المقالات

الاحتجاج في تاريخ الإسلام(محمد الصياد)_2_

مسار طويل
كانت واقعة الاحتجاج على الخليفة عثمان بن عفان -التي بدأت سلمية وانتهت باستشهاده مقتولا في داره- هي البداية التأسيسية لمسارٍ طويل ومطّرد من الاحتجاجات السياسية الجماعية والميدانية، والتي وثّقتها بدقة متناهية مدونات التاريخ الإسلامي طوال عهوده المختلفة.

ثم انتهت حقبة الخلافة الراشدة -إثر استشهاد الخليفة علي بن أبي طالب (ت 40هـ/661م)- بما أسسته للمسلمين من مبادئ تقر حقهم في الاعتراض والاحتجاج على سياسات حكامهم، باعتبارهم وكلاء عن الأمة في تحقيق وحفظ مصالحها العامة والخاصة، وبوصف الاحتجاج -إذا كان نابعا من أسباب موضوعية- نوعا من أنواع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صيغة “الحِسبة على السلطان”.

وانطلاقا من ذلك الإرث النظري والعملي الذي حكم نظرة الصحابة والتابعين إلى سياسات الخلفاء الراشدين؛ نجد أن المسلمين واجهوا سلطة الدولة الأموية في حالات كثيرة بكلٍّ من تلك الأوضاع الاحتجاجية، وذلك بدءا من مؤسس الدولة الأموية الخليفة معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/681م) وحتى آخر الخلفاء الأمويين.

لقد كانت حادثة سابقة قرار معاوية توريث السلطة لابنه يزيد (ت 64هـ/685م) أولى محطات المسيرة الاحتجاجية على الأمويين؛ فحين أمر معاوية واليه على الحجاز مروان بن الحكم (ت 65هـ/686م) أن يأخذ له بيعة الصحابة بالمدينة النبوية بولاية العهد لابنه يزيد تصدت له كوكبة من أبناء الصحابة، معترضين على ذلك القرار الذي كان له لاحقا تأثير خطير في تاريخ المسلمين.

فقد ذكر الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م) -في ‘الإصابة في تمييز الصحابة‘- أنه “كان مروان على الحجاز -استعمله (= جعله واليا) معاوية- فخطب فذكر يزيد بن معاوية لكي يبايَع له بعد أبيه…، فقال مروان: سنة أبي بكر وعمر! فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقيصر”!!

وكان مروان يعني أن استخلاف معاوية لابنه إنما جاء اقتداءً باقتراح أبي بكر على الصحابة تولية عمر خليفة بعده، أما الصحابة فقد رأوا في الأمر تقليدا لعادة قياصرة الروم في توريث الملك لأبنائهم؛ وهو ما توضحه رواية لدى الإمام السيوطي (ت 911هـ/1506م) -في ‘تاريخ الخلفاء‘- بقوله: “فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (ت 53هـ/674م) فقال: بل سنة كسرى وقيصر! وإن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما، ولا في أحد من أهل بيتهما”!!

وكان في قوله ذلك إشارة بليغة إلى تأثير بيئة الشام -الرومانية الحكم سابقا- على مزاج البيت الأموي، وخاصة معاوية الذي تولى -حتى ساعتها- ولاية الشام نحو ثلاثين سنة (واليا وخليفة).

ويورد ابن حجر ما يفيد بأن هذا الموقف الاحتجاجي تكرر مع معاوية نفسه حين قدم الحجاز حاجًّا سنة 51هـ/672م، وأراد أخذ البيعة لابنه من أهل المدينة؛ فقد “خطب معاوية فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلمه الحسين بن علي (ت 61هـ/682م) وابن الزبير (عبد الله ت 73هـ/690م) وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرحمن: أهِرَقليةٌ؟! كلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟! لا نفعل والله أبداً”!!

وينقل لنا السيوطي المرافعات القوية التي قدمها الصحابي الجليل عبد الله بن عمر (ت 73هـ/690م) دفاعا عن موقف أهل المدينة المناهض لتوريث الخلافة عائليا؛ فيذكر أنه خاطب معاوية قائلا: “أما بعد؛ فإنه قد كان قَبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يَروا في أبنائهم ما رأيتَ في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار (= الأفضل)”!!

وقد عزز عبد الرحمن بن أبي بكر موقف ابن عمر حين رفض الاستماع إلى حجج الخليفة معاوية “فقطع عليه كلامه، وقال: إنَّك لوددتَ أنا وكَلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل! والله لتردنّ هذا الأمر شورى في المسلمين أو لنعيدنّها عليك جذعة”!! وعبارة “لنعيدنّها عليك جذعة” فيها تهديد صريح بأنهم مستعدون لتصعيد الموقف من الاحتجاج السلمي إلى العصيان المسلح!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق