المقالات

الحوار الحضاري والعيش المشترك(أحمد الفراك) ج4

الفصل الثاني: الهوية الثقافية وأسس  الانفتاح الحضاري

ما يظهر في عالمنا المعاصر من مظاهر ترذيل الإنسان لإنسانيته وتتبيره لأعماله حتى قيل إن “الكائن المعاصر مدان حتى تثبت براءته[1]، لـمَّا أمسى يعيش في عالم قابيلي[2] عنيفٍ الصفاتُ الغالبة عليه -في نظر الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن- هي أنه عالم المصالح المادية الخالية من الأخلاق، وعالم التنازع والنفاق، لا يمنع من أنه يحافظ في ذاكرته وذكرياته، و يحفظ من صميم مصلحته في حاضره ومستقبله حاجة قائمة إلى عالمٍ لا يتظالم فيه الناس ولا يُضامون في حقوقهم واختياراتهم، وهو النداء الذي تجأر به في كل زمانٍ فئاتٌ تنادي إلى حكمة الحياة الائتمانية المشتركة بين الجميع، وتلك الفئة هي “البقية الصالحة” التي يستقلّها الله من كل أمة ومِلة، بقيةٌ تنادي العالمين من غفلاتهم إلى الخير المشترك، وتمانع الظلم والعدوان وتنهى عن السوء والفحشاء والمنكر، وتسعى لدفع قيم الاستفساد والتخسير والتتبير في الأرض، قال الله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود:116-117).

الحوار الديني والمشترك الذي لا تختلف فيه الملل

جميع الأسئلة الـمُلِحة والمشكلات المطروحة المتعلقة بقضايا الإنسان المعاصر تتسم بالكونية وتنسحب على جميع الثقافات تأثيرا وتأثراً، ونظرا لأهمية الاعتقاد الديني في الاجتماع البشري وتأثيره في قلب جميع مجالات الحياة، ينصبُّ الاهتمام عليه من مختلف التخصصات ومن جميع المناحي، لذلك نلاحظ تنظيم العديد من المؤتمرات والملتقيات الدولية، وإصدار ما لا يحصى من الوثائق والإعلانات والاتفاقات، فضلا عن غزارة البحث والتأليف والدراسة في ما يعنى بموضوع “المشترك الديني”، غير أن الحكمة القاضية بتعايش الجميع على نفس المسافة من بعضهم البعض، هي الاقتناع بأنه “لا إخلاص لمعتقد ما، ولا وسيلة لحمايته، إلا بقدر ما يسود التسامح بين مختلف المعتقدات، شريطة ألا تعارض أية واحدة منها القيم العليا الشمولية المشتركة”[3].

لذلك لا يمكن الحديث عن المشترك الإنساني بهويات منفتحة دون التأسيس له على مستوى الدين[4]، فلقد “بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة”[5]، مع العلم أن “جميع الأنبياء وأممهم كانوا مسلمين، لأن الدين عند الله الإسلام في كل زمان ومكان. وقد أخبر الله عن نوح وإبراهيم وإسرائيل إلى الحواريين أنهم كانوا مسلمين مؤمنين”[6]، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(البقرة:127- 134)

لا شك إذن في أن الدين عند الله واحد لا تعدُّد في أصله، وهو الإسلام العام في جميع الرسالات النبوية، وعند جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، والوحي يدعو المسلمين إلى أن يقولوا: (َآمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:40)، ولا يتعارض هذا مع ما يميز  كل كتاب عن غيره، وما لحق به من تفسيرات أو تحريفات أو توجيهات…وهذا الأساس المشترك من “الهدى والنور” يشكل إطارا ومرجعا دينيا للتفكير في المشترك وبناء حضارته مع أهل الأرض قاطبة على الأسس الفلسفية الكبرى التي تحملها المطالب الكلية للدين، فيُبنى “المشترك الديني” على الإيمان بالله الذي “لا إله إلا هو” الذي خلق الإنسان من نفس واحدة نفخ فيها من روحه، ثم يسر له السعي التعارفي والتعاوني لإقامة العمران حيث تُقضى حاجات الخلائق وتتحقق بينهم المؤانسة والمخالقة بتعبير طه عبد الرحمن.

الأسس الأخلاقية المشتركة وقيم التعايش الحضاري

بالتواصل مع الغير يسقط الاستعلاء الوهمي كما يؤكد موريس ميرلوبونتي[7]، إذ العالم اليوم في حاجة إلى تفكير ينتشله من ظلمات الهوى والتدسية والخسران، وينيره بقيم البناء والهداية والتصديق على جميع القيم الأخلاقية المشتركة التي توارثتها البقية الصالحة من الأمم السالفة والحالية، وتتميمها بالقيم الفاضلة والتجارب النافعة مما أفاء الله به على عباده تسخيرا وتيسيرا، وما هذه القيم إلا أثارات الدِّين التي حافظ عليها الناس وتناقلها صالحوهم جيلا بعد جيل. وهي قيم كلية تتسع لجميع الأفعال الإنسانية سواء المتعلقة بذات الفرد في خويصة نفسه، أو بعلاقة الفرد أو الجماعة بالآخرين، أو بالبيئة الطبيعية أو بالعمران؛ وعن تلك القيم الكبرى تصدر قيم الصدق والأمانة والأخوة والتراحم والتبادل والسلم والتعاون، وهي أيضا مشتركة وخالدة، منسجمة مع الفِطَر السليمة والعقول الحكيمة.

وفي مقابل ذلك يذم الدين جميع الفواحش والرذائل، ما ظهر منها وما بطن؛ القتل والظلم والخيانة وشهادة الزور والحقد.. لألا يُهان الإنسان وهو مُكرَّم، ولا يطغى وهو مؤتمن، ولعل هذا هو ما يقصده هانس كينغ بقوله: “هناك قناعة لوحدة أساسية للأسرة الإنسانية وللمساواة ولقيمة كل البشر، هناك شعور بعدم المس بالفرد وضميره، هناك شعور بقيمة المجتمع الإنساني، هناك إقرار بأن القدرة لا تتوافق مع الحق، وبأن القدرة الإنسانية لا يمكنها أن تكفي ذاتها، وأنها ليست مطلقة، أن الإيمان والحب والرأفة والترفع وقوة الروح والصدق هي كلها في النهاية أقوى من الحقد والضغينة والأنانية، هناك شعور بواجبنا أن نكون إلى جانب الفقراء والمظلومين ضد الأغنياء والظالمين، هناك أمل عميق بأن الإرادة الطيبة في آخر الأمر ستنتصر”[8]، هذه الإرادة الطيبة مفتاح لكل خير يعم الإنسانية…

الدين نفي للإكراه أم إثبات له؟

بـ”نفي الإكراه في الدين”، وقَبول “الاختلاف في التدين” تثبت الحرية الأصلية للإنسان في الاعتقاد وفي السلوك الاعتقادي، إذ “الحرية وصف فطري نشأ عليه البشر، وبه تصرفوا في أول وجودهم على الأرض، حتى حدثت بينهم المزاحمة، فحدث التحجير”[9]. حينذاك دعت الحاجة إلى إنزال الكتب وإرسال الرسل لبيان منهاج الحياة الطيبة الآمنة التي يمشي فيها الإنسان على صراط مستقيم فاعلا للخير نافعا للغير، لا مُكبا على وجهه ظالما لنفسه ولغيره.

ولا يمكن للإنسان أن يكون حرا إلا إذا كان قادرا على اختيار أفعاله، إذ على حريته تترتب مسؤوليته على تلك الأفعال، يقول ابن باجة: “الأفعال الإنسانية الخاصة به هي ما يكون باختياره. فكل ما يفعله الإنسان باختيار فهو فعل إنساني، وكل فعل إنساني فهو فعل باختيار. وأعني بالاختيار: الإرادة الكائنة عن روية”[10]. لكن حريته كما يؤكد ابن رشد رهينة بضرورة مواتاة الأسباب الداخلية، أي القدرات الذاتية للفرد، والأسباب الخارجية “التي سخرها الله مِن خارج”، ويعني نظام الكون المقدر مِن الله، وهي قدرات وأسباب يستحيل إلغاؤها أو تجاهلها، بمعنى أن حريته مقرونة بإرادته ومسؤوليته من جهة ومشروطة بمختلِف الحتميات البدنية والكونية التي تحدد وجوده من جهة ثانية. يقول ابن رشد: “الأفعال المنسوبة إلينا إنما يتم فعلها بإرادتنا وموافقة الأفعال التي من خارج لها”[11]، وهذا يفيد أن حرية الإنسان ليست مطلقة ولا نظرية، وإنما هي اختيار عملي ومواتاة ومسؤولية؛ اختيار مختلف الأفعال والأنشطة التي يتوقف عليها العمران، ومواتاة الأسباب الطبيعية والعقلية والعرفية التي بها تستقيم الحياة، وتحمل مسؤولية العمل قصد تقويمه ومجازاة فاعله، قال الله تعالى: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(الصافات:39).

يكفل الدينُ الحرية الدينية للشخص ولا يجبره على عقيدة محددة، بل يدعه يختار ما يشاء دون إكراه، لكنه يحمله مسؤولية ذلك الاختيار. فلكل إنسان الحرية في اختيار العقيدة التي يؤمن بها وفي أن يمارس شعائرها، أو أن ينتقل من عقيدة إلى أخرى بحسب اقتناعه وإيمانه، إذ الإكراه باطل من أصله إن في الاعتقاد أو في عدمه، قال الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة:255)، فلا يجوز حمل الناس كرها على الدين فبالأحرى على عقيدة بعينها لأن ذلك مخالف لحكمة الله في خلقه وهو الذي جعل منهم المؤمن والكافر، البر والفاجر، التقي والشقي، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(يونس:99). وغاية الدين أن يبين السبيل دون أن يلزم الناس به أو ينفي وجود باقي السبل.

الدين الحق تحرير للأفراد والجماعات من الخوف على الأنفس والأقوات والملكيات، وعيش مشترك بين جميع أفراد النوع الإنساني في بيئة عمرانية متآخية متعاونة، بعيدا عن كل أشكال العنف والصدام والحرب. يقول سعيد شبار بهذا الصدد: “انخراط الثقافة الإسلامية في القضايا الكونية والإنسانية المشتركة بإمكانه أن يؤدي دورا مهما في تحريرها من التحيزات المختلفة، خاصة إذا اصطحبت في هذا الانخراط نفسا إصلاحيا تجديديا ذاتيا… انطلاقا من الأصول الكلية المستوعبة: التوحيد، العدل، الحرية. واستشعارا بالقدرة على العطاء في الأفق العالمي لافتقاره إلى ما نملك ولا يملكه. كافتقارنا في حالة الضعف إلى ما يملك ولا نملكه.”[12]


[1]– بنعبد العالي، عبد السلام. امتداح اللافلسفة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 2010، ص43

[2]–  طه، عبد الرحمن. سؤل العنف بين الائتمانية والحوارية، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1، 2017، ص 12

[3] – الحبابي، محمد عزيز. أوراق غدوية، الدفتر الأول: أزمة القيم، دار المعارف، القاهرة، ط1، 1991، ص 81

[4]– ينظر: الفاروقي، اسماعيل. “الأساس المشترك بين الإسلام والمسيحية”، مجلة العلم والإيمان، العدد 6، 1396/1976، ص64-87.

[5]– البغوي، الحسين بن مسعود. معالم التنزيل (تفسير البغوي)، دار طيبة، الرياض، 1409ﻫ/ 1989م،4/122

[6]– ابن تيمية، أحمد عبد الحليم. الرد على المنطقيين، تحقيق عبد الصمد شرف الدين الكتبي، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1426ﻫ/ 2005م، ص 587

[7] – ميرلوبونتي، موريس. (1908-1961) فيلسوف فرنسي  معاصر. من أهم كتبه بنية السلوك” و”وفينومينولوجيا الإدراك”، ومهمة الفلسفة الفينومينولوجية في نظره هي تحقيق الرجوع إلى عالم الحياة الأصلي والبدئي وفي “العودة إلى الأشياء ذاتها”. (https://ar.wikipedia.org)

[8]– هانس، كينغ. مشروع أخلاقي عالمي، دور الديانات في السلام العالمي، ترجمة: جوزيف معلوف وأورسُولا عسَّاف، دار صادر، بيروت،ط1، 1998م، ص 117-118

[9]– ابن عاشور، محمد الطاهر. أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، دار الكتاب، تونس، ط1، 1977م، ص 162.

[10]– ابن باجة، أبو بكر محمد بن يحيى. تدبير المتوحد، ضمن رسائل ابن باجة الإلهية، تحقيق وتقديم ماجد فخري، دار النهار للنشر، بيروت، ط 1، 1968م، ص 46

[11]– ابن رشد، محمد أبو الوليد. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 2، 2001م، ص 188- 189

[12]– شبار، سعيد.”من مظاهر التحيز في العلوم الإسلامية”، مجلة الإحياء، المغرب، عدد:29، 1430ﻫ/2009م، ص103

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق