المقالات

الحرب والتحولات التاريخية: تأملات في زمن البعثة الأولى والانبعاث الثاني (سمير زردة)_2_

في الجزء الأول من هذا المقال، توقفنا على الدور التي لعبته الحرب في إحداث تحولات استراتيجية في زمن البعثة الأولى. في هذا الجزء نحاول تتبع انعكاسات الحروب على واقع أمتنا اليوم الذي يشبه سياق البعثة الأولى، وكيفية التفاعل مع هذه المتغيرات في زمن الانبعاث الثاني الموعود.

-الدول الإسلامية اليوم…

ما أشبه اليوم بالأمس مع فارق الزمان والمكان والتطورات، وثبات سنن الله الجارية في ملكه “ولن تجد لسنة الله تبديلا” دول إسلامية غارقة في الفتن والتخلف والتجزئة والضعف والهوان، أوصاف لن ترقى كلها للوصف الذي لخص به من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم حال الأمة “ولكنكم غثاء كغثاء السيل…” الغثائية مرض الطفوح والتفرق وخفة الوزن، وهي صفات ما لا قيمة له ولا أثر، وأنظمة مستبدة فاسدة تابعة للاستكبار الصهيوني العالمي، تكبح طموح أمة تتطلع للانعتاق والتحرر من جديد، أنظمة رهنت قرارها السيادي بأيدي أعداء الأمة، وتحالفت معهم ضدا على إرادة الأمة وقواها الحية في انبعاث جديد موعود بإذن الله…

بشارة الانبعاث الموعود

نبهنا فيما سبق من هذا المقال على حضور البشارة في حركة الأنبياء والمرسلين التغييرية ومن سار على منهاجهم من المجددين الكمل، والأحاديث النبوية زاخرة بالبشائر لهذه الأمة، منها ما تحقق كفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح التي بشر بها رسول الله صلى الله في حديث: “لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش جيشها” ومنها ما لم يتحقق بعد، مثل قتال المسلمين لليهود بعد علوهم الثاني وهزيمتهم، ومجيء المهدي المنتظر، وعودة الخلافة الثانية، ونزول عيسى عليه السلام، كلها بشارات أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن البشائر التي نؤمن بها ونسأل الله أن يجعلنا ممن ينزل على أيديهم قدره؛ ذلكم الوعد القائم بعودة الخلافة الثانية على منهاج النبوة الوارد في الحديث الذي صححه الإمام أحمد في مسنده.
ويبقى الخلاف بين المؤمنين في الموضوع قائما، ومنه تحديد زمن تحقيقها، لكن في النهاية يبقى الأمر موكولا لتقدير واجتهاد كل واحد في الموضوع

العالم في مخاض عسير…

مشهد سياسي عالمي ينذر بتحولات كبيرة في نظام أحادي القطبية يقوده الغرب بزعامة الولايات المتحدة الامريكية، نظام استكباري وفر غطاء سياسيا للاستبداد في بلادنا مقابل حراسة مصالحهم، ومنع “الخطر الأخضر” (الإسلام) من انبعاث جديد.
إن التطورات العسكرية الأخيرة التي يشهدها العالم ليست تطورات عادية، بل لها ما بعدها. فهي تشكل في نظري بداية تحول كبير في مستقبل النظام العالمي ينبئ بولادة نظام جديد متعدد الأقطاب، يلغي سيطرة الغرب بزعامة أمريكا التي دامت لعقود على القرار الدولي، أكيد لن ينام العالم ويستيقظ على نظام جديد، كما أن النظام الحالي ليس بذلك الضعف الذي سيدفعه إلى التخلي عن مصالحه ومواقعه المتقدمة التي تضمن بقاءه في صدارة المشهد العالمي. هذه التطورات لن تكون إلا بداية المخاض الذي تتلوه أوجاع هنا وهناك تدخل العالم في صراع المواقع وحرب استنزاف طويلة قد تبتدئ بالوكالة لتأخير المواجهة الحتمية. انشغال الاستكبار في مواجهة بينية لن يصب إلا في مصلحة الشعوب المسلمة التواقة للحرية والانعتاق من قبضة الأنظمة المستبدة التي لن تجد مع تنامي الصراع نفس الدعم والغطاء الذي كانت تحظى به من قبل الغرب، ينضاف إلى ذلك التكلفة الباهظة المترتبة عن هذا الصراع والتي ستستخلص من جيوب المستضعفين، مما سيساهم في تشكل موجة الغضب العارمة التي ستأتي على الاستبداد.

وتسنح فرصة…

في ظل هذا السياق الدولي المنتظر، سيبقى العامل الذاتي لقوى التغيير في الإعداد والاستعداد والتقاط الإشارة في الوقت المناسب حاسما لقلب المعادلة لصالح الشعوب المستضعفة، للأخذ بزمام المبادرة حينما يستيقظ الوعي الشعبي، وتنكشف لعبة الأنظمة العميلة…
هكذا يلتقي العامل الداخلي بالعامل الخارجي، يلتقي القدر الشرعي بالقدر الكوني، فيأتي النصر والتمكين، ومعنا الوعد القائم بأن المستقبل للإسلام والمسلمين بإذن الله.
العالم الإسلامي اليوم صورة مكبرة لما كانت تعيشه مكة قبل تحولها للإسلام من ضعف سياسي واقتصادي، وتفكك اجتماعي، وتحلل أخلاقي، وتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية السائدة آنذاك. والظروف السياسية والتحولات الاستراتيجية التي يشهدها العالم اليوم والتي تهيئها أقدار الله الكونية، شبيهة بتلك التي كانت في سياق البعثة الأولى للإسلام، تحولات كلها تعضض إيماننا ويقيننا وتصديقنا بوعد الله القائم لأمة رسول الله بالعودة الثانية للإسلام، عودة الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق