المقالات

التحولات الجيوسياسية لفيروس كورونا وتآكل النيوليبرالية -محمد الشرقاوي_ج 2_

يمثِّل وباء كورونا، الذي تصعب السيطرة على حركته عبر الحدود وبين القارات، تذكيرًا مروِّعًا جديدًا بمدى هشاشة الحياة البشرية في القرن الجديد. ولكن، يمكن اعتباره الوباء الأكثر ديمقراطية في عصرنا لعدم التمييز ضد أي عرق أو جغرافيا أو أيديولوجية سياسية أو ثروة أو مستوى من التنمية أو التخلف. وكما قال أحد المعلقين البريطانيين: “إنه لا يرحم ولا يستثني أحدًا، لا إمامًا ولا طبيبًا صينيًّا، ولا يراعي أي حدود وطنية. لذا، وحتى مع تراجع القادة الوطنيين عن ضمان طرق وطنية ذات إرادة في التعامل مع انتشاره، ينبغي أن تظهر إملاءات العلم والعقل. ومن دونهما، ليس هناك طريق آخر بديل للمضي قدمًا”(6).

يبدو أن نصف نطاق العدوى في مستواه الراهن في القارات الخمس يردِّد الحكمة التي صاغها سايروس إدسون (Cyrus Edson)، مفوض الصحة العامة في مدينة نيويورك، في مقالة بعنوان “الجرثوم كرافعة اجتماعية” (The Microbe as a Social Leveler) عام 1895. وكان معجبًا بأفكار الكاتب الاشتراكي البريطاني جيرارد وينستانلي (Gerrard Winstanley)، الذي عاش في القرن السابع عشر، والذي كتب يقول إن: “جرثوم المرض لا يحترم الأشخاص”. وأوضح أن الفقراء سيكونون الأكثر تعرضًا لخطر الإصابة بالمرض، وإنْ كان الأغنياء غير آمنين تمامًا من العدوى. ومن هذا المنظور، يقول إدسون: “إن اشتراكية الجرثوم هي سلسلة الوباء التي تربط بين جميع أفراد المجتمع(7). وخلال شهر مارس/آذار، لم تتمكن الدول الغنية في أوروبا وأميركا الشمالية والخليج من منع انتشار حالات الإصابة الجديدة في حين ظلت الدول الفقيرة تكافح من أجل توفير الموارد الأساسية من الماء والمطهرات والأدوية لمواطنيها. وبين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار، انتشر الفيروس بسرعات تفوق حد التصور.

أرقام زاحفة

بحلول الثامن عشر من مارس/آذار، أعلنت منمة الصحة العالمية مجموع 200106 حالة مؤكدة للإصابة و8010 حالة وفاة، فيما تمَّ شفاء 82813 حالة في 167 دولة. وينمُّ انتشار الفيروس عن دلالات مثيرة من حيث تفشيه في مناطق أكثر من غيرها. وتشمل قائمة الدول التي لديها أكثر من 200 حالة مؤكدة الصين 81048، إيطاليا 21157، إيران 12729، كوريا الجنوبية 8086، إسبانيا 5753، فرنسا 4469، ألمانيا 3795، الولايات المتحدة 1678، سويسرا 1359، المملكة المتحدة 1144، هولندا 959، السويد 924، النرويج 907، الدنمارك 827، اليابان 780، بلجيكا 689، النمسا 655، قطر 337، اليونان 227، سنغافورة 212، والبحرين 211. وقد خضع من يقرب من 60 مليون شخص في الصين لإجراءات الحجر الصحي. وأصبحت إيطاليا المركز الأوروبي للوباء بإجمالي 21157 حالة إصابة و1441 حالة وفاة.

ترددت منظمة الصحة العالمية في تصنيف فيروس كورونا “جائحة رسميًّا”. ولم تقرِّر نشر هذا الخبر السيئ حتى 11 مارس/آذار. وتحدُّد المنظمة مفهوم الجائحة بأنه “الانتشار العالمي لوباء جديد”، وتقتصر الجائحة على “مجتمع أو منطقة”. وصرح المدير العام لمنظمة الصحة العامة، الدكتور تيدروس غيبريسوس (Tedros A. Ghebreyesus)، بالقول “يسترعي لفظ “جائحة” الكثير من الاهتمام. بيد أن هناك ألفاظًا أخرى أكثر أهمية: الوقاية والاستعداد والقيادة السياسية والأفراد. نحن معًا في هذه المعركة”.

تقول لورا سبيني (Laura Spinney)، مؤلفة كتاب “الراكب الشاحب: الإنفلونزا الإسبانية عام 1918 وكيف غيَّرت العالم” Pale Rider: The Spanish Flu of 1918 and How it Changed the World “، إن تفشي الإنفلونزا أودى بحياة 50 مليون شخص عام 1918، وأنشأت الدول منظمات جديدة لمكافحة العدوى. لكن في عصر الأوبئة وتجدد التنافس بين القوى العظمى، لم تعد تلك المنظمات كافية”(8).

على الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي، قفزت حالات الإصابة بفيروس كورونا في الولايات المتحدة من حالة واحدة في 22 يناير/كانون الثاني إلى 2179 في 13 مارس/آذار. وهذا يمثِّل ما يسمى المنحى المتسارع؛ إذ يتضاعف عدد الحالات كل يومين أو ثلاثة أيام مما قد يصل إلى مائة مليون حالة بحلول مايو/أيار وفقًا لتقديرات صحيفة واشنطن بوست. تلاحظ أنثيا روبرتس (Anthea Roberts) ونيكولاس لامب (Nicolas Lamp)، مؤلِّفا كتاب سيصدر قريبًا بعنوان “الفائزون والخاسرون: سرديات عن العولمة الاقتصادية”Winners and Losers: Narratives about Economic Globalization أنه بدلًا من اعتماد إطار مشترك لفهم هذا التهديد، “يضاعف الفاعلون انتقاداتهم الحالية للعولمة والنيوليبرالية… وينظر المراقبون السياسيون إلى الفيروس الحالي على أنه توضيح مثالي لمزايا أو عيوب الاستبداد أو الديمقراطية، ويمكن للمرء أن يختار ما ينتقد”(9).

منذ عام 2009، تم الإعلان عن حالات طوارئ الصحة العامة خمس مرات على نطاق عالمي: جائحة إنفلونزا الخنازير عام 2009، وشلل الأطفال عام 2014، وإيبولا في غرب إفريقيا عام 2014، واندلاع فيروس زيكا عام 2015، واندلاع آخر لإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية الكونغو في 2019. ورصد خبراء منظمة الصحة العالمية حدوث 1483 انتشار وبائي في 172 دولة بين 2011 و2018. واعتبرت المنظمة تلك الحوادث بمثابة مؤشرات على حقبة جديدة من الأوبئة شديدة التأثير والانتشار السريع. وحذرت من التهديد الموثوق تمامًا لمسببات الجهاز التنفسي التي تؤدي في نهاية المطاف إلى كارثة بيولوجية عالمية يمكن أن “تتسبَّب في وفاة حوالي 50 إلى 80 مليون شخص وتدمير ما يصل إلى 5 في المائة من الاقتصاد العالمي، فضلًا عن التسبُّب في عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي”(10).

(يتبع)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق