المقالاتغير مصنف

الحرب والتحولات التاريخية:تأملات في زمن البعثة الأولى والانبعاث الثاني(سمير زردة)_1_


نريد في هذه التأملات أن نقف على ما هيأته الأقدار الكونية من عوامل خارجية، وظروف سياسية، وتحولات الاستراتيجية، ساهمت إلى جانب العوامل الداخلية، في انتصار الإسلام أثناء بعثته الأولى، تحولات كان لمسار الحرب الطويلة التي دارت رحاها بين الإمبراطورية الرومانية والامبراطورية الفارسية، دورا مهما هيأ الظروف المواتية لهذا الظهور، كما نسعى إلى الوقوف مع ما يعتمل من أحداث متسارعة تريد إعادة ترتيب خريطة المواقع بين الأقطاب السياسية المهيمنة، وما سيكون لها من انعكاسات على الدول الإسلامية التي يشبه وضعها الداخلي والسياق الخارجي، زمن البعثة الأولى.

مكة بين يدي البعثة …

في مكة، تلك القرية النائية وسط شبه الجزيرة العربية، الغارقة في جهلها وضلالها، البعيدة عن الأنظار، لم تكن لتعرف لولا الكعبة المشرفة، البيت العتيق الذي ارتبط ذكرها بذكره، مكان بعيد عن الحضارة والمدنية والتأثير في المشهد السياسي العالمي أنداك، لا شيء فيها يغري بجعلها محط أنظار القوى المؤثرة، إلا كونها محطة عبور للقوافل التجارية بين اليمن والشام، جعلت من التجارة النشاط الاقتصادي الرئيسي لقريش، إلى جانب ما توفره السياحة الدينية من مداخيل؛ نشاطان أساسيان هيآ الظروف لتشكل طبقة من المترفين أوكل إليها أمر السلطة، وطبقة من الفقراء يشكل العبيد قاعدتها الواسعة.
في ظل هذه الظروف الخاصة بقريش الوثنية المترفة الغارقة في ظلم وظلام الجاهلية، وبعيدا عن أنظار القوى المهيمنة؛ الفرس والروم التي دخلت في حروب طويلة، كانت البشرية على موعد جديد مع النور الذي سيمحو الظلام، ويغير وجه العالم، ويعيد رسم خريطة المشهد الدولي، بظهور فاعل جديد سيكون له حضور وازن ومؤثر؛ إنها دعوة الإسلام بقيادة خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

سورة الروم والحرب العالمية بين الفرس والروم…
بالإضافة إلى حالة الاستعلاء التي كانت عليها قريش، شكلت الظروف الدولية المتمثلة في الحرب المستمرة التي كانت مشتعلة بين الفرس والروم، عاملا إضافيا ساعد على ضمان مصالح قريش التجارية مع الإحساس بحالة التفوق المعنوي، للتنكيل بالدعوة الوليدة وأتباعها، فقد كانت كفة الحرب تميل لصالح الفرس الذين سيطروا على الطريق البحرية لليمن وكامل البحر الأحمر مع ظهور الإسلام، ما يعني اضطرار الروم للطرق البرية في تجارتها، وهو الأمر الذي كان يخدم المصالح التجارية والاقتصادية لقريش، بإنعاش قوافل التجارة البرية التي تمر بمكة الى الشام ومنها الى اليمن، في المقابل، سيطرت الروم على الطريق البحري، تؤدي الى ضعف الاعتماد على القوافل البرية، ما يعني تضرر المصالح التجارية لقريش، لهذا فمصلحة قريش كانت مع انتصار الفرس وإبقاء هيمنتها على الطرق البحرية والعكس صحيح.
نظرا لقوة ارتدادات الحرب الدولية على مشهد الصراع الدائر بين المسلمين والمشركين في مكة، ومع حالة الانتصار المعنوي الذي تشعر به قريش جراء انتصار الفرس الوثنية، واستمرار بسط نفودها على المنطقة في ظل هذه الأجواء العصيبة على الدعوة الوليدة، جاء الوحي في سورة “الروم” في السنة الثامنة للبعثة مبشرا للمؤمنين – بعدما بلغهم خبر هزيمة الجيش الروماني في الشام – بتحول استراتيجي في مسار الحرب وانتصار الروم في بضع سنين، قال تعالى: “الم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله…”. لقد كان للبشرى حضور مركزي في حركة الأنبياء والمرسلين ومن سار على منهاجهم، رسائل من الغيب للتثبيت وتحفيز المؤمنين للمضي قدما في الدعوة بنفسية الموقن في النصر، هذه الآيات من سورة الروم، هي إحدى البشريات الكثيرة التي واكبت تاريخ الدعوة الإسلامية، بشرى قلبت موازين الحرب النفسية، وأكسبت المؤمنين تفوقا استراتيجيا يبشرهم بأن المستقبل لهم، وأن نهاية هذه الحرب المحددة في “بضع” – والبضع من ثلاث إلى تسع سنين- ستكون نتائجها في صالح المؤمنين، يومئذ يلتقي الجهد الذاتي الذي يبذله رجال الدعوة في معركة بدر، بالسياق الدولي المناسب الذي تهيئه الأقدار الكونية، والمتمثل في انتصار الروم على الفرس، فيفرح المؤمنون بنصر الله المؤزر على عدوهم.

معركة البدر، وبداية التحول…
التقط العقل الاستراتيجي للنبوة إشارة الغيب بقوة، فعمل بعد الهجرة مباشرة على تهديد شريان الحياة بالنسبة لقريش والمتمثل في الطريق التجارية التي تربط مكة باليمن، حيث أرسل حوالي سبع سرايا في ظرف وجيز لتقصي أوضاع الطريق التجارية الرابطة بين يثرب ومكة، تحركات كان الغرض منها إرسال إشارات لقريش بأن الوضع تغير، وأن زمن ما بعد الهجرة ليس كسابقه، وأن الطريق التجارية التي تعتمدون عليها لم تعد آمنة.
جاءت معركة بدر في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة الموافق لمارس 624 م لتعزز هذه الحقيقة، حيث بلغ إلى علم رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج أكبر قافلة لقريش بقيادة أبي سفيان في اتجاه الشام. فلما بلغ أمر خروج المسلمين لاعتراض قافلة أبا سفيان، أرسل في طلب العون من قريش التي لبت النداء بالخروج في جيش كبير لحماية أموالها، فكانت أول مواجهة بين المسلمين والمشركين في موقعة بدر التي انتهت بانتصار ساحق المسلمين.
في الوقت نفسه، وبعد مرور سبع سنوات من بشرى سورة الروم، تشهد ساحة الحرب الدولية بين الفرس والروم تحولا دراماتيكيا انقلبت فيه الموازين لصالح الروم، حيث قام هرقل في هذه السنة 624م بحركة التفافية على الفرس من جبهة أذربيجان، حيث باغت الفرس فهزمهم فوصل عاصمتهم المدائن في ظرف وجيز، بلغ خبر تحقيق الوعد الإلهي للمسلمين، حينها اكتملت فرحتهم بنصر الله لهم في بدر، وانتصار الروم الذي كان يصب في صالحهم، لتسريع وثيرة سقوط قريش، وهو ما كان بعد ست سنوات حيث الفتح الأعظم لمكة في رمضان من السنة الثامنة للهجرة.
يتبع…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق