات الاختلاف، وضبط حدوده وآليات تدبيره، تسلحا بالعلم بقضايا الخلاف، وبمراتبها ومدارجها من حيث إكراه الزمن وأولوية الحاجة المجتمعية، قصد “البناء العلمي للمجتمع التعددي لتجاوز الأزمات بدل التركيز على العامل الخارجي”[7] والتحول من منطق التعارض إلى منطق البناء المشترك غير الملغي للاختلافات، والمرسخ لقيم التنافس الشريف خدمة للصالح العام.

– التعاون في مساحة المشترك لتحقيق الروح الجماعية، يقول طه عبد الرحمن بلغته الأخاذة: “الذي يغلق باب الحوار أو يخل بأدبه يميت في نفسه روح العقلانية النافعة…ومن يميت هذه الروح يقطع الأوردة التي تحمل إليه هذه المعرفة الممتحنة، فيحرم نفسه من إمكان تصحيح وتوسيع مداركه، فيضيق نطاق عقله ويتسع نطاق هواه (…) وليس هذا فحسب، بل إنه يميت في نفسه وفي غيره روح الجماعة الصالحة (…) ومن يميت هذه الروح يسد المسالك التي تنقل إليه العمل المشترك، فيحرم نفسه، من تقويم أفعاله وتهذيب أخلاقه، فتقوى دواعي الاستئثار في نفسه وتضعف دواعي التعاون فيها”[8]

– التحلي بآداب الحوار من صدق وإخلاص ومحبة لتكسير الحواجز النفسية، واعتراف متبادل واحترام وإنصاف، وبُعد عن التجريح وثلب الأعراض، والتشكيك في النيات لبناء علاقات سليمة.

– إشراك حقيقي للشعب في النقاش والحوار المجتمعي بكل أنواعه، وفي كل أطواره ومراحله، وفي اتخاذ القرارات، وصياغة الميثاق.

خاتمة

       يشكل ما سبق بيانه مهادا لعرض ثلاثة آفاق كبرى متشابكة للحوار المجتمعي باعتباره مسلكا للتغيير، وهي:

– إيجاد اصطفاف مجتمعي بما هو عامل استقرار هام في بناء عملية سياسية واضحة، تحقق الإصلاح السياسي والإقلاع التنموي.

– تحقيق معادلة الحرية في إطار الاستقرار.

– درء مفسدة الاقتتال الداخلي، وجلب مصلحة السلم الاجتماعي.


[1]. عبد السلام ياسين، حوار الماضي والمستقبل، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1997، ص 24.

[2]. عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1996، ص 340.

[3]. راشد الغنوشي، دولة المواطنة، “الدين والدولة في الأصول الإسلامية والاجتهاد المعاصر”، مجلة المستقبل العربي، عدد 406، دجنبر 2012، ص 22.

[4] . عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1994، ص 107.

[5]. المرجع نفسه، ص 69.

[6]. محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، ط 2، 1991، ص 374.

[7]. محماد بن محمد رفيع، ربيع الشعوب العربية وأصول تدبير المرحلة، مجلة منار الهدى، الكتاب الأول: الربيع العربي وأسئلة المرحلة، مطبعة جودة، ط 1، 2012، ص 43.

[8]. طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل، منشورات الزمن، عدد 13، أبريل 2000، ص 6-7.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق