المقالات

التحولات العالمية وأثرها على ثقافة الشعوب(عبد العالي قايدي)_ج1_

على سبيل التقديم :

إن الكتابة عن الأنثروبولوجيا والسيسيولوجيا في المجتمعات التي تعيش على ايقاع تحولات عميقة ، تجعل الباحث في مجال الأنثروبولوجيا والسيسيولوجيا أمام إشكالية كبيرة حول التحول الثقافي الذي طرأ على جل مجتمعات العالم سواء في المجتمع المغربي أو مجتمعات غربية وأوروبية أخرى ، أي الحديث عن سوسيولوجيا الثقافة ، وما عرفته اليوم من تبذلات وتحولات مست جميع الجوانب الثقافية منها ما هو مادي وما هو غير مادي نتيجة التأثيرات العالمية المعولمة التي فرضت نفسها على هذه المجتمعات بشكل كبير وبالتالي نطرح تساؤلات جوهرية وضرورية في هذا المجال ونحن بصدد محاولة معرفة مدى مستوى التحول الثقافي الذي لحق هذه المجتمعات اليوم وهي كالتالي: إلى أي حد يمكن قياس حجم التأثيرات الخارجية على ثقافة الشعوب ؟ وكيف ساهمت العولمة في هذه التحول وإقصاء الخصوصيات الثقافية ؟ الا يمكن اعتبار أن هذه التحولات العالمية إيجابية ؟ أم أنها قد جردت هذه المجتمعات من قيمها وهويتها وتراثها الأصيل ؟ وماهي العوامل المساهمة في هذا التحول الثقافي لدى هذه المجتمعات ؟ وهل هناك علاقة بين ثقافات الماضي وثقافات الحاضر لهذه المجتمعات ؟ أم أن هناك قطيعة بينهم؟

أولا: آثار العولمة على الهوية الثقافية:

إن أساس العولمة على الهوية الثقافية للشعوب والأفراد تكمن فيما قاله “صامويل هنتنكون” إن الإعتقاد بضرورة تبنى الشعوب غير الغربية لقيم ولمؤسسات ولحضارة غربية لهو امر غير أخلاقي في نتائجه (بالنظر إلى نتائجه وتوابعه. وتسعى الثقافة المعولمة إلى إقصاء الخصوصيات والهويات الثقافية الأخرى إلى حد لا يكون لأي مجتمع ثقافة ذاتية أو هوية شخصية.

وعليه تجلى سلبيات العولمة على الهوية الثقافية للشعوب والأفراد فيما يلي:

1. على المستوى التاريخي تعد العولمة استعمارا ثقافيا جيدا، لأنها تهدف إلى إحداث خلل في الهويات الثقافية للشعوب، بنشر وهيمنة العولمة الثقافية الأحادية القطب بهدف الإستيلاء ونهب إمكانات وحضارة الشعوب خاصة الفقيرة، وبالتالي فهي امتداد للإستعمار التقليدي الثقافي القديم، حيث كان الغزاة سابقا يسلبون مقومات الهوية كاللغة والدين من أصحابها بطمس الشخصية والهوية الثقافية لإخضاع المستعمرات.

2. على المستوى الإيديولوجي تعني الهيمنة الثقافية الظاهرة المحلية والإقليمية بالزوال اعتبار أن أخطر الغزو التقليدي التغريبي ذو الوجه القديم والجديد لا زال قائما وأشد شراسة ضد الهوية الثقافية.

وهذا بالحد من العناصر الأساسية للهوية الثقافية المتمثلة أساسا في اللغة اللسان الحقيقي المعبر عن الهوية وذلك الدين والعقيدة والتراث الحضاري الخاص بالشعوب فتم اكتساح اللغات الأجنبية على اللغة المحلية للشعوب خاصة النامية وحتى منها المتقدمة ولعل اللغة التي تسيطر هي اللغة الانجليزية التي تدعى باللغة الحية وهي اللغة العالمية التي يتغنى بها غالب الناس، وظهور الحرب ضد الدين الاسلامي، والقضاء على الحضارة في كل ما تعنيه لأي شعب من هوية وخصوصية، كالحرب في العراق ونهب تراثه ومعالم تاريخه وحضارته.

3. على المستوى الروحي والمادي تفرض العولمة استراتيجية جزئية للإنسان، فهي تريد مسح ونزع الروح من الجسد بإبقاء الجانب المادي والجسدي للفرد، بإدخال التوازن والتكامل في الشخصية، فالعولمة الأمريكية تنتج الإنسان المادي الحيواني بالقضاء على الجانب الروحي والنفسي والفكري. [1]

بحيث تتأسس الثقافة المعولمة على حب الذات والفردانية بتحقير المعالم الشخصية للفرد والولاء للفكر المادي والتبعية للثقافة المادية الغربية، التي لا تقيم وزنا للإنسانية.

إن الثقافة الشعبية الأمريكية طغت على أذواق الناس من خلال الملبس والمأكل والموسيقى ومشاهدة الأفلام والمسلسلات واستهلاك السلع الأمريكية، بسبب إرجاع ذلك إلى التفوق الأمريكي والسيطرة على وسائل وتقنية الإعلام والإنتاج السريع ووجود السوق المستهلكة بتصدير تلك المنتجات، وعليه فالعولمة الثقافية ليست تفاعلا للثقافات العالمية بل هيمنة ثقافة غربية محددة في الو.م.أ.

فالعولمة أو الشمولية الثقافية تفرض نفسها خصوصا على الأفراد والأسر ببنود حقوق الإنسان ووسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدول الغربية وتقليد الغرب والتفسخ من كل خصوصية. [2]

والعولمة الثقافية تشير إلى وضع شعوب العالم في قوالب فكرية وثقافية موحدة تنبع أساسا من الفكر الثقافي الأمريكي، ومن المهم هذا التفريق بين العولمة الثقافية المرفوضة والانفتاح المنشود على ثقافات الغرب والشرق بما يتفق مع ديننا ومبادئنا وقيمنا بقصد الاستفادة والدرس والبحث وتنمية الثقافة العربية وتطويرها.

فالثقافات ليست كيانات أخلاقية يمكن ان تدين لها بواجبات العدل. والاصرار على انه يجب أن نكون عادلين مع الثقافات –لمجرد كونها ثقافات- يشبه الاصرار على أن نكون عادلين مع اللوحات أو اللغات أو القيم داخل أي مجتمع من المجتمعات. [3]

ثانيا : التحول الثقافي الخارجي

لقد حدثت تحولات كبيرة وكثيرة على مستوى الثقافات وهي في أغلبها تحولات مقصورة، بمعنى أنها لم تنبع من داخل نفس المجتمع الواحد المحلي بقدر ما كانت تفرضها عوامل خارجية ترجع بالأساس إلى تدخل السلطة عبر ممارساته من خلال فتح باب الهجرة على مصرعيه أمام أبناء نفس المجتمع، الشيء الذي خلق دينامية هجروية واسعة، تتفاوت وتيرتها من مرحلة إلى أخرى ساهمت حركة الهجرة في الاسراع بوتيرة التحول عبر النماذج التي تشبع بها المهاجرون وأدخلوها إلى المنطقة. والتي تترجم في كثير من المظاهر والتجليات (أسلوب اللباس، أسلوب التفكير، الهدايا، الأدوات المستجلبة…) ومن نتائج هذه الهجرة، سيولة نقدية ومالية لا بأس بها، مكنت من تغيير أسلوب العيش وتحسين مستوى عيش السكان في حدود معينة، ومكنت بالتالي من تحقيق حراكية اجتماعية معينة يصعب الآن الحكم على أهميتها وحجمها في غياب دراسات وافية في الموضوع. [4]

تؤشر الهجرة دوما على نوع الحراك الثقافي والاجتماعي داخل نفس المجال أو نفس المنطقة، والذي يفترض انتقالا ثقافيا واجتماعيا من فضاء لآخر، ومن ثقافة لأخرى، مما يعني أن الهجرة في مطلق الأحوال تنتج ظواهر وحالات مجتمعية أخرى، بحكم انطوائها على السبب والنتيجة في نفس الآن، فهي نتيجة منطقية لتظافر عوامل متعددة، وسبب طبيعي للإنبناء وانوجاد ظواهر أخرى. [5]

وبما أن التحول في الثقافات المحلية هو في شروط العامة تحول يرجع إلى أسباب خارجية بالأساس، فإن قبول عملية التحول الثقافي، والتكيف مع هذا الوضع الجديد لم تكن عملية سهلة بل لقد رافقتها مقاومات “عنيفة” “مقاومات التغير” تمثلت في ردود أفعال مختلفة، ولكن تزايد وثائر التغير والتحول وتسارعها أصبح الأفراد مجبرون على متابعة هذه الحركة من التحولات التي امتدت لتعم كل شيء، وتشمل كل مجاله حتى المجال الرمزي نفسه. [6]

ينجم عن هذا النوع من التحول الثقافي عن مجموعة من العمليات الثقافية الأخرى التي لا تستمد أصولها من المجتمع الأصلي، وإنما هي تفد إليه من خارجه، ومن أمثلة هذه العمليات، الاتصال الثقافي(culturel communication) والتثاقف (acculturation) والاستعارة (borrluing) والانتشار (diffusion)…إلخ. ويمكن إجمال هذه العمليات تحت فئتين فحسب، وهما الانتشار والتثاقف، خاصة أن معظم هذه العمليات لا تتم إلا في ضوء واحدة من هاتين العمليتين الرئيسيتين أو كلتيهما معا. وذلك لأنها جميعها لا تحدث إلا من خلال اتصال مجتمع بمجتمع آخر.

وفي هذا الصدد يذهب رالف لينتون (1957) إلى أنه “لو تركت كل جماعة انسانية تحبو بمفردها نحو التقدم، بلا عون من غيرها، فإن هذا التقدم بلا شك، سيكون بطيئ الخطى، لدرجة يستحيل معها وصول أي جماعة من الجماعات إلى مستوى متطور، وإن كل ما تستطيع أن تنجزه هو الاقتراب من العصر الحجري القديم ومعنى هذا أن الاتصال ووسائل الاتصال والتواصل هما وسائل النهوض بالجماعات، إلى المستوى الأفضل والأكثر تقدما بدلا من الحبو أو النكوص إلى الوراء، وعلى ذلك يقرر “جورج فوستر” (g.foster 1972) بأن المجتمعات القروية التي تتصل بالأجانب، تزداد لديها فرص قبول الأفكار الجديدة وتمثلها. ومن أمثلة هذه المجتمعات مجتمع يوروك (yurok). في الهند الذين اتصلوا بالجنس الأوروبي الأبيض وصاروا بمقتضى هذا الاتصال اكثر استجابة للتغير والتحول وأقدر على أحداثه.

ومن الممكن التعبير عن عمليات التحول الثقافي الخارجي يوضع الباحث خطوطه من خلال استقراء التراث العلمي السائد في علمي الأنثروبولوجيا والاجتماع.

  • الانتشار:

يعني الانتشار نقل المواد الثقافية على المستوى الافقي من مكان إلى آخر وقد استخدم تايلور هذا المصطلح في كتابة “الثقافية البدائية” وهو يشير إلى توزيع الخرافات الروائية، (الأساطير myths) وفي موضع آخر يشير تايلور إلى أن الانتشار قد نهض للإجابة عن سر تشابه كثير من السمات والعناصر الثقافية في مجتمعات متباعدة عن بعضها، وكانت إجابته تتلخص في ان التشابه مرجعه إلى انتشار الثقافة و هجرتها انتقالها من مصدر واحد أو من عدد من المصادر أو المراكز المشتركة. فالتشابه إذا راجع إلى هجرة الثقافة او بعض عناصرها نتيجة الاتصال الثقافي بين هذه الشعوب وتلك المجتمعات.

وقد تكون هجرة العنصر الثقافي كاملة، وقد تكون جزئية قاصرة على بعض ملامحه فقط.

وقد تأسست المدرسة الانتشارية في دراسة التحول أو التغير الثقافي، ونظرت إليه كرد فعل لانتشار سمات ثقافية من مجتمع أصلي إلى مجتمع آخر عن طريق النقل أو عن طريق الاستعارة او الغزو. ” وقد تكشف رحلة يقوم بها فرد من أعضاء المجتمع عن الوسائل الفنية أو الأفكار الجديدة التي جلبها هذا الفرد معه من خلال اتصاله بمجتمع آخر، وذلك بصرف النظر عن صحتها أو سوئها. وهنا تتخذ الانتشارية من الجغرافية مجالا لها. وتقسم العالم إلى مجموعة من الخرائط التي توضح الأصول التي ظهرت فيها السمات الثقافية، ومنها انتشرت إلى المناطق الثقافية الأخرى. [7]

ولهذا لا بد من الوقوف في المجال الفكري والتكنولوجي من خلال نشر أفكار خارجية ومفاهيمها وقيمها عن طريق وسائل الحديثة كالتلفاز والأنترنيت والكتب والفن والأدب أي عبر الميادين التي تمس الثقافة والفنون ووسائل الإعلام المختلفة. [8]

يمكن أن ينجز التحول الثقافي أيضا عن أسباب داخلية، ويفضي استخدام الكلمة نفسها لتعيين ظاهرتي التحول الداخلي والخارجي إلى التسليم بأن التغيرين يخضعان إلى القوانين نفسها، وهو ما يبدو ضعيف الاحتمال.

وفضلا عن ذلك، يجب عدم الخلط بين التثاقف والاستيعاب، باعتبار وجوب فهم هذا على أنه طور التثقاف النهائي، وهو طور نادرا ما يبلغ. وهو يفترض، بالنسبة إلى مجموعة ما، انتفاء تاما لثقافتها الأصلية واستيطانا كاملا لثقافة المجموعة المهيمنة. [9]

التحول الثقافي قد يتم عن طريق الانتشار من خلال عملية الهجرة أو عن طريق الاستعارة أما الهجرة فهي تؤدي إلى انتشار وحدات ثقافية كبيرة. في حين تعد الاستعارة عملية نقل وحدات ثقافية بسيطة دون حدوث حركات شعبية وانتقال شعوب بأكملها. وفي هذا الصدد يقول “ألاند” (Aland 1970) أن التحول الثقافي الخارجي يستند إلى التحديد، وإلى الاستعارة أي الانتشار، بينما يرى “شوميكر” (shoemaker) ان الانتشار هو نمط خاص من انماط الاتصال (communication) فالانتشار أذن من جهة نظره هو العملية التي تنتقل عن طريقها الأفكار الجديدة. وصور التجديد إلى أعضاء النسق الاجتماعي. وتنصب دراسة الانتشار على الأفكار الجديدة. ولكن الطريف أن “شوميكو” قدم رسما مبسطا وضح فيه طبيعة العلاقة بين بحوث الانتشار وبحوث الاتصال فأولهما جزء من الاخر.

هذا الانتقال لبعض السمات الثقافية، وعلى ذلك يذهب “بري” (perry) إلى أن أية حضارة معاصرة ما هي إلا تراكم من العرف المتخلف أو الباقي.

وعلى الرغم من الصلة الوثيقة بين التحول الاجتماعي والتحول الاجتماعي والتحول الثقافي، فالتحول الثقافي أوسع بكثير من التغير أو التحول الاجتماعي، واهتمام الكثير من العلماء هنا ينحص في المجال الضيق، لذلك فإنهم لم يهتموا بمسائل معينة مثل تطور الأصوات في اللغة… أو نمو النظرية الرياضية، وفي العادة  لا نفصل بين السمات الاجتماعية والثقافية لدى البحث عن عوامل التحول وأثره، بينما نظرية العدوى في المرض هي امر ثقافي، لا نفصلها عن تنظيمات منظمات المستشفيات والمنظمات الطبية والمدارس، وهذه تعتبر من قبل البعض سمات اجتماعية.

كثير من المميزات الأساسية للمجتمع مثل الديمقراطية، والعلم، والمستوى المرتفع للحياة هي أمور جديدة بالنسبة للإنسان لم يسبق وأن اختبرها، ولذا فإنه غالبا ما يجد صعوبة في معرفة ماذا يفعل بها.

التحول الثقافي حتمي، ولا توجد أية ثقافة لا تظهر فيها دلائل للتحول.

العوامل المؤدية للاستقرار والعوامل المؤدية للتحول هي مظاهر موروثة للثقافة. تتحول الثقافات بمجموعات متباينة بعضها يتحول بسرعة كبيرة جدا، والآخر ببطء شديد. وبعضها يتحول بسرعة لمدة ثم ببطء، وغيرها على عكسها.

تتحول الثقافة بإضافة سمات لها أو فقدان سمات منها أو حصول تحول في معالم سمات موجودة.

تنشأ عناصر  ثقافية موجودة في ثقافة معينة ويسمى ذلك الاختراع الثقافي أو تأتي من ثقافات أخرى وتسمى حينئذ اقتباس (suffuition).

يشمل الاختراع بصورة حتمية استعمال العناصر الثقافية الموجودة ولكن بتركيب جديد، لذلك لابد من زيادة ثروة العناصر التي يمكن أن تخرج منها الاختراعات الجديدة.
(لا ينطبق هذا الكلام على الاختراع في كلا الحقلين، حقل الأشياء والأفكار).

جميع المجتمعات تمثل تعديلات أو تغييرات صغيرة في تفصيلات الثقافة بينما الطابع الأساسي للمجتمع يبقى بدون تغيير جوهري.

إن تأثير الاختراعات بعيد المدى حتى أنه يتعذر التنبؤ بما يتغير من مجموع ثقافة ما يسبب شيء جديد. [10]

وإن التصنيف الواعي لها قد يكشف عن شرائح مجموعة من الثقافات. ولكن يؤخذ على الانتشارية عموما أنها لم تتناول البناء الثقافي للمجتمع ككيان عضوي، كما أنها عجزت عن متابعة التغيرات والتحولات التي تقع نتيجة لهجرة سمة ثقافية إلى ثقافة أخرى، علاوة على انها في النهاية تحيزت في اختيار المعطيات التي تثبت بها صدق فروضها. وعلى ذلك لم نجد فيها إلا مجموعة من خرائط توضيحية لأصل السمات، وانتشارها تامليا ودون سند واقعي يشهد على ذلك.

تتحول الثقافة بصفة أساسية –كما عرفنا- بتراكم العوامل المخترعة أو المستعارة، فالعوامل الجديدة تدخل النظام الثقافي القائم وتنافس وتتحد مع السمات الموجودة، وحقن النسل الثقافي بعامل جديد يزعج ويشوش الانسجام الوظيفي بين العوامل المترابطة”. وهناك أربع خطوات في عملية التحول الثقافي يمكن تمييزها وهي:

– فينتشر خلال التنظيم من مركز أصلي، هذا المركز هو المنطقة التي اخترع فيها العامل الجديد أو أستعير منها، وهناك ظروف عدة تؤثر في انتشاره واتجاه هذا الانتشار، وخلال سير السمة الجديدة في النظام يمكن أن تتغير وأن تتخد مع سمات أخرى غير ذات علاقة.

– الأبنية الثقافية ويمكن أن ينافسها أو يتصارع معها على البقاء. ومن جهة أخرى يمكن ان يساند سمات قائمة أو يساعد على انتشارها، ومما لا شك فيه أن هذا العامل الجديد ولمدة ما يشوش على المسيرة المنتظمة للنسق الثقافي.

– بسبب تغيرات وتحولات في السمات ذات العلاقة، لكي تنسجم معها، فتتحول ملامح الثقافة القائمة ثم تعود إلى الارتباط بشكل يسمح لها استقبال واستيعاب السمة الجديدة.

– هذا العامل الجديد ما لم يحدث اختراعات جديدة تسبب التشويش المستمر، ومع طوال الاستعمال تأخذ هذه السمة الجديدة مكانها وتختفي بعد أن تصبح جزءا لا يتجزأ من النسق الثقافي السائد.

إن العامل  الرئيسي في انسجام  مهارة جديدة أو فكر جديد مع ثقافة قائمة هو كيفية تلائم هذا الشيء الجديد داخل النظام القائم.

ولا يمكن القول عن أي سمة أنها ذات قيمة عالية أو منخفضة، لكنها دائما تقيم بالدرجات السائدة في الثقافة، وهذه الدرجات في الأصل أشياء جديدة. إن معظم عمليات التحول الثقافي الخارجي، جميعها تنبع من عمل الانسان، ولكن البيئة بين آن وآخر تلعب دورا رئيسيا في تحول الثقافة. [11]

فالمجتمعات الخارجية الغربية منها والحديثة التي غالبا ما تنظر إلى نفسها على انها صورة وشهادة على التحرر والتقدم في حل المجالات منها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على الخصوص وهي مرجعية أساسية لدى الدول النامية في تحولها وتغيرها، في حقيقة امرها محاطة بشبكة واسعة من السلطات وأدوات الإكراه، المر الذي يجعل من مقولة الحرية المدعاة موضع مراجعة وتساؤل. فإدعاء “ميشيل فوكو” اختفاء الأنسان يرتبط ارتباطا قويا بإبراز فواعل أخرى سواء كانت معرفية أو ثقافية أو تاريخية تفوق الدائرة الفردية لوعي الانسان وتحول ثقافته بنفسه وإرادته وذلك من قبيل سطوة أنظمة المعرفة التي تفرض نفسها على الأفراد والجماعات في حقبة تاريخية معينة وتحدد تصوراتهم الخاصة للأشياء والعالم. [12]

يمكن ربط هذا التحول على مستوى الثقافات بالمجتمع العربي عامة والمجتمع المغربي خاصة، ففي مطلع القرن العشرين، دخل المغرب الزمن الحديث عبر صدمة الاستعمار وصدمة الحداثة، فالمغرب، البلد القوي تاريخيا والمعتز بكيانه وموروثه التليد، وقف عاجزا أمام مداهمة الظاهرة الكولونيالية له، مع ما عناه ذلك من زوال للسيادة وانخراط في تبعية سياسية وثقافية واقتصادية عميقة وطويلة المدى، إضافة إلى صدمة الحداثة وما تعنيه من ضرورة الانخراط في سيرورة الانفتاح عل الآخر الغريب ونهج أساليبه في التحديث وما رافقها من تجهيز وعصرنة.

كان من طبيعة الاصلاحات والتحولات تلك أن تحدث تغيرات عميقة في البنى كافة، ابتداء من البنى الثقافية إلى البنى السياسية، ليشير ذلك إلى تحولات شاملة في مختلف الثقافات السائدة، ثقافية في جوهرها بكل ما تحمله كلمة ثقافة من معنى. وإذا كان من السهولة بمكان بالنسبة إلى الباحث عزل الظاهرة السياسية عن مثيلتها الاقتصادية، فإن الأمر سيغدو مستعينا إذا تعلق بالثقافة، كونها ببساطة ذلك الشمل الشامل الذي لا يتجزأ في حياة الانسان، وفي ترابط أجزائه معنى وجود الكائن الفرد، والمجتمع على حد سواء.

إن التفكير في الشأن الثقافي المغربي على وجه الخصوص والعربي على وجه العموم، فالمغرب خلال القرن الماضي هو تفكير في تحولات كبرى شهدتها المنظومة الثقافية المغربية، لا من زاوية قطاعية تعزل الثقافة عن بقية القطاعات الأخرى، أو حتى من زاوية الوصاية باعتبار الثقافة شأنا حكوميا صرفا، بل من زاوية أنه تفكير تراكمي يسعى إلى رض البنى وإدماج جميع المتدخلين، بالإضافة إلى رصد الأفكار والتحولات الثقافية في شموليتها وحتميتها، في محليتها وخصوصياتها وفي انفتاحها وتلاحقها مع الثقافة الغربية وحداثتها، وكان من شأن ذلك كله ان يجلب للحضارة المغربية المزيد من الانفتاح والتأثر والتلاحق، الأمر الذي جعلها تتسع وتتنوع ولا تكف عن الأخذ والعطاء من مختلف الحضارات الإنسانية. [13]

ثالثا : التحول الثقافي الداخلي:

يحدث التحول الثقافي الداخلي نتيجة لمجموعة من العوامل والعمليات الداخلية وهي الميكانيزمات الثقافية التي تنبع من المجتمع الأصلي، ومن هذه العمليات والميكانيزمات الثقافية: التجديد: (innovation) والا كتشاف (discavery) ويمكن عرض ذلك بالتفصيل:

  1. التجديد:

يذهب “هولتكرانس” إلى أن التجديد يعني أي عنصر ثقافي جديد تقبله الثقافة، وهو كذلك العملية التي تؤدي إلى هذا القبول والتي يمكن وصفها بأنها صورة من صور التحول أو التغير الثقافي.

أما “بارنت” (1939) فيعرف التجديد بأنه أي فكرة أو سلوك أو شيء يكون جديدا، لأنه يختلف نوعيا عن الأشكال القائمة.

أما “هير سكو فيتش” فإنه بإمكانية وصف عمليات التجديد بأنها اختراع واكتشاف وانتشار، ويسوق مثلا على ذلك بأن الاستفادة من الخشب في بناء قارب أو صنع مجداف جديد، تعد تجديدا.

ويرى “ألاند” أن تغير الأنساق الثقافية يرتكز أساسا على التجديد والاستعارة أي الانتشار ويحتوي هذان النمطان من أنماط التحول على العناصر العشوائية في بعض الأحيان، ولكن ما يهمنا هنا هو التجديد الذي قد يحدث نتيجة لاكتساب مفاجئ وقع بالصدفة.

وقد تناول “شوميكوو وروجرز” (1967) هذه العملية (التجديد) وكيف ينتشر في المجتمعات المختلفة ومعوقاته، ومنشطاته… إلخ. ويقصد المؤلفان بمصطلح التجديد هنا الأفكار الجديدة والثقافات الجديدة، التي تنبع من داخل النسق نفسه ومن خارجه.

 وقد تناول علماء الأنثروبولوجيا الأوروبيون أيضا مفهوم التجديد فنجد “فارنياك” يقول بأنه على مدى التاريخ كان يحدث انهيار في بعض أجزاء التراث، ولكن ذلك لم يكن –حتى القرن التاسع عشر- إلا نوعا من التجديد.

إذ يعاد على الفور تكوين مجموعات أخرى من التقليد. وكان مظهر التجديد الأكبر في هذا الصدد هو اختفاء ذلك النوع التقليدي من التجديد، مما نتج عنه ظاهرة فناء التقاليد.

ويشير “فوستر” إلى ان الإنسان المجدد في ثقافته هو إنسان هامشي –على حد قول “بارنيت”- يجنح عما تألفه الجماعة، ولا يرضى بما يشيع لديها من طرق تقليدية، ويرفض الإمتثال لها في نفس الوقت. وهذا الصنف من الأشخاص يعد حامل مشعل التحول الثقافي الداخلي. وفي هذه الصدد يقدم عالم الأنثروبولوجيا “ماندلباوم” دليلا على ذلك بقبائل الكوتا غير العادية. [14]

وفي نفس السياق أيضا عبر الأستاذ “بول باسكون” (1975) عن هذا بقوله “لقد أصبح ونتج عن اختفاء النظام القبلي، تمركز قوى للسلطات بين أيدي الدولة، وأصبحت قدرتها المطلقة تتجلى كظاهرة جديدة مهمة في هذا العصر، ذلك أن القرويين يعتقدون أنه لا يمكن القيام بأية مبادرة دون موافقة الإدارة، ولم يعد هناك أي ميدان يخص الأفراد وإلا تتدخل فيه الدولة: التعليم، عقارات الأحباس، الحراسة، تقسيم الأرض، القيم الثقافية، الأعراف القبلية…إلخ. أدى ذلك بالأفراد إلى  خلق ثقافة جديدة ونمط حياة آخر. [15]

2- الإختراع:

الاختراع هو إضافة ثقافية تحدث نتيجة عمليات مستمرة داخل ثقافة معينة. ويرى “أوجيرن” أن الاختراعات هي توليفات بين عناصر ثقافية قائمة فعلا في شكل  جديد أما “لينتون” فإنه يرى أن الاختراع هو تطبيق جديد للمعرفة.

 ويرى “هيرسكوفيتس” أن الاختراع والاكتشاف ميكانيزمان للتجديد الداخلي في أية ثقافة، وهما اللذان يضطلعان بمهمة التحول الثقافي، غير أن هناك مشكلات كبيرة عند التمييز ما بين الاختراع والاكتشاف، ولكن النظرية الوظيفية اجتازت هذه المشكلات بأن نظرت إلى هذا التميز على انه قليل الجدوى، لأن الأمرين كليهما يمثلان معا وسائل لتغير الثقافة من الداخل في مقابل الإبتداعات التي كانت تؤدي وظيفتها بالفعل في مكان ما قبل ان تستعار منه إلى المواطن المستعير.

وقد تصدى”ديسكون” للصعب الاشتقاقية اللفظية في التميز بين الاختراع والاكتشاف، ورأى في النهاية أن التميز يكون على أساس وجود الغرض أو غيابه، وعلى ذلك فالاختراع يكون اكتشافا هادفا، ثم يقرر “ديسكون” في النهاية أن الميكانزمين يتراوحان ما بين: “الاعتماد والبحث على الصدفة المتعثرة لشيء سابق غير معروف خلال بحث قد يطول أو يقصر مداه، وبين التجريب الفرضي للمواد الموجودة القائمة التي تؤدي إلى خلق شيء جديد، لم يكن موجودا من قبل، لولا ما تحمله الجهد الانساني من عناء البحث الواعي.

الفرق بين عمليات ثلاث في التحول الثقافي الداخلي فيقول بان الاكتشاف الفجائي العرضي لنبات جديد صالح للأكل يعد اكتشافا. أما البحث عن النوع الجديد والأقوى كقش الخضار مثلا أو الأخشاب فإنه يوضح لنا الاختراع، في حين أن استخدام هذا القشر أو الخشب في بناء قارب مثلا يعد مثالا على التجديد وفي ضوء ذلك يصل “ديسكون” إلى أن الاختراع هو “خلق عرضي لشيء ما جديد كلية من جذوره” ويرى “ديسكون” أيضا بأننا لو سلمنا بوجود شيء ما في البيئة، فإنه يمكن استغلاله في تحقيق هدف هام إذا تعرف أحد الأشخاص على جدوى هذا الشيء وأدركه الملاحظة عن طريق ما يتمتع به من خيال خصب فأن الدافع الذي حمل الانسان هنا على المعرفة الجديدة هو دافع الضرورة وهكذا.

ومن المأثور أن الحاجة الملحة الضرورة هي أم الاختراع، وعلى ذلك فإن هذه الضرورة تدفع المرء  إلى البحث السببي عن إشباعها، أي لا بد من الاختراع، بان يقدم مثلا شيئا غذائيا جديدا كالجبن، والأغذية المحفوظة، وتهجين البذور للوصول إلى بذور منتقاة ومحصول أوفر. [16]

غير أن هذه الاحتياجات الملحة تعد بمثابة القوى الأساسية الكامنة وراء الظواهر الثقافية في رأي “مالينوفسكي” الذي يشرحها بقوله: “أن الاحتياج الثقافي هو مجموعة كبيرة من الظروف التي يجب اشباعها إذا ما أريد للمجتمع أن يبقى ولثقافته أن تستمر.

ومع ذلك لا تعد الأفكار وسائر الجوانب اللامادية من الثقافة أقل قيمة من الأشياء  في تشكيل حياة الإنسان، وبالتالي فلا يمكن أن يقلل من شأن المخترعين –بالمعنى الأنثروبولوجي هنا- الذين يخترعون تصنيعا جديدا لمصطلحات القرابة، أو مظاهر الايداع الفني ، أو الديني أو الاجتماعي ويقول “كروبر” بوجود اختراعات في المؤسسات مثل نظام القرابة الأممي والملكية هذا علاوة على أن الاحتياج لا تقتصر أهميته فقط على الجانب المادي من الثقافة، وإنما تبدو أهميته في الجانب اللامادي أيضا، ويبقى الاحتياج مفهوما نسبيا. وغاية العقول أذن أن الاختراع جانب أساسي وميكانيزم جوهري في ديناميات الثقافة وتحولها من حال إلى حال آخر في الزمان والمكان هو في الوقت نفسه نتيجة وانعكاس لعمليات التحول الثقافي. وتظهر معالم ذلك في حالة اختراع آلة بسيطة محلج القطن في الريف، وبالتالي توفر مجهود النسوة والصغار في عملية الحلج اليدوي (التفصيص).  وبالمثل يعد اختراع تقديم الحلوى في الأفراح بدلا من عملية هامة أحدثت تحولا ثقافيا في المجتمع القروي على سبيل المثال. وسرعان ما انتشرت في قرى مجاورة بفعل الاتصال والاحتكاك بالقرية. كما شمل هذا التحول أيضا الطقوس المتبعة في حالة الوفاة وغير ذلك من المناسبات. [17]

تميل هذه النظرة إلى ان تكون إما النظرة في عقبة عتيقة كأداء في وجه التطور والتقدم المنشود من جهة، أو إلى  خزان للقيم الثقافية السامية تحاصره وتتهدده قوى التغير والتحول من جهة أخرى، وهذا ينطبق أيضا على جوانب الانتظام في التحول الحاصل في المجتمعات التي تتعرض لثورات اجتماعية شاملة. [18]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق