المقالات

التحول السياسي في شمال إفريقيا ثقل التاريخ وتحديات التوازنات الدولية (حالتا تونس وليبيا)(محمد باسك منار)_1_

مقدمة

 تأكد مع ثورات الربيع العربي وانتفاضاته، التي انطلقت في أواخر سنة 2010، وما تلاها من أحداث أن للمحيط الدولي والإقليمي تأثير واضح في مسارات واتجاهات التحول التي قد تعرفها بعض الدول العربية. بل تأكد قبل ذلك، أن الصراع الدولي بالوكالة لم ينته مع نهاية الحرب الباردة كما ظن بعض الباحثين، وإنما استمر وتواصل تأثيره الواضح على المسارات السياسية والاقتصادية في مجموعة من الدول؛ منها البلدان العربية. فصيرورة التحول واتجاهه، فضلا عن فعاليته، كل ذلك لا يزال يتأثر، بشكل أو آخر، بالتوازنات الدولية. ولعل ما يحدث في ليبيا وسوريا واليمن أوضح شاهد على ذلك. صحيح أن مستويات تأثير العوامل الخارجية في مسار التحول تختلف باختلاف مستويات تأثير العوامل الداخلية، التي تبقى هي الحاسمة في التغيير، كما أكدت ذلك بعض تجارب التحول السياسي. لكن أهمية العوامل الداخلية تظل مشروطة بشروط من أهمها التفاهمات الاستراتيجية بين القوى السياسية، والمشاركة العامة للشعب، ويقظته في حراسة مسار التحول، والتزام العسكر بثكناته فاسحا المجال لحياة سياسية ومدنية تنافسية. وهي شروط تكاد تغيب في تجارب التحول بعالمنا العربي، وبغيابها يزداد تأثير العوامل الخارجية. في هذا السياق تندرج هذه الدراسة، التي تهدف إلى رصد واستشراف تأثير التوزنات الدولية على مسارات التحول في منطقة شمال إفريقيا قبل الربيع العربي وأثناءه وبعده. وقد تم تخصيص هذه المنطقة بالبحث نظرا لاعتبارين أساسيين:

أولا: موقعها الجيو سياسي الذي جعلها منذ القدم محل تنافس دولي، كان له تأثير واضح على طبيعة دولها؛ خاصة بعد الحملة الاستعمارية التي استهدفت مختلف بلدان المنطقة.

.ثانيا: إرهاصات التحول التي شهدتها هذه المنطقة على إثر الربيع العربي؛ إذ عرفت كل من تونس والمغرب وليبيا، ابتداء من أواخر سنة 2010، أحداثا سياسية اختلف مسارها ومآلها من بلد إلى آخر، كما اختلفت فرص وتهديدات التوازنات الدولية المرتبطة بها.

وتُركز هذه الدراسة على كل من ليبيا وتونس لما لهما من خصوصية؛ على اعتبار أن تونس شكلت مهد الربيع العربي، وتعرف مسارا تحوليا متميّزا، رغم كل ما تعرفه التجربة من صعوبات داخلية و ما يحيط بها من تحديات خارجية، في حين شكلت التجربة الليبية انزلاقا خطيرا نحو العنف والفوضى.

وتقترح الدراسة إشكالية للبحث مفادها رصد تأثير التوازنات الدولية، سواء المرتبطة بفترة الاستعمار أوالآنية، في الواقع السياسي في بلدان شمال إفريقيا؛ خاصة تونس وليبيا، وفي التحولات، التي انطلقت إرهاصاتها مع الربيع العربي، وذلك من خلال أسئلة بحثية من أهمها ما يلي:

أي تأثير للتوازنات الدولية على مرّ التاريخ في منطقة شمال إفريقيا، خاصة تونس وليبيا؟ وما هو مدى وحدود ذلك التأثير؟ وكيف يمكن تفسيره؟ وما هي التحولات التي عرفتها كل من تونس وليبيا على إثر الربيع العربي؟ وأين تتجلى آثار التوازنات الدولية في ذلك؟ وإذا كانت احتجاجات الربيع العربي قد أظهرت الحاجة إلى الديمقراطية، فأي مستقبل للتحول الديمقراطي في المنطقة على ضوء التوازنات الدولية الراهنة؟ وكيف يمكن للقوى السياسية المحلية استثمار تلك التوازنات الدولية في دعم التحول الديمقراطي؟

ويتحدد الأساس التحليلي والتفسيري لمعالجة تلك الإشكالية في بعض المداخل النظرية؛  في مقدمتها مدخل التفكير الاستراتيجي، الذي يقيم حسابا دقيقا للإمكانات والفرض من جهة والتحديات والتهديدات من جهة أخرى، والذي سترتكز إليه الدراسة أساسا في منحاها الاستشرافي، ومدخل التبعية والتحديث، الذي سيتم الارتكاز إليه في رصد الآثار الاستعمارية على منطقة شمال إفريقيا، ومدخل الجغرافية الحيوية التي تعني عدم الالتزام بحدود معينة، وتجعل حدود الدولة هي مصالحها الحيوية، بالإضافة إلى مدخل إدارة التغيير أو التحكم فيه الذي تم الدفاع عنه- في البداية – من قبل بعض المراكز البحثية الأمريكية بديلا عن أطروحة إيقاف التغيير أو التراجع عنه[1]، وسترتكز الدراسة على هذين المدخلين الأخيرين في تحليل تأثير التوازنات الدولية على مسارات التحول التي انطلقت مع الربيع العربي. وستنضبط الدراسة لأربعة مناهج هي: المنهج الوصفي والمنهج التاريخي والمنهج المقارن والمنهج النقدي البنائي. مع التأكيد على أن هذه المناهج لا تحضر بنفس الدرجة في كل مباحث الدراسة، وإنما يتم استعمال المنهج المناسب حسب حاجة التحليل في المبحث المدروس.

1_ شمال إفريقيا: ثقل التاريخ والحاجة إلى تحول سياسي

تضم منطقة شمال إفريقيا مجموعة من الدول المطلة على البحرالأبيض  المتوسط ، والواقعة في أقصى شمال القارة الأفريقية. وحسب الاستعمال الواسع لمصطلح شمال إفريقيا، فإن هذه المنطقة تمتد من الشواطئ الأطلسية في الغرب إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الشرق. في حين يحددها التعريف الأكثر تداولا، والذي تم اعتماده في هذه الدراسة، في المغرب و الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا.

وقد ظلت هذه المنطقة بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها المتنوعة هدفا لحملات استعمارية وتدخلات أجنبية، تعددت أشكالها وشعاراتها، لم تفض في كثير من الأحيان إلا إلى ترسيخ أنظمة مستبدة، أوكلت إليها مهمة حراسة مصالح أجنبية غير مشروعة في المنطقة، لتنضاف محنة الاستبداد إلى محنة الاستعمار، ولينتج عن ذلك تخلف في كل المجالات. الأمر الذي جعل التغيير والإصلاح حاجة ملحة، خاصة عند مطلع الألفية الثالثة.

1.1_  ثقل التوازنات الدولية الاستعمارية

كانت منطقة شمال إفريقيا على مرّ التاريخ محط أطماع قوى دولية. فقد تكررت محاولات الرومان والبيزنطيين من أجل فرض سيطرتهم عليها، وانطلقت منذ القرن الخامس عشر ميلادي الحملات الأولى لاحتلالها من قبل الإسبان والبرتغال. وكرّست تلك الحملات الوجود العثماني بالمنطقة. لتنطلق في القرن التاسع عشر حملة الاستعمار الأوربي المباشر لشمال إفريقيا؛ إذ قامت فرنسا باحتلال الجزائر سنة 1830، وتم فرض معاهدة “باردو” على تونس سنة 1881، والتي بمقتضاها جُرّدت هذه الأخيرة من سيادتها الخارجية، وأصبحت تحت إشراف فرنسي، خاصة على مستوى الشؤون المالية والعسكرية. وتم فرض الحماية على المغرب سنة 1912، بعد أن تقاسمت أراضيه كل من فرنسا وإسبانيا. وقبل ذلك كانت إيطاليا قد شرعت في احتلال ليبيا منذ سنة 1911. أما موريتانيا فقد فُرضت عليها الحماية الفرنسية سنة 1903 لتعلَن مستعمرة فرنسية في سنة 1920. وبهذا تم احتلال كل شمال إفريقيا قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى.

ويبدو واضحا، وعلى عكس ما رُفع من شعارات، أن الغاية من الاستعمار كانت هي الاستحواذ على خيرات وثروات المنطقة. فدول شمال إفريقيا غنية بالموارد الأولية والثروات الطبيعية، إذ يوجد في الجزائر وليبيا احتياطي مهم من النفط، وفي المغرب ثروة كبيرة من الفوسفاط. وتحوي المنطقة أيضا ثروات معدنية أخرى، بالإضافة إلى ثروات فلاحية وسمكية هائلة. وتتأكد الغاية الاستحواذية للاستعمار من خلال زيادة حدة الأطماع الأجنبية كلما تم اكتشاف ثروة جديدة، هذا ما تأكد مثلا في ليبيا في سنتي 1958 و1959 عندما اكتشفت شركة بريطانيا النفط في جنوب “سيرينايكا” وخليج سرت، فتم الضغط لتأسيس جيش باستشارة عسكرية إنجليزية لحماية منابع النفط وأجهزة الدولة الناشئة[2].

كانت المصالح الاقتصادية للدول المستعمرة الدافع الأساس لحملة الاستعمار، لكن لم تكن الدافع الوحيد؛ ففي بعض الأحيان كان من بين الأهداف صرف النظر عن المشاكل السياسية الداخلية التي تعرفها الدولة المستعمرة[3]؛ ففرنسا مثلا حينما احتلت الجزائر كانت تعرف مشاكل سياسية كثيرة ترتبط بالنظام الملكي، و رأى رئيس الوزراء آنذاك “بول دي بوليناك” أن مغامرة خارجية قد تحشد الرأي العام خلف العرش[4]، لكن رغم الغزو العسكري للجزائر في  يونيو 1830 أطيح بالملك شارل العاشر في ثورة يوليو 1830، وقد أكد الطهطاوي الذي كان في باريس آنذاك أن الفرنسيين أظهروا الفرح بالإطاحة بالملك المكروه أكثر مما فرحو بغزو الجزائر[5]. وكانت تحضر في كثير من الأحيان أهداف توسعية من أجل إثبات المكانة والقوة في الساحة الدولية، فانطلاقا من تلك الأهداف التوسعية، ومن محاولات تكريس التبعية، تم مثلا احتلال تونس نظرا ل “فرادتها الجيوسياسية”[6] ،على الرغم من صغر مساحتها وقلة ثرواتها وندرة موادها الأولية.

لقد شكل الاستعمار؛ بما هو مرادف للإخضاع والسيطرة والنهب والسلب، وبما هو استعمال دولة لحق السيادة خارج حدودها وخارج أراضيها[7]، وبما هو تمثل لجغرافية حيوية تربط حدود الدولة المستعمرة بمصالحها، انكسارا تاريخيا تعددت آثاره السلبية على العالم العربي والإسلامي؛ خاصة وأن الحركة الاستعمارية نفسها انضبطت لتوازنات دولية، شكلت هي الأخرى ثقلا تاريخيا مفرقا للدول المستعمَرة، ومكبلا لها حتى بعد الحصول على الاستقلال. فغالبا ما كان يحدث نوع من اقتسام السيطرة بين دولتين مستعمرتين أو أكثر، أو نوع من المقايضة على صعيد القوى الاستعمارية، إذ تتنازل قوة استعمارية ما عن حصتها في مستعمرة ما، مقابل تنازل قوة استعمارية أخرى عن حصتها في مستعمَرة أخرى. من تلك التوازنات الدولية مثلا، ما كان من توافق بين ألمانيا وبريطانيا لتحتل هذه الأخيرة قبرص، مع إقرار تعويض فرنسا عن ذلك، “بمنحها” تونس، من أجل تعزيز امبراطوريتها في شمال إفريقيا وتأمين حدودها مع الجزائر وإعادة توازن القوى في البحر الأبيض المتوسط[8]. وقد دعمت ألمانيا ذلك بهدف إنهاء حالة التوتر بينها وبين فرنسا بسبب استيلائها على إقليمي “الألزاس” و”اللورين” على إثر الحرب الفرنسية البروسية، التي كانت في عامي 1870 و1871، لكن إيطاليا اعترضت على ذلك، أي على “منح” تونس لفرنسا، باعتبار أن لها عدد كبير من المستوطنين في تونس، وكان لها استثمارات كبيرة بها، فتم استرضاء إيطاليا بالسماح لها باحتلال ليبيا، وذلك ما حدث بالفعل ابتداء من سنة 1911. وقد حدثت تسويات مشابهة بخصوص احتلال الجزائر والمغرب، إذ دعمت مثلا كل من إيطاليا وبريطانيا وإسبانيا فرنسا في احتلالها للمغرب، في حين عارضت ذلك ألمانيا[9]، ولم تبد الموافقة إلا بعد أن تنازلت لها فرنسا عن أرض في الكونغو[10]. لقد أكدت تلك التوازنات الاستعمارية جشع القوى الغربية، كما أكدت أن جشع قوة استعمارية يوقفه جشع قوة استعمارية أخرى، لكن دون أن يُنهي ذلك حالة الاستعمار الذي تعددت أشكاله، إذ لم يكن الاحتلال العسكري إلا شكلا أو مرحلة من مراحله، ولعل أشكالا أخرى عمّرت لفترة أطول، وكانت الأكثر تأثيرا من جهة، والأقل إثارة للمقاومة من جهة أخرى. فالاستعمار في بعده العسكري، ما كان ليتأتى لولا وجود قابلية الاستعمار بتعبير مالك بن نبي؛ قابلية نفسية وذهنية واجتماعية وسياسية واقتصادية. ففي ستينات القرن 19 مثلا تقاسمت ثلات دول هي فرنسا وإيطاليا وإنجلترا التجارة التونسية ونقل المسافرين من الموانئ التونسية وإليها، واحتكرت شركات النقل الأجنبية ما تبقى من تجارة تونس مع المشرق، واستمر أفول القطاع التجاري والصناعي التونسي، ولم ينج من هذا الإفلاس سوى أفراد من الوسطاء الذين ربطوا مصيرهم بمصالح الاقتصاد الفرنسي[11]. إنه ربط المصالح لتكريس قابلية الاستعمار. وإنه الاستعمار لتكريس قابلية استمرار ربط المصالح بعد أن ينتهي الاحتلال العسكري المباشر. وتعلق الأمر في كثير من الأحيان بمصالح غير مشروعة، تطلبت دعم القوى الدولية لحكام غير شرعيين لحمايتها.

1.2_ ثقل الاستبداد وفشل محاولات الإصلاح

كان للاستعمار آثار متعددة على المجتمعات والنخب في شمال إفريقيا، خاصة بالنظر إلى الاستراتيجية الاستعمارية الشاملة التي نهجتها فرنسا، بحيث ربطت بين الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية، بل تأكد لها من خلال المقاومات الباسلة، التي قادها زعماء متشبعون بالهوية الإسلامية والعربية؛ من أمثال عمر المختار وعبد القادر الجزائري ومحمد بن عبد الكريم الخطابي، أن الغزو العسكري، ورغم ما يُحدثه من دمار وإرهاب، يبقى محدود الأثر، ولن يُحقق تبعية سياسية واقتصادية بعدية – أي بعد إنهاء الغزو العسكري- ما لم يكن هناك تقدم في الجبهة الثقافية، لذلك تم اهتمام المستعمر الفرنسي بالثقافة المغاربية، وشجع على بحثها ودراستها، وتم وضع مخططات تستهدف الإسلام واللغة العربية وتثير العصبيات والنزعات القبلية. ولم يكن ذلك فقط بفرض ما يتعارض مع الثقافة الإسلامية والعربية، ولكن كان أيضا بتكريس بعض التقاليد والعادات، التي أفرزها الانحطاط العام الذي أصاب الأمة العربية والإسلامية، والذي دام لقرون من الزمن. هذا التكريس للعمق التقليداني، أو الخرافي أحيانا، جعل بعض مظاهر التحديث التي نهجها المستعمر مجرد تغييرات شكلية سطحية، الحاصل منها في كثير من الأحيان إجراء بعض التقويمات في البنية التحتية، وإحداث نوع من الضبط الإداري، باعتبار ذلك شرطا ضروريا لإتقان الإخضاع والسيطرة والنهب والسلب، وتكريس التبعية. والأخطر من ذلك، أن صدمة الاستعمار المصحوبة بتلك المظاهر “التحديثية الشكلية” أسهمت في إحداث انفصامات ثقافية، كان لها أسوأ الأثر على بعض مشاريع الإصلاح التي عرفتها المنطقة؛ إذ ربطت بعض النخب في شمال إفريقيا الإصلاح بالتبعية الكاملة للغرب، ولفرنسا  على الخصوص، في حين جعلت نخب أخرى من القطيعة التامة مع الغرب شرطا أولا في الإصلاح، ولا تزال آثار تلك الاختلافات متواصلة إلى حدود الساعة.

وإذا كان للاستبداد في شمال إفريقيا عروق ممتدة في التاريخ، يمكن ربطها بالارتكاسات التاريخية التي أصابت الأمة العربية والإسلامية عموما منذ انقلاب الخلافة الراشدة إلى ملك عاض،  فإن معاهدات الحماية، وبعكس ما كان يتم التبشير به، لم تحد من ذلك، ولم تنقص من غلوائه، بل فرضت نوعا من التحالف وربط المصالح بين قوى استعمارية ودوائر حكم محلية، الأمر الذي أغرق المنطقة في نوع من الاستبداد والانسداد. وفي غياب مؤسسات قادرة على استعباب الاختلاف السياسي، واستثماره في التعبئة والنهوض، كانت تظهر من حين لآخر صراعات ومحاولات انقلابية أو ثورية، انتهت في كثير من الأحيان باعتقالات وإعدامات واسعة في صفوف المعارضين، ويأس وفقدان الثقة في صفوف الشعب، والمزيد من الارتماء في أحضان القوى الدولية في صفوف بعض النخب؛ و النخب الحاكمة أساسا. وقد أسهم كل ذلك في تكريس ميزان قوى في غير صالح التغيير والدمقرطة في المنطقة. ولعل مما ساعد على ذلك اهتمام أغلب دعاة التغيير الجذري، من مختلف المشارب الإيديولوجية والسياسية، بالعامل الذاتي دون اعتبار في كثير من الأحيان للتوازنات الخارجية، التي كان لها كما أسلفنا، ولا يزال، دور مؤثر في المنطقة، بل تبيّن في بعض الأحيان أن العامل الذاتي هو الآخر لم يتم تقديره بشكل صحيح، لتشهد المنطقة استمرار أنظمة مستبدة ومفسدة.

وقد استعملت تلك الأنظمة أساليب متعددة لاستدامة احتكارها للسلطة والثروة، فبالإضافة إلى شرائها دعم قوى خارجية مقابل ثمن باهض من ثروة المنطقة، وبالإضافة إلى بطشها الوحشي ببعض المعارضين، لجأت إلى استمالة واحتواء معارضين آخرين، قبلوا ذلك؛ إما بفعل قابلية الاحتواء التي كرّستها شدة البطش، أو بفعل الاستدراج إلى الارتباط المصلحي. وهناك من قبل بالإدماج في بنيات الاستبداد عن اقتناع وبرغبة صادقة في الإصلاح بدعوى “التغيير من الداخل”، لكن النتيجة كانت في كثير من الأحيان مخيبة للأمل، إذ لم يتحقق الإصلاح من الداخل، بل فسدت إلى حد بعيد أدوات الإصلاح نفسها[12].

وحاولت تلك الأنظمة استعمال “شرعيات” متنوعة لتأبيد حكمها، من ذلك مثلا: “الشرعية الدينية” و”الشرعية القومية أوالوطنية” و”الشرعية التاريخية” و”شرعية التحرير” و شرعية الإنجاز”…فهذا معمر القذافي مثلا يدعي “شرعية إصلاحية” ويربطها بالقارة الإفريقية بأسرها، كما يتشبث بشرعية ثورية مزعومة إلى آخر أيام في حياته، وقبل ذلك لُحظ كيف تم وصف بورقيبة بالمجاهد الأكبر، وكيف تم ربط حكمه ب”الشرعية الدستورية” و”الشرعية التحديثية”، بل كان بورقيبة نفسه يجعل حكمه امتدادا للحركة الإصلاحية التي عرفتها تونس[13]، ولكن مع ذلك ظلت كل الدول المغاربية، وكما هو شأن تونس في عهد بورقيبة، “مشخصنة وفردية، وتعتمد على الولاء الفردي والمحسوبية، ومنقطعة عن عمق البلاد…وانتقائية في اختيارها لنواحي الحداثة”[14]. بل إن القذافي ظل يتحدى بشكل كاريكاتوري الحداثة، حتى في بعدها الشكلي، بخيمته المتنقلة.

لقد أسهمت تلك الشرعيات المزعومة في التمويه على الشعوب، كما كرّست الانقسام السياسي للنخب، بين مؤيد ومعارض لتلك الأنظمة، وفي كثير من الأحيان اخترق الانقسام السياسي المشتركين في نفس الاختيارات الإيديولوجية. الأمر الذي جعل بعض دعوات ومحاولات التغيير، التي كانت في أواخر الألفية الثانية، والمحدودة على أي حال، تفتقد إلى وحدة الاتجاه والعمق الشعبي، ليكون مآلها الفشل. ومع مطلع الألفية الثالثة، وبالتحديد بعد أحداث 11 شتنبر 2001، وبفعل ضغوط أمريكية، ظهرت بعض الدعوات الجديدة للإصلاح، إلا أنها لم ترق إلى تشكيل حركات اجتماعية تُحدث تغييرا حقيقيا في موازين القوى؛ فمن جهة أولى تم الالتفاف على الإصلاح من قبل الأنظمة السياسية القائمة، وذلك عبر تعديلات جزئية مرتبطة بالمؤسسات أو الانتخابات، دون أن يمس ذلك الجوهر الاستبدادي للسلطة، ومن جهة ثانية غاصت النخب في نقاشات، لا يمكن أن ننفي أهميتها، لكنها تحولت مع الوقت إلى نوع من “التخمة السجالية”، التي أصبحت بوعي، أو بغيره، عقبة في اتجاه تشكيل حركات اجتماعية حقيقية. وقد تمحورت تلك الإشكالات، الجديدة القديمة، حول سقف الإصلاح، والقوى الداعمة له، والطريق إليه. فهناك من دعا إلى انفتاح سياسي وانتقال سلس نحو الديمقراطية، وهناك من دعا إلى تغيير مجتمعي شامل وكامل. وفي الوقت الذي ربط فيه البعض الإصلاح بشروط داخلية دون اعتبار للعامل الخارجي،  لم ير آخرون بأسا في الاستعانة بدعم خارجي، شريطة أن يكون الهدف هو القضاء على الاستبداد وإحقاق الديمقراطية. وعلى إثر ذلك تناسلت بعض المبادرات والمشاريع، كان من أبرزها “مشروع الشرق الأوسط الكبير” الذي دعت إليه الولايات المتحدة الأمريكية[15]، والذي تحول إلى مبادرة دولية بعد اعتماده من مجموعة الدول الثمان سنة 2004، و”وثيقة الإصلاح”، الصادرة عن قمة تونس في 2004، والتي تبنت أهدافا ومبادئ مرجعية من دون تحديد الآليات وسبل التنفيذ، مما ترك هامشا واسعا للأنظمة العربية للالتفاف على الضغوط الأمريكية التي أملتها الأحداث الإرهابية ل 11 شتنبر 2001، خاصة وقد أكدت الحرب على العراق سنة 2003 أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تهدف فعليا إلى تحقيق الديمقراطية بالعالم العربي بقدر ما تهدف إلى تأكيد هيمنتها وتحقيق مصالحها الحيوية، التي في مقدمتها حماية إسرائيل وتأمين البترول. لتكن نتيجة كل ذلك “إصلاحات هامشية محدودة” في العالم العربي لا تحد من الجوهر الاستبدادي للأنظمة الحاكمة، وكانت النتيجة الأخطر تآكل وإفساد الكثير من أدوات الإصلاح، من مؤسسات سياسية واجتماعية وعلمية وثقافية، ولعل هذا ما جعل موجة الربيع العربي تنطلق بعيدا عن كثير من تلك المؤسسات.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق