المقالات

التحولات العالمية وأثرها على ثقافة الشعوب(عبد العالي قيدي)_ج2_

  • الاكتشاف:

الاكتشاف هو الاضافة الثقافية التي تتحقق من خلال ملاحظة الظواهر الموجودة ولكن لم يسبق الالتفات إليها من قبل، والمتضمنة على حالتها هذه –كما يذهب “هولتراكس”- في الثقافة التي أعيد تشكيلها من اجل الاستعمال الثقافي- ويعرف “هوبل” الاكتشاف بأنه عملية الوعي بشيء قائم بالفعل، ولكن لم يسبق إدراكه من قبل.

ويشير الاكتشاف في النهاية إلى الطرقة التي يتم بها خلق مادة ثقافية موجودة لم يسبق الالتفات إليها، مثل البترول والمعادن على وجه العموم، فهي موجودة  في باطن الأرض، ولكن الاكتشاف هو الذي أخرجها إلى حيز الوجود الثقافي فأضافها إلى العناصر الموجودة الأخرى، وكذلك الحال اكتشاف النظم القرابية في المجتمعات البدائية على أيد علماء الأنثروبولوجيا، فهي نظم قائمة قبل وجودهم ودراستهم، ولكن هذه الدراسات هي التي كشفت النقاب عنها. ومثل ذلك المعتقدات الشعبية وغيرها، وهي موجودة، ولكن اكتشافها هو الذي يخرجها إلى حيز الضوء ويبرز التناول الوظيفي لها في ثقافتها الأصلية.

في دراسة للثقافة بين التحول الداخلي والمحافظة. وما يؤكده “تورستين فبلن” من أن هذا المثل يتمتع بالصدق الأمبريقي التام. ومن المعروف أن المناخ الفكري له تأثيره الكبير على عمليات الاكتشاف، فقد لا يسمح الإطار الثقافي في السائد لاكتشافات المكتشفين وتجديداتهم، وبلفظها وتصبح عديمة الجدوى إلا من وجهة نظرهم هم أنفسهم. ومن ناحية أخرى قد يتواضع المكتشف أو حتى المخترع من هؤلاء المتخصصين، في وصف أهمية اكتشافه والحديث عن جدواه، حتى لا تظهر أكثر إلحاحا بالنسبة للأعضاء الآخرين في جماعته.

وفي سياق الحديث عن الاكتشاف، تجدر الإشارة إلى أن الجانب المادي من الثقافة قد حظي بالقدر الأكبر من اهتمام المكتشفين، على حين لم ينل الشق اللامادي اهتماما يعادل هذا الاهتمام، وبالإضافة إلى ذلك ساد الظن بأن الماديات أكثر تأثيرا في حياة الإنسان والمجتمع، بشكل يفوق اللاماديات (Nonmaterial)، وقد أكد الكثيرون هذا الظن، غير ان الواقع الإمبريقي الذي خلصت إليه الدراسات تبقى نقطة بالغة الأهمية، وعلى كل فإن هؤلاء الدارسين ينقسمون إلى فئتين تتخذان القرارات المعجلة بالتحول الثقافي في المجتمع سواء كانوا يشغلون مراكز رسمية قيادية او لا يشغلونها.

ففي فئة تضم الانسان الهامشي (marginal) ذلك الذي يتعرف عما ألفته الجماعة وهو الشخص المجدد على العموم، ومثال ذلك –كما سبق- هم قبائل الكوتا بالهند، وتضم الفئة الثانية الأشخاص المحاطين بالهبة وهم أكثر فعالية في توطئة الجو لحدوث التحول الثقافي.  

وخلاصة القول في شان ذلك هي أن الشخص المنحرف عن الجماعة والخارج عليها، والشخص المهيب، ينطويان على قدر كبير من الأهمية في إحداث التحول الثقافي والتعجيل به، بيد أن تأثير الشخص المهيب بطبيعة الحال، أقوى من تأثير الشخص الخارج عليها فلا يلقي الاحترام أو التقدير وبالتالي فلن تقبل منه قدرة على الاطلاق، ولن يسير وراءه أعضاؤها. وفي هذا الخصوص تحدث “آدمز وويلين” عن قدرة الشخص الهامشي الذي هو صاحب التأثير في إحداث التحول الثقافي الداخلي داخل المجتمع. [19]

إن التحول الثقافي الداخلي لأي مجتمع من المجتمعات يضم التغير الاجتماعي ضمن المفهوم العام، فالتحول الثقافي يشمل جميع المتغيرات التي تحدث في أي فرع من الثقافة، كالفن والعلم والتكنولوجيا والتحولات التي تحدث في التنظيم الاجتماعي، وعلى هذا يكون التنظيم الاجتماعي من نتائج التحول الثقافي الداخلي. [02]

التحول الثقافي يتحول بصفة أساسية بتراكم العوامل المخترعة والمستعارة، فالعوامل الجديدة تدخل النظام الثقافي وتنافس وتتحد مع السمات الموجودة وحقن النسل الثقافي بعامل جديد يزعج ويشوش الانسجام الوظيفي بين العوامل المترابطة، وهناك أربع خطوات في عملية التحول الثقافي الداخلي

  1. تأتي سمة جديدة أو عامل جديد فينتشر خلال التنظيم من مركز أصلي، هذا المركز هو المنطقة التي اخترع فيها واستعير منها، وهناك ظروف تؤثر في انتشاره واتجاه هذا الانتشار، وخلال سير السمة الجديدة في النظام يمكن أن تتغير وتحدد مع سمات أخرى غير ذات علاقة.
  2. أثناء الانتشار يزعج العامل الجديد الأبنية الثقافية القائمة، ويمكن ان ينافسها او يتصارع معها على البقاء، ومن جهة أخرى يمكن أن يساند سمات قائمة أو يساعد على انتشارها.
  3. انتشار العامل الجديد وتوسعه يؤدي إلى تغير ملامح الثقافة القائمة، ثم تعود إلى الارتباط بشكل يسمح لها استقبال واستيعاب السمة الجديدة.
  4. يستوعب النسق الثقافي هذا العامل الجديد ما لم تحدث اختراعات تسبب التشويش المستمر، وعلى الرغم من الصلة الوثيقة بين التغير الاجتماعي والتحول الثقافي، وهذا الخير يشمل كل التحولات والتغيرات التي تحدث في كل فرع من فروع الثقافة بما في ذلك الفن –العلم- التكنولوجيا- القيم- العادات- التقاليد- الأعراف…إلخ، كما يشمل فوق ذلك التحولات التي تحدث في أشكال وقواعد التنظيم داخل المجتمع. [21]

كانت رياح التحول والتغير الثقافي قد أعلنت وحدة النوع الانساني وحقوق الانسان المتساوية، كان علماء الأنثروبولوجيا متناقضين إلى الحد الذي توصلوا فيه مع هذا الميل الإديولوجي، وقد عمل العديد منهم، من ناحية، نطر إلى وجهات نظر المختصين في مجال الثقافة وتحولها داخليا في مجتمع من المجتمعات. [22]

فالتحول الثقافي الداخلي مرتبط بتدبير الشأن الثقافي داخل المجتمعات منها العربية على العموم والمجتمع المغربي على الخصوص كمثال في ذلك بالمعنى الحديث لم يأت للمغرب إلا من خلال اطلاعه على الآخر المختلفة (صدمة الحداثة) ومن صدمة الحداثة هذه “علمنا العالم الحديث أن نتواجد بسمات ثقافية مختلفة لا تعكس جوهر ذاتنا بل تعكس ثقافة الاخر وهي سمات الآخر بالمعنى الثقافي. [23]

مع تعرض المغرب للاستعمار المتعدد الهداف والصفات، ستتجلى واضحة أهمية العوامل الثقافية والسوسيولوجية في تجسيدها العمق التاريخي المغربي، وتحديد الكيفية التي سيتم من خلالها صوغ مشروع التحديث والاصلاح داخل مجتمع تقليدي كالمغرب، وتوطين الحداثة، التي لا تعبر في حال موطنه الأصلي، و خلاصة القول إذن إن هذا الإصرار على الدمج بين الحداثة والتقليد، أدى إلى إنتاج وضع تاريخي خاص قوامه إما حالة من التكيف أو حالة من الصدام والنزاع بين نمطين ثقافيين مختلفين جذريا،[24] من جهة نمط قائم ومنذ قرون خلت على نظم ثقافية ميثولوجية شفاهية ومقدسة الزوايا، المساجد، الأضرحة، المواسم والأعياد الدينية والعادات والتقاليد والقيم السائدة…) ومن جهة أخرى نمط حديث يفرض ذاته قائم على النظام المعرفي الحديث، هذا التساكن بين الصراع والتكيف، ورغم ما كان يعانيه من تواترات، توخى تحديد موقع المغرب في الزمان والمكان، وخدمة القضايا الأساسية المتصلة بالشأن الثقافي، وربط رهانه وتمكينه في نهاية المطاف من تحديث بناه الثقافية والقيمية. ولأن مجتمعنا المغربي سعى جاهدا خلال القرن الماضي وقرون قبله إلى الحفاظ على هويته وحمايتها مما يتهددها من الخارج، فإنه أصبح مدعوا في إطار هذا الزخم الهائل من المتغيرات. صدمة الاستعمار وصدمة الحداثة. إلى إعادة النظر في تدبير الشأن الثقافي وكذا المسلمات والبديهيات التي تحكمت فيه، والقيم والآليات التي تداولت على أراضيه، ذلك ان مفهوم الحداثة “كمنتوج تاريخي طويل الأمد” هو رغم الغموض الذي يتلبس به وإيحاءاته المتباينة، “أيديولوجيا كونية للتغير والتحول الشامل، وما على المجتمعات التقليدية كالمغرب إلا أن تفتح الأبواب على مصاريعها، لتهب عليها رياح الحداثة وأسلوبها وقيمها الجديدة حاملة شعار: “نحن هنا حضرنا إلى أراضيكم لنمكنكم من الخروج من التخلف وتحقيق ثقافة جديدة تواكب التقدم المنشود. [25]

رابعا: الثقافة بين الماضي والحاضر:

تتصارع الثقافتان التقليدية والحديثة في أي مجتمع باعتبار أن صراعهما يعكس تصارع المصالح بين الداعين إلى كل ثقافة منهما، كما يعكس حكم التغيرات، التي طرأت على الأوضاع الثقافية والاجتماعية وغيرها في المجتمع، حيث أن الثقافة هي وليدة مجمل علاقات الإوضاع السابقة، وبالتالي التحولات المجتمعية تؤدي ّإلى تحول الثقافة، وهو الأمر نفسه الذي أدى إلى ظهور ثقافتين متصارعتين: تقليدية  مرتبطة بالماضي بكل حمولتها التاريخية وتقاوم التغير وتعمل على تكريس الأوضاع، وحديثة مرتبطة بالحاضر تستعجل التغير والتحول وتشجعه. لقد أحدثت الأزمات الاجتماعية دائما تحولات عميقة  يختلف حولها من لهم مصلحة فيها مع الذين تضررت مصالحهم بسببها، فالثقافة ليست أفكار معلقة في الفراغ، بل هياكل ومؤسسات وعلاقا على الأرض، وهنا يمكن المقارنة بين أنصار الثقافة القديمة وأنصار الثقافة الحديثة على النحول التالي:

 في مقابل الارتباط بالقديم من أنظمة ونصوص وعادات وتقاليد وقيم وأفكار… إلخ، لأنصار الثقافة التقليدية، إيمانا منهم بان ما صلح به الأولون قادر على إصلاح حياة المعاصرين، اعتمادا على اعتقاداتهم في إطلاقية المثل والمبادئ والقيم القديمة، في مقابل ذلك سيتم تعيين ارتباط أنصار الحداثة بالذات الانسانية. التي تقوم على الفرد من جهة، والعقلانية من جهة أخرى، إيمانا منهم بأن المعاصرة تعني العيش مع الآخر والمختلف، في عالم واحد في الزمان والمكان، ومن ثم ضرورة التأثير والتأثر بحضارة عالمنا المعيش، إن لم يكن للحاق بركب الحضارة، فعلى الأقل لنستطيع رد العدوان والدفاع عن النفس.

يحول انصار الثقافة التقليدية الظواهر الاجتماعية في العالم، وفي كل مجالات الحياة إلى ظواهر دينية، لإيمانهم السابق بضرورة استمرار القديم، الذي من دونه تضيع معايير الصحة والخطأ والحلال والحرام، وفي المقابل يفهم أنصار الثقافة الحديثة الظواهر الاجتماعية في العالم في كونها ظواهر اجتماعية وليس أكثر من ذلك، ومن هنا يشجعون اللجوء إلى التخصصات المختلفة. يرى انصار الثقافة التقليدية بأنه لا بد من الابقاء على الأصالة والموروث، وعراقة التراث مطلقين على أي ثقافة أخرى لا تنتمي إلى هذا الموروث بالثقافة الوافدة او الداخلية، ففي مقابل دعاة الحداثة الذين يشددون على ضرورة حصول قطيعة معرفية، بين القديم والحديث من أجل تحقيق التقدم لا مناص من الحداثة والمعاصرة  وفتح المجال للوافد الجديد. [26]

وهذا ما أدى إلى ترسيخ قيم التوافق والتعاون والتعايش بين ثقافات الماضي والحاضر من أجل تدعيم التعاون في إطار المنظمات الدولية والاقليمية القائمة والتي تشكل في حد ذاتها المنظومة العالمية التي تجتمع حولها الشعوب والأمم والدول والحكومات، والتي يتوافق عليها أتباع الأديان والثقافات. [27] مهما تكن الاختلافات بين الثقافات الماضية والحاضرة فإن التوق نفسه يخترق كل هذه التقاليد الكبرى التي تعبر عن نفس الأخلاق الخلاصية للإنسان داخل أي مجتمع من المجتمعات. [28]

ليست الثقافات كيانات ساكنة منكمشة على ذاتها. وتتمثل إحدى العقبات الأساسية في وجه الحوار بين الماضي والحاضر لدى الثقافات فيما تم الاعتياد عليه من التفكير في الثقافات باعتبارها ثابتة ومكان تصدعات أرضية عميقة تفصل بينهما أي بين الجيل السابق والجيل الحالي، ويقوم أحد الاعتراضات الرئيسية على نظرية “صموئيل هنتنغتون” حول “الصدام بين ثقافات الماضي والحاضر أي الثقافات التقليدية والحديثة، على أنها تفترض مسبقا وجود انتماء وحيد وليس انتماءات متعددة بين المجتمعات البشرية، ولا تراعي الترابط التكافلي والتفاعلي الثقافي فيما بينها، فوصف الفوارق بين هذين النوعين من الثاقفات بين قديم متروك وحديث متداول، فوصف هذه الفوارق باعتبارها تصدعات أرضية عميقة يعني تجاهل مسامية الحدود الثقافية والإمكانات الخلاقة لدى الأفراد الذين تحيط بهم هذه الحدود والثقافات كالأفراد توجد ضمن علاقتها بغيرها.

وفي مختلف مراحل التاريخ، يجد التداخل والتشابك بين الثقافات الحديثة والتقليدية تعبيرا عنه في أشكال ممارسات ثقافية مختلفة من الاستعارات والتبادلات الثقافية (طريق الحرير) إلى فرض الثقافات عن طريق الحرب والفتوحات والاستعمار. على انه حتى في حال العبودية، وهي حالة متطرفة، تطرأ تبادلات يتم عبرها تمثل الثقافة  المهيمنة لعمليات تقبل متحفظة لثقافة الاخر، واليوم. وعلى الصعيد النظري على الأقل، أدى الاعتراف بعالمية حقوق الانسان إلى التمكن من التفكير في قيام تبادلات حقيقية على أساس الاحترام بين ثقافات المجتمعات. وتنشأ بسبب العولمة لقاءات واستعارات وتبادلات ثقافية أكثر انتظاما. وهذه الصلات العابرة للثقافات لديها الامكانية للقيام بدور عوامل قوية ميسرة للحوار بين الثقافات ومن شأن إعادة التفكير في تصنيفات الفئات الثقافية والاعتراف بتعدد مصادر هوياتنا أن يساعد على تحويل التركيز من الفوارق بين ثقافات الماضي والحاضر. [29]

للمسألة الثقافية قديما وحديثا أهمية بالغة وتأثير في تصور الذات ومدلول الانتماء وتعين الخاص والمشترك من التراث والنظرة إلى الأخر في العالم المحيط بنا وعلى الأصح الموجود في مخيلتنا أو في واقع الحال، ويظهر ذلك التأثير حتى في عامة الناس في تصنيف الماضي الثقافي إلى مقاطع منفصلة يمكن بترها افتراضيا او نكون وجودها أصلا (التعامل مع التراث ما قبل الاسلامي وما بعده تراث ما قبل الاحتلال وتركه الكولونيالية ملامح البناء الثقافي بعد التحرير. وينعكس واقع المسألة الثقافية على سلوكات الأفراد وحركية الجماعة أو المجتمع، ذلك أن الثقافة هي المحرك والمحدد لسلوك الأفراد وحركية المجتمع فيقول المفكر “مالك بن نبي” إن سلوك الفرد مشروط بشيء من السلبية أو أنه فاقد للشيء من الايجابية، أعني لشيء أساسي من الفعالية ، بينما كان يرى في الوقت نفسه أن سلوك الآخرين ينطبع إلى حد كبير بالإيجابية والفعالية. وبهذا يمكن أن ترقى المسألة الثقافية من مشكلة إلى حالة أزمة وتتجلى هذه الأزمة في التناقضات التي يتم ملاحظتها على سلوك الأفراد وحركية المجتمع، فالقيم والأفكار المرتبطة بالثقافة مرتبطة بالمقدس والمحرم، وكذلك عندما يتنكر المجتمع نفسه لقيمه وتاريخه، فإنه يدخل في ما يسمى بالتصدع  الثقافي، وتكمن عوامل الأزمة في وضعية تصدعات الثقافية والانشطارات والتباينات في القيم التي تؤدي إلى صراعات عنيفة بين القيم، ولهذا فإنه من المفترض أن مجتمعنا في مستوياته الجماعية والفردية يقع في دوامات الصراع بين الماضي والحاضر. وللتعريج قليلا عن واقع الثقافة والتي هي جزء لا يتجزأ من الثقافات، فإنها تشكل مسرحا من الفوضى القيمية وساحة للتناقضات بين القيم والمبادئ بين الشعارات والانجازات، بين التصرفات والممارسات، وبالتالي فإن المرء الذي ينشأ في مجتمع يجفل بكل التناقضات لا بد له أن يواجه معانات القيمة وأن يعيش هذه الفوضى الثقافية الفكرية التي ستلبه في مستوى الوعي والتصورات.

وفي هذه الازدواجية التي يعيشها الانسان العربي بشكل عام والمغربي بشكل خاص تعتبر مشكلة حقيقة التي تعيقه على المبادرة والمبادأة  لإنجاز استحقاقاته. وحل مشكلاته المختلفة التي هي في الأصل نتاج طبيعي لهذه الوضعية الثقافية التي تسود في مجتمعه، فالفرد العربي أو المغربي يشعر بالتمزق لأنه أصبح يعيش بين عالمين كلاهما غريب منه، عالم ثقافة لا تستطيع أن تضمن إشباع حاجاته المختلفة، وثقافة تشعره في كل لحظة بنقصه لأنه يستهلك منتجات لا يستطيع أن يشارك فيها لأنها تنطلق من رؤى معرفية تناقض منطلقاته المعرفية والعقدية، وهي لا تقبله إلا غذا تخلى عن منطلقاته المعرفية الأصلية.

إن هذا الوضع للعالم الثقافي بين الماضي والحاضر للإنسان والمجتمع رغم كل التناقضات وتلك النظرة التشاؤمية لهذه الازدواجية بين الثقافات يمكن أيضا اعتبارها مدخلا أساسيا لحل المشكلات والتطور والتقدم التي تعصف بهذا الفرد أو هذا المجتمع، وأن هذا التناقض بين السمات الثقافية التقليدية والغربية الحديثة مثل الصراع بين قيم القبيلة والعادات والتقاليد والقانون والدولة وبين قيم الاستقلالية الفردية، وقيم الكرم والتقشف وما إلى ذلك…إلخ، كل هذا يمثل مرحلة تطورية وتحويلية داخل المجتمع والرقي به للخروج من حالة التقليد والتأخر إلى حالة التحديث والتطور والتقدم ومواكبة سير التنمية داخل هذه المجتمعات. [30]

على سبيل الختام:

من خلال عرضنا اتضح لنا أن الثقافة في العصر الحالي عرفت تحولات عميقة وملموسة لدى جميع الشعوب والمجتمعات الداخلية والخارجية السبب في ذلك هو تلك التأثيرات الخارجية التي فرضت نفسها بحمولاتها الثقافية نتيجة المد العولمي وما يلقيه بضلاله على هذه الشعوب من تبدلات وتحولات ثقافية أثرت على ثقافة هذه المجتمعات ، هادفة إلى إحداث خلل في الهويات الثقافية للشعوب عن طريق عوامل عدة منها ، عامل الاكتشاف أي اكتشاف ثقافات أخرى آتية من الآخر وعامل ” الانتشار” أي انتشار ثقافة الأخر من مكانها الأصلي إلا مكان آخر، وهذا ما يسمى بمفهوم ” الاختراع الثقافي” التي تتحول فيه الثقافة بصفة أساسية – كما عرفنا – بتراكم العوامل المخترعة أو المستعارة ، فالعوامل الجديدة تدخل على النظام الثقافي القائم وتتحدد مع السيمات الموجودة وحقن النسل الثقافي بعامل جديد يزعزع الانسجام الوظيفي بين العوامل المرتبطة وبالتالي فهذه التحولات التي طرأت على هذه المجتمعات حصلت بشكل داخلي وخارجي بحيث أن هذه الثقافات اليوم أصبحت مختلفة تماما عن ثقافة الماضي ، كما أن هذا التحول الثقافي فرض نفسه على هذه المجتمعات بشكل إلزامي من أجل مواكبة سير التنمية والتقدم والتطور نتيجة ما فرضته العولمة وما تحمله من ايجابيات وسلبيات تجاه هذه المجتمعات اليوم .

لائحة المراجع :

[1] . محمد زعو، أثر العولمة الثقافية لأفراد الشعوب ، الأكاديمية للدراسات الإجتماعية والإنسانية ، جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف ص : 96-97

[2] . محمد زعو، مرجع سابق ص : 98

[3] . ناري بريان ، الثقافة والمساواة نقد مساواتي للتعددية الثقافية، ترجمة كمال المصري ، الجزء الأول، نوفنبر سنة 2011، ص : 118 .

[4] . التحولات الاجتماعية المجالية في الإرياف المغربية ، تنسيق وتقديم بن شريفة عبد اللطيف وآيت حمزة محمد، منشورات كلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط : سلسلة ندوات ومناظرات رقم ،28 الطبعة الأولى سنة 1994 ، ص: 124

[5] . عبد الرحيم العطري، التحولات المغرب القروي أسئلة التنمية المؤجلة ، تقديم الدكتور مصطفى محسن الطبعة الثانية، السنة 2012، ص : 119

[6] . التحولات الاجتماعية المجالية ، مرجع سابق، ص: 125

[7] . دلال ملحس استيتية ، التغيير الاجتماعي والثقافي، قسم الإدارة التربوية والأصول كلية العلوم التربوية ، الجامعة الأردنية ، الطبعة الثانية، الستة 2010، ص : 104 -105-106

[8] . عبد المالك بلالي، مدخل إلى علم الاجتماع الثقافي ،جامعة محمد لمين دباغين – سطيف 2 ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، ص : 41

[9] . دونيس كوش ، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة د. السعيداني منير، مراجعة       د- الطاهر لبيب ، الطبعة الأولى : بيروت آذار (مارس) السنة 2007 ،ص: 94 .

[10] . دلال ملحس استيتية ، التغيير الاجتماعي والثقافي ، مرجع سابق، ص: 109 – 110

 [11] . دلال ملحس استيتية ، التغيير الاجتماعي والثقافي ، مرجع سابق، ص: 112

 [12] . حسين موسى ، ميشيل فوكو ، الفرد والمجتمع ، جامعة تونس الأولى ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، السنة 2009 ،ص : 117

  [13] . مجلة عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، فصيلة محكمة يصدرها المركز العربي   للأبحاث ودراسة السياسات، العدد 17- المجلد الخامس – صيف 2016 ، ص: 48 .

  [14] . دلال ملحس استيتية، التغيير الاجتماعي والثقافي، مرجع سابق، ص: 94

  [15] . محمد ايت حمزة ، ملامح التحولات السوسيومجالية بحوض أسيف أمكون المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ، مركز الدراسات التاريخية والبيئية سلسلة ندوات وأبحاث – رقم 60، الرباط السنة 2016، ص: 189.

   [16] . دلال ملحس استيتية ، التغير الاجتماعي والثقافي، مرجع سابق، ص: 95-96

   [17] . دلال ملحس استيتية ، التغير الاجتماعي والثقافي، مرجع سابق، ص: 98

   [18] . كليفورد غيرتز ، تأويل الثقافات ، ترجمة د . بدوي محمد ، مراجعة وهبة الأب  بولس ، الطبعة الأولى : بيروت ، كانون الأول (ديسمبر) السنة 2009 ،ص: 364

   [19] . دلال ملحس استيتية ، التغير الاجتماعي والثقافي ، مرجع سابق، ص: 101-102

   [20] . محمد فؤاد حجازي ، البناء الاجتماعي ، دار غريب للنشر الطبعة الثانية ، السنة 1987 ،ص: 13

   [21] . محمد علي محمد، الشباب العربي والتغير الثقافي، دار المعرفة الجامعية بيروت، السنة 1999 ،ص: 23

[22] . توماس هايلا إريكسون وفين سيفرت نيلسون ، تاريخ النظرية الأنثروبولوجية،  ترجمة أ.ب. لاهاي عبد الحسن ، كلية الآداب ، جامعة بغداد منشورات ضفاف ، منشورات الاختلاف ، الطبعة الأولى السنة 1934 هـ 2013 م ، ص: 118

[23] . باتريك سافيدان ، الدولة والتعدد الثقافي ، ترجمة المصطفى حسوني، معالم (الرباط :               دارتوبقال للنشر السنة 2011)، ص : 30 .

  [24] . فريد المريني ، معيقات التحول الليبرالي في المغرب ، صراع الحداثة والتقليد ، دفاتر وجهة نظر، 10 (الرباط ، السنة 2006 )، ص: 19

[25] . فريد المريني ، معيقات التحول الليبرالي في المغرب مرجع سابق، ص: 7

[26] . أحمد مشاري العدواني ، الثقافة العالمية ، مؤتمر التحولات الثقافة العالمية  سبتمبر – أكتوبر السنة 2015 ، العدد 179، المجلس الوطني للثقافة  والادب والفنون، ص :62

[27] . الدكتور عبد العزيز عثمان التويجري، الهوية والعولمة من منظور التنوع الثقافي منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إيسيسكو- الطبعة الثانية السنة 1436 هـ / 2015 م ، ص: 15

[28] . داريوش شيفان ، ما الثورة الدينية ، الحضارة التقليدية في مواجهة الحداثة، ترجمة وتقديم    د. محمد الرحموني ، مراجعة  د. مروان الداية ، المؤسس العربي للتحديث الفكري الطبعة الأولى السنة 2004 ، ص : 89

[29] . تقرير اليونسكو : الاستثمار في التنوع الثقافي والعوار بين الثقافات، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ، ص: 12

[30] . عبد الله محمد عبد الرحمان ، السيد رشاد غنيم مدخل إلى علم الاجتماع ، جار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، الطبعة الأزلى السنة 2008 ، ص : 38-39

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق