المقالات

الجابري مهندسا للعقلانية والحداثة(محمد الشرقاوي)_3_

سؤال الحداثة

قد يكون سؤال “كيف نتعامل مع التراث” سؤالا متعدّد الأبعاد، لكنه يثير سؤالا آخر موازيا: “كيف نتعامل مع عصرنا؟”. هما وجهان لعملة صعبة في تعامل العرب مع المرحلة المعاصرة من التطور البشري العالمي. يقول الجابري إنّ لكلا السؤاليْن بعدا فكريا وآخر عمليا. فهو من جهة يطرح مسألة الانخراط الواعي النقدي في الفكر العالمي المعاصر، وهو من جهة أخرى يطرح الشروط العملية التي يقتضيها الانخراط في الحضارة المعاصرة من إقامة مؤسّسات ديمقراطية واعتماد تنمية مستقلة وغرس للعلم والتكنولوجيا.” وكما يذكر الجابري في مقدمة “التراث والحداثة” إنّ سؤال “الحداثة” سؤال متعدّد الأبعاد، سؤال موجّه إلى التراث بجميع مجالاته، وسؤال موجّه إلى الحداثة نفسها بكلّ معطياتها وطموحاتها… إنّه سؤال جيل بل أجيال… سؤال متجدّد بتجدّد الحياة.”

في المقابل، تنطوي إشكالية “الأصالة والمعاصرة”، كما يسمّيها الجابري، في الفكر العربي الحديث والمعاصر على عبثية ما حاوله مفكّرو النهضة للتوفيق بين الماضي والمستقبل: “الماضي العربي الإسلامي الذي يقرؤون صورته النموذجية في التراث، والمستقبل العربي الذي يقرؤون صورته النموذجية علوم الغرب وتقنياته ومؤسّساته” كما يقول في كتابه. ولا تزال متاهتنا مع مسلسل ما سميّ “الربيع العربي” منذ قرابة عشر سنوات، وحتى تأمّلاتنا حاليا في كنف الكهف الكوروني المفتوح زمنيا والرمادي في تعاظم الشعور الفردي والجماعي بالقنط والانحباس النفسي، تجسّد انفصام الهويات وتباين التمثلات الذهنية للواقع العربي عام 2020.

لا يزال الوعي العربي بدوره انفصامي الشخصية بين “الوعي المؤسّس على “الاغتراب” الرّافض للتراث، نتيجة الاستلاب الحضاري الذي رسّخه الغرب المتقدّم – والمستعمر- في مجتمعنا، والوعي المؤسّس على “الاغتراب” الذي يقرأ في التراث العربي والإسلامي كل إيجابيات الحضارة الغربية الحديثة من علوم وتقنيات ومؤسسات سياسية واجتماعية.” ويدعو الجابري أيضا للاحتراس من التسرّع أو الهرولة نحو محاولة الحسم بين الخيارين. ويحذر من أنّ “الذين يلغون التراث، هكذا بجرة قلم أو بشطحة فكرية، واهمون لأن التراث لم يكن أن يتم إلا بتحقيقه، والذين يطالبون بتحقيق التراث، هكذا بجرّة قلم أو بوعظة حسنة واهمون أيضا، لا، تحقيق التراث لا يتم إلا بإلغائه.”

بانتظار القطيعة المعرفية

في زمن الحجر الصحي، أصبحنا بمثابة أهل كهف ينقصهم كلبهم في قبضة الجائحة الكورونية الممتدة في المكان والزمان، يتعثر الطب وعلم الأوبئة في تحديد أصل الفيروس وطرق انتقال العدوى، ناهيك عن تحديد لقاح فعّال مناسب. وقد تشكل اللحظة المرتقبة لخروجنا من الكهف الكوروني متاهة معرفية وبنيوية وحضارية لم يشهدها التاريخ البشري من قبل. لم يقدم الطب وعلم الأوبئة أجوبة شافية عن طبيعة تركيب الفيروس، ولا السّبل الكفيلة بمنع العدوى وهل تتمّ بفعل الاقتراب بين الأجساد أم بفعل أمور غريبة تنتقل في الهواء، ناهيك عن الحديث عن تصميم لقاح أو علاج فعال في المستقبل المنظور. تساوت الدول الفقيرة والدول العظمى في معاناة تبعات الجائحة، وكيف ستعود البشرية إلى تنظيم علاقاتها الاجتماعية وتفاعلها الحميمي والحركة في المجال العام، في الشارع والحافلة، في المكتب وقاعة التدريس في المدارس والجامعات، وكيف ستبني المجتمعات استراتيجيتها في مجال الصحة العامة وسياسات التنمية وتوفير مخزونات الكمامات وأسرّة العناية المركزة في المستشفيات، وسبل الإقلاع الاقتصادي من جديد.

حقبة كورونا تكشف سلبيات إضافية في عدم القدرة على الاستشراف بالتحديات المختلفة ومنها جمود الحركة في العالم تقريبا بسبب الجائحة. لكن من محاسنها أنّ تؤكد أن العرب والمسلمين جزء من هذه البشرية. حقبة كورونا وتعثرات ما بعد انتفاضات 2011، وتعثر مشروع النهضة العربية قبل أكثر من قرن وغيرها من اللحظات المفصلية في التاريخ تحثنا مجدّدا على عدم الاعتداد بالاستثناء العربي أو الإسلامي. وقد أكد الجابري أن “التاريخ الإسلامي لا يشكل حالة شاذة في التاريخ البشري، بل هو جزء منه.” ويضرب مثالا على ضرورة فهمه على أساس أنه ترابط التاريخ العربي/الإسلامي مع التاريخ العالمي كالفلسفة الصحيحة التي “تستقى من التاريخ نفسه، لا من خارجه. مثلما أن الفيزياء الصحيحة تستقى من الطبيعة نفسها لا من خارجها.”

هي مرحلة جديدة تستدعي مسح الطاولة وتركيب السياسات العامة وهندسة واقع ما بعد كورونا جملة وتفصيلا، أو البدء على صفحة بيضاء أو الحاجة لنظرية tabula rasa وإعادة النظر في السجال المفتوح بين فرضية الطبيعة ونظرية التأقلم nature versus nurture. هكذا تظهر الحاجة مجددا لمفهوم القطيعة المعرفية أو الإبستمولوجية التي نادى بها الجابري ليس في تفكيك الماضي فحسب، بل وأيضا في تركيب المستقبل بثوابت علمية جديدة. لا نحتاج لأن تكون قطيعة إبستمولوجية عربية فحسب، بل عالمية أيضا بعد أن أخفق العلم الغربي في كشف خبايا الوباء، وفشلت الولايات المتحدة وبقية المنظومات الصناعية الرئيسية في توفير كمامات وأسرّة ولقاحات وإيقاف مدّ الوفيات المتواترة في ولايات نيويورك ونيوجيرزي وغيرهما.

يعتد الجابري بأهمية الإبستيمولوجيا ليس كمدخل لتركيب معرفة جديدة فحسب، بل وأيضا كبعد استراتيجي وحضاري في وجود الذات العربية والإسلامية إزاء ذوات أخرى تفوقّت في مجالات مختلفة من تطور العلوم والتكنلوجيا وإعادة تفكيك الماضي برؤى نقدية تخرج من قبضة السلطوية والماضوية. فهو يقول إنّ الاستفادة المرتقبة من الإبستيمولوجيا المعاصرة في التعامل مع تراثنا تعاملا نقديا كبيرة جدا “لأننا نكتسب من خلالها روحا نقدية أولا، وثانيا نكتسب خبرة من خلال الممارسة النقدية للعلم ولتاريخ العلم، نتسلح بمفاهيم، بأدوات عمل، نستطيع توظيفها في تراثنا توظيفا واعيا. طبعا مع احترام المجال الذي نوظفها فيه، وعدم تحميل المفاهيم ما لا تحتمله، الشيء الذي تمنعنا منه الإبستيمولوجيا نفسها، من حيث نقد المفاهيم، ولهذا النوع من التوظيف للمفاهيم.”

نستحضر الجابري، ومن خلفه ݣاستون باشلار اللاهث خلف علم حقيقي ولويس ألتوسير المتحمس لها في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وميشيل فوكو المتمرد على البنيوية وتجليات القوة في منحاها الثقافي والاجتماعي، وليس السياسي فحسب. فالجابري وغيره من هؤلاء الداعين للمراجعة النقدية الصارمة هم رجال المرحلة، وطبيعة التحديات الماثلة عند بوابة كهف كورونا تكشف كنه تحمّسهم للقطيعة المعرفية، وتظل دعوتهم متجددة لتلك القطيعة مادام أن عصر ما بعد كورونا لن يكون كما كان وضع العالم قبل تفشي الجائحة.

تأملات الكهف الكوروني تنطوي على لحظة مفصلية عالمية بهوية مشتركة: جابرية، وباشلارية، وألتوسيرية، وفوكويية متكاملة في التفكيك وإعادة التركيب لسائر المنظومات في عالم مجهول حاليا ستلده كورونا على أنقاض منظومة متهالكة أنهكتها العدوى ونسفها الوباء. بين الجابري وفوكو تعاون في توظيف مفهوم النظام المعرفي في تحليل الثقافة الغربية، وهذا مسلك يظل حبيس ما خلّفه الجابري من مخطوطات ومراسلات، أتمنى أن تشهد النور قريبا.

وأنا أقف عند بوابة الكهف الكوروني وأستشرف خبايا المرحلة المقبلة، أستعيد إلى الذاكرة فحوى خلاصة مهمة في المشروع النقدي لدى الجابري عندما قال “نعم لا بدّ من سلاح النقد، ولكن لا بدّ، في نفس الوقت، من نقد السلاح. سلاح النقد تمدّنا به الفلسفة، أما نقد السلاح فيمدّنا به التاريخ. لا بدّ من الفلسفة والتاريخ معا لفهم الإشكالية المطروحة وتجاوزها.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق