المقالات

الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية (محمد مختار الشنقيطي)

صدر مؤخرا كتابي الجديد: (الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية: من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي) عن منتدى العلاقات العربية والدولية في الدوحة. وهو دراسة واسعة جاءت حصاد سنين من البحث والتأمل، والتنقيب في تراث المسلمين وتاريخهم، وفي كتب كبار فلاسفة السياسة عبر العصور، من أيام أفلاطون إلى مطالع القرن الواحد والعشرين. وقد شرَّفني الشيخ راشد الغنوشي بكتابة تقديمٍ للكتاب. وستكون هذه الورقة من أوراق الربيع تعريفا للقراء الكرام بالكتاب، بقدر ما يسمح به اختزال ستمائة صفحة في مقال.

فالكتاب دراسة عن أزمة الشرعية السياسية في الحضارة الإسلامية، تعتمد النصَّ الإسلاميَّ معياراً، والتجربةَ التاريخية الإسلامية موضوعاً، وخروجَ المسلمين من أزمتهم السياسية غايةً. والمقصود بالأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية تلك المفارقة بين المبدأ السياسي الإسلامي والواقع التاريخي الذي عاشه المسلمون سياسيا، ولا يزالون يعانون تبعاته حتى اليوم، ثم ما نتج عن تلك المفارقة من صراعات سياسية مريرة في تاريخ الحضارة الإسلامية منذ منتصف القرن الأول الهجري إلى اليوم.

وقد قدَّمنا هذه المفارقة في شكل توتُّر دائم بين مقتضيات المبدأ النصي وأعباء الواقع المتخلِّف عنه أو المقاوِم له. فقد خلَّفت هذه المفارقة بين المبدأ النصي والواقع السياسي ألماً ظاهرا على الجسد الإسلامي، وتشاؤما مُضمَراً في حنايا الضمير المسلم عبر القرون. وليس من المبالغة القول إن جميع مظاهر الحضارة الإسلامية -بما في ذلك وعْيُها بذاتها وعلاقتُها بالغير- اصطبغت بصبغة أزمتها الدستورية، منذ صدْر الإسلام إلى زماننا الحاضر. لذلك اعتبرناها أزمة حضارة، لا مجرد أزمة نظام سياسي.

وقد بدأ الكتاب بمقدمة تتحدث عن “سيف الإمامة المسلول” على رقاب أمة الإسلام عبر القرون، وانتهى بخاتمة اشتملت على ومضة أمل في “إغماد سيف الإمامة“، إذا أحسن المسلمون اقتناص اللحظة التاريخية الحالية، وتشخيص الداء، وتوصيف الدواء. وتعبير “سيف الإمامة” مستمَدٌّ من قول الشهرتاني: “وأعظمُ خلافٍ بين الأمة خلافُ الإمامة، إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان.”

يتألف الكتاب -بعد المقدمة- من مدخل تمهيدي، وثلاثة أقسام يشتمل كل منها على فصلين، ثم خاتمة. وإذا أردنا وضع أقسام الكتاب الثلاثة في تقابُل، فيمكن القول -بتبسيط مُخِلٍّ- إن موضوع القسم الأول من الكتاب هو النص السياسي الإسلامي، وموضوع القسم الثاني هو التاريخ السياسي الإسلامي، وموضوع القسم الثالث هو تلمُّس سبيل للخروج من الأزمة السياسية الإسلامية.

وقد جعلْنا القسم الأول بعنوان: “التأمُّر في الأمير” والقسم الثاني بعنوان: “التأمُّر عن غير إِمْرةٍ،” والقسم الثالث بعنوان: “الخروج من فقه الضرورات.” والتعبيران الأول والثاني مُستمَدَّان من نصوص السنة النبوية. فالأول مأخوذ من خبر جرير بن عبد الله: “إنكم معشرَ العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمَّرتم في آخر”  (صحيح البخاري)، والثاني مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن غزوة مؤتة: “ثم أخذها [=الراية] خالد بن الوليد عن غير إمْرة ففُتح عليه” (صحيح البخاري). أما عنوان القسم الثالث: “الخروج من فقه الضرورات” فهو مستمَد من المعاناة الفقهية مع تاريخ المسلمين السياسي المضطرب. ولعل أدقَّ توصيف لتاريخ المسلمين وحاضرهم السياسي أنهما محكومان بالتزاحم الدائم بين مبدأ “التأمُّر في الأمير” الذي هو الأصل الشرعي، ورخصة “التأمُّر عن غير إمْرة” التي هي حكم الضرورة والاستثناء. وهذا التزاحم بين المبدأ السياسي والرخصة السياسية هو النموذج التفسيري المتحكم في الكتاب من البداية إلى النهاية.

قدَّم مدخل الكتاب المعنون: “إمكانٌ يأبى النسيان” التعاريف الضرورية للمفاهيم الأساسية المشار إليها في عنوان الدراسة، وشرَحَ طبيعة هذه الدراسة ومداها وغايتها، والمنهج المتَّبَع فيها، وإسهامَها المرجوّ في فهم المسألة السياسية الإسلامية، وبياناً للنموذج التفسيري السائد فيها. وقد أسهب المدخل في شرح جملة مفاهيم استعارها الكتاب من فلاسفة وباحثين سابقين، واتخذها أدواتٍ تفسيرية مُساندة لنموذجه التفسيري الأساسي، أملاً في تحقيق ما يصبو إليه من شرح المفارقة القائمة بين النص السياسي الإسلامي والواقع السياسي الإسلامي.

وأكد المدخل أن المبدأ السياسي الإسلامي -مبدأ “التأمُّر في الأمير” أو تحكُّم الأمة في حكامها- ظل إمكاناً يأبى النسيان في مسار الحضارة الإسلامية. فالضمير المسلم -في شِقِّه الفقهي والحديثيِّ على الأقل- لم يستسلم للاستبداد استسلاما أخلاقيا، وإنما قَبِله على مضض قبولاً عمَليا اضطرارياًّ، فرَضَه تزاحُم القيم في ظروف تاريخية غيرِ مواتية. ولذلك ظلت نوازع العودة إلى القيم السياسية الإسلامية التي نص عليها القرآن والسنة، وجسَّدتها دولة النبوة والخلافة الراشدة، حيَّةً في حنايا ذلك الضمير المسلم إلى اليوم.

ويُجمِل القسمُ الأول من الكتاب معالم القيم السياسية الإسلامية في صيغتها النصية المعيارية، ويسعى للكشف عن دلالاتها الأخلاقية والقانونية المباشرة، ومعانيها المجرَّدة من غواشي التاريخ، وذلك بتحرير معناها الأصلي في القرآن والسنة، ثم في إجماع الصحابة خلال الحقبة الراشدة، قبل التلبُّس بالمواريث الإمبراطورية السابقة على الإسلام. وقد صنَّفْنا القيم السياسية الإسلامية صنفين: “قيم البناء السياسي” وهي موضوع الفصل الأول، و”قيم الأداء السياسي” وهي موضوع الفصل الثاني.

لعل ما ورد في هذين الفصلين يجعل هذا الكتاب من أوسع الدراسات استقراءً وتأصيلاً للقيم السياسية الإسلامية، خصوصا من السنة النبوية التي لم يمنح فقهاء السياسة المسلمون لمضامينها السياسية ما يكفي من التنقيب والاستيعاب حتى الآن.  وفي استعراضنا للقيم السياسية الإسلامية في صيغتها النصية المعيارية لم نمنح التراث الموروث عن فقهاء السياسة الشرعية والآداب السلطانية سلطةً فائضةً، بل انطلقنا من أن الثقة المفرطة في الشرح تحجُب عن المتن، وأن سلطة التراث السياسي إذا بولغ فيها تصبح حاجزاً بين الناس وبين معاني القيم السياسية الإسلامية كما وردت غضَّةً في الوحي.

ويدل استعراضنا للقيم السياسية الإسلامية في صورتها النصية التأسيسية، وكشْفنا عن دلالاتها الأخلاقية والقانونية المباشرة، على أن الأزمة الدستورية التي أنهكت الحضارة الإسلامية على مرِّ العصور لم تكن جرَّاء فراغٍ في التنزيل القرآني، أو نقصٍ في الهدْي النبوي الدالِّ على النظام السياسي الرشيد، وإنما كانت وراءَ ذلك أسبابٌ تاريخية وثقافية. فالفهم السديد للأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية يكمن في ملاحظة أمرين:

أولهما الفراغ السياسي في جزيرة العرب التي وُلد فيها الإسلام. فضعف تقاليد السياسة والدولة والنظام في ثقافة العرب قبل الإسلام أثر تأثيراً سلبيا جدا في الطريقة التي تم بها تلقِّي القيم السياسية الإسلامية، وفي عجز المسلمين الأوائل عن المحافظة عليها لفترة طويلة، فاتسمت تجربتهم السياسية بالهشاشة المؤسسية، رغم عظمتها الأخلاقية.

وثانيهما هو تأثير الاستبداد الإمبراطوري المحيط بالجزيرة العربية، والضاغط على القيم السياسية الإسلامية معنويا وبِنْيوياًّ. وهو ما أثمر صراعَ قيمٍ في أحشاء المجتمعات المسلمة، انحسرت فيه القيم السياسية الإسلامية ذات الطبيعة التعاقدية أمام القيَم الإمبراطورية ذات الطبيعة القهرية، في عصر كانت تسود فيه الروح الإمبراطورية العالم كلَّه.

وإذا كان العلمانيون الدارسون للتراث السياسي الإسلامي والتاريخ السياسي الإسلامي ينطلقون من دعوى “غياب النص” في المسألة السياسية الإسلامية، فنحن نبرهن هنا على أن المشكلة تكمن في “تغييب النص” لا في غيابه، وقد أوضحنا في القسم الأول من الكتاب ثراء النص السياسي الإسلامي، بما لا يدع مجالا لدعاوى “الفراغ النصي” التي يدَّعيها من يقفون موقفا سلبيا من رسالة الإسلام في الشأن العام، أو من يخُونُهم استقراء النص الإسلامي، فيُطلقون الكلام على عواهنه في الحديث عما نطق به الإسلام وما سكت عنه، دون بذل الجهد البحثي اللازم، فتأتي أحكامهم اعتباطية دون دليل.

ويتناول القسم الثاني من الكتاب -بفصليْه الثالث والرابع- حركة القيم السياسية الإسلامية في الزمان، وتفاعلها مع المكان، من خلال فحص السياق التاريخي الذي وُلد فيه الإسلام، وما كان لذلك السياق من أثر بالغ في انهيار النموذج السياسي الذي تأسس على قاعدةٍ من القيم السياسية الإسلامية، وعاش أربعين عاما فقط هي عمر الدولة النبوية والخلافة الراشدة، ثم تأثير ذلك السياق في فهم الناس لقيم الإسلام السياسية، والتشويش على نصاعتها الأخلاقية، وتعطيل إلزاميتها القانونية.

ففي هذا القسم الثاني من الكتاب بيانٌ للفراغ السياسي العربي الذي وُلدتْ فيه الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، والبيئة الإمبراطورية التي كانت محيطة بتلك الدولة الوليدة. ويهدف الفصلان اللذان يتألف منهما هذا القسم إلى تحقيق فهمٍ أفضل لأثر السياق التاريخي في تلقِّي القيم السياسية الإسلامية وتنزيلها على الأرض، من خلال التأمل في ذلك السياق الذي تفاعلت معه تلك القيم وانفعلتْ به. فإذا كان القسم الأول من الكتاب أقرب إلى فلسفة السياسة، فإن القسم الثاني أقرب إلى فلسفة التاريخ، لأنه يتتبع حركة القيم السياسية الإسلامية في سياقات الزمان والمكان. فالقسم الأول منصبٌّ على تأصيل القيم السياسية الإسلامية من النصّ، والقسم الثاني منصبٌّ على تاريخ تلك القيم، ورحلتها في الزمان، وتجذُّرها في المكان.

وضمن هذا القسم الثاني تناول الفصل الثالث المعنون: “فراغٌ على تخوم الإمبراطوريات” الواقعَ الاجتماعي والسياسي العربي قُبيْل الإسلام، فبدأ بمقدمات نظرية عن أهمية البيئة الصالحة لترجمة القيم السياسية إلى مؤسسات وإجراءات عملية، وعن العلاقة الوثيقة بين الفوضى الاجتماعية والطغيان السياسي، وكيف يتغذى كل منهما بالآخر، فيؤديان إلى انهيار الاجتماع السياسي. ثم أسهب الفصل في شرح مظاهر الفراغ السياسي في الجزيرة العربية آنذاك، وكيف أدى ذلك الفراغ إلى اندلاع عدد من الفتن السياسية المدمرة في قلب المجتمع الإسلامي الوليد، ابتداءً من الاحتجاج على سياسات الأثَرة في أواخر عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ثم حرب الجمل وصفين، فصفقة عام الجماعة عام 41 هـ التي أسست للتضحية بالشرعية السياسية لصالح وحدة الأمة، وهي المعادلة التي تحكمت في الفقه السياسي الإسلامي -بوجهيْه السني والشيعي- من بعد ذلك.

ويشرح هذا الفصل ما صحِب كل هذه التحولات العميقة من انقلاب في القيم السياسية، وانشطار في الذات الإسلامية، ومن صراع بين القدرة العملية والعظمة الأخلاقية، انتهى بالفتنة الكبرى التي أدت إلى انتصار القوة على الحق، والبغي على العدل، والمُلك على الخلافة. كما يشرح الفصل تطوُّرَ الموقف الإسلامي من المُلك، من قبوله على مضضٍ حلاًّ ظرفيا لوقف الحرب الأهلية كما حدث عام الجماعة بعد وقعة صفين، إلى القبول السلبي الدائم به كما حدث بعد مجازر الأمويين التالية على بيعة يزيد بن معاوية، إلى تحكُّم هواجس الخوف من الفتنة في العقل المسلم، وإضفاء الشرعية على الواقع السائد، ومنح الملوك غير الشرعيين حقوق الخلفاء الشرعيين، كما حدث في العصر العباسي وبعده.

أما الفصل الرابع المعنوان: “كتاب الله وعهد أردشير” فيتناول السياق التاريخي الذي احتك به الإسلام خارج الجزيرة العربية خلال اندفاعة الفتوح الأولى. وقد بينَّا في هذا الفصل أن الإسلام وُلد بين زمنيْن قديمٍ وحديثٍ، وعالَميْن شرقيٍّ وغربيٍّ، وأن قيم الإسلام السياسية تجعله أقربَ إلى العالم الغربي القديم (اليوناني والروماني) بتراثه السياسي الحرِّ، منه إلى العالم الشرقي القديم (الفارسي والهندي) بتراثه الجبري الاستبدادي. وبعد وقفة خفيفة مع ذبول الديمقراطية اليونانية-الرومانية قبل الإسلام، وضعْف التفاعل بين القيم السياسية الإسلامية والتراث الديمقراطي اليوناني-الروماني، يُسهب الفصل في تحليل وطأة الثقافة الساسانية على القيم السياسية الإسلامية.

وقد فصَّلْنا القول في هذا الفصل عن الإسهام الثقافي الفارسي في الحضارة الإسلامية، بوجهيْه المضيء والقاتم، وكشفْنا عن ظاهرة ثقافية عتيقة جداًّ، وهي ترويض بلاد فارس لفاتحيها خلال ألفيْ عام، من الإسكندر المقدوني إلى إسماعيل الصفوي، وكيف أن الفتح الإسلامي لم يكن استثناءً من هذا الترويض. وقد أدى الترويض الساساني للقيم السياسية الإسلامية إلى اندراج العالم الإسلامي -سياسيا على الأقل- في العالم الشرقي القديم، الذي خصص له الفيلسوف الألماني هيجلْ كتابه عن العالم الشرقي، ووصَف الثقافة الاستبدادية الضاربة الجذور في تربته.

أما القسم الثالث من الكتاب -بفصليه الخامس والسادس- فقد سعى إلى تلمُّس الطريق لإخراج الحضارة الإسلامية من أزمتها الدستورية، فوجد أن هذا الإخراج لا يتم إلى بتوفر شرطين اثنين، أولهما: الانتقال “من الفتنة إلى الثورة،” وهذا عنوان الفصل الخامس من الكتاب، والمقصود به ضرورة تحرُّر المسلمين من هواجس الخوف من الفتنة الذي تحكَّم في مزاجهم الثقافي والسياسي عبر القرون، وتبنِّي الفعل الثوري الذي يرفض التعايش مع الاستبداد والقهر السياسي. أما الشرط الثاني فهو الانتقال “من القيَم إلى الإجراءات،” وهذا عنوان الفصل السادس والأخير، والمقصود به ضرورة تفعيل النصوص السياسية الإسلامية في واقع الحياة المعاصرة، من خلال ترجمتها إلى مؤسسات سياسية وإجراءات عملية.

أوضح الفصل الخامس مركزية الفتنة الكبرى، وأثرها التأسيسي في التاريخ السياسي الإسلامي، ثم عرَّج على الثورات الحجازية والعراقية الموءودة في القرن الأول الهجري، مبيِّناً كيف أدَّى فشل تلك الثورات، وما صاحبَها أو أعْقبها من تقتيل وتنكيل، إلى زرع تشاؤم دفين في الضمير المسلم من أيِّ مسعىً سياسي إصلاحي مهما يكن واجبا، ومن أي ثورةٍ على الظلم السياسي مهما تكن متعينة. وأدرج الفصل هذا الموقف المتوجس ضمن معادلة “الواجب” و”الواقع” التي واجهها خيار أهل الإسلام، فجعلتهم يقبلون الملك القهري بعقولهم ضرورةً مصلحيةً، وإن لم يقبلوه بقلوبهم مبدأً شرعيا.

وقد اشتمل الفصل على نقد الفقهاء الذين عبَّروا عن الرخصة بلغة العزيمة أحياناً، فوقعوا في شِراك تسويغ الخنوع للظلم السياسي، مع الحرص على إنصافهم بوضع أقوالهم في سياقها، وملاحظة أنهم كانوا أفضل حالاً في هذا المضمار من مؤلِّفي كتب الآداب السلطانية ذات النفَس الساساني، التي اتخذت من تسويغ الخنوع للظلم السياسي موقفا أخلاقيا مبدئيا، ولم تكتف بقبوله بمنطق الضرورة المصلحية.

وقد توصل هذا الفصل إلى رصد ظاهرة جديدة في الثقافة السياسية الإسلامية، برزت أظهرَ ما تكون في ثورات الربيع العربي منذ بضعة أعوام، وهي بداية تحرُّر الشعوب المسلمة -أخيرا- من مواريث الفتنة الكبرى وذيولِها، وتغلُّبها على هواجس الخوف من الفتنة الذي تحكَّم في الثقافة السياسية الإسلامية منذ صفقة عام الجماعة. فقد تلاشى هذا الخوف من النفوس، وحلَّت محلَّه ظاهرة نفسية-ثقافية جديدة، هي الوقوف في وجه الظلم السياسي، وخوض حرب وجودية ضده.

لقد وجدنا أن الشرط الأول من شرطيْ خروج الحضارة الإسلامية من أزمتها الدستورية قد بدأ يتحقق مع ثورات الربيع العربي، حين تحررت الشعوب من الخضوع للمعادلات النفسية والفقهية العتيقة التي كانت تقيِّد حريتها، وأدركتْ أن محنتها تعود إلى أزمة الشرعية السياسية، وفهمتْ أن التضحية بالشرعية السياسية يهدم الاجتماع السياسي، أو يُفرغه من مغزاه الأخلاقي والإنساني. وهذا انقلابٌ في الوعي السياسي لم تعرفه الثقافة الإسلامية منذ نهاية القرن الأول الهجري. ويكفي ذلك دلالة على الأهمية التاريخية للتحول الذي يعيشه قلب العالم الإسلامي منذ اندلاع ثورات الربيع العربي في خواتيم عام 2010.

وقد قدم هذا الفصل الخامس عبرة الثورات الكبرى في التاريخ المعاصر، لتكون زادا لثورات الربيع العربي، وتوصل إلى أن ثورات الربيع العربي ماضية إلى سبيلها، رغم كل ما صاحبها من ارتباك واضطراب، فالقضية تنحصر في الزمن والثمن، وليست قضية مبدأ انتصار الشعوب على المستبدين، فذلك أمر مفروغ منه. وقد استخلصنا من عبرة تاريخ الثورات المعاصرة أن ليس أمام الثورات العربية سوى طرائق ثلاث للوصول إلى غاياتها، هي: الإصلاح الوقائي الذي يلتقي فيه الحاكم والمحكوم في منتصف الطريق، والحرب المفتوحة الطويلة التي تنهك المستبدين وتنقل الشرر إلى مظاهريهم الخارجيين فيضطرون إلى النزول عند إرادة الشعوب، والانقلابات العسكرية الديمقراطية -على طريقة البرتغال 1976 والسودان 1986- إنقاذاً للموقف من انهيار شامل. 

أما الفصل السادس والأخير، فهو يتناول الشرط الثاني لخروج الحضارة الإسلامية من أزمتها الدستورية، وهو الانتقال من القيم إلى الإجراءات، بمعنى ترجمة القيم السياسية الإسلامية المنصوصة التي عرضناها في القسم الأول من الكتاب إلى مؤسسات وإجراءات دستورية منسجمة مع منطق الدولة العقارية المعاصرة. وقدم الفصل معايير لإسلامية أنظمة الحكم المعاصرة في شكل جدول يترجم ثلاثين من القيم السياسية الإسلامية المنصوصة في القرآن والسنة إلى أحكام دستورية عملية في دولة معاصرة، مبيناً أن الحد الأدنى لإسلامية نظام الحكم يتضمن شرطيْ الشورية: بأن تكون الدولة ديمقراطية، والمرجعية: بأن تستند الدولة إلى النص الإسلامي أخلاقا وتشريعا، مع ضرورة التمييز بين الالتزام الأخلاقي والإلزام القانوني، وأهمية الانتقال من ثقافة الإكراه والقهر والزجر إلى ثقافة الإقناع والتراضي.

وقد أفاض الفصل في الحديث عن الديناميكية الثقافية التي ظهرت في صدر الإسلام، وضرورة استلهامها في الزمن الحاضر، من خلال استثمار المحفِّز الغربي، خصوصا في مجال المؤسسات والإجراءات السياسية الذي هو مجال تراكميٌّ متحرك، ويحتاج المسلمون الاستمداد فيه من الأمم التي سبقتهم على درب التطور السياسي. فلا يمكن حل الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية إلا عبر استمدادٍ واسع من الكسب النظري والعملي الذي توصلت إليه الأمم الغربية الديمقراطية، وهذا الاستمداد سيُثري ثقافة المسلمين إذا تعاملوا معه بتواضع المتعلِّم، وثقة الراشد، بعيداً عن عُقد الدونية أو الاستعلاء، وسينبِّههم هذا الاستمداد على إمكانات معطَّلة في دينهم ما كانوا لينتبهوا إليها دون ذلك. وقد أكد الفصل ضرورة أن يَبْذُر المسلمون في تربتهم الثقافية الخاصة، وأن يتملَّكوا ما يستمدونه من حضارات وثقافات أخرى، فاستعارة الفكرة في ذاتها لا تكفي لجعلها زاداً صالحاً، بل يتعين تملُّك الفكرة، ونقْعُها في رحيق الثقافة المستعيرة، وإخضاعها لمنطقها الأخلاقي والعملي.

وأخيرا خلَص الفصل إلى ضرورة انتقال الثقافة الإسلامية من منطق الإمبراطورية القديمة إلى منطق الدولة العقارية المعاصرة، بما يعنيه ذلك من مساواة بين المواطنين -مسلمين وغير مسلمين- في الحقوق والواجبات، فمِن التناقض الأخلاقي والمنطقي أن يدعوَ المسلم إلى دولة العدل والحرية، وهو يَحْرم مخالفيه في المعتقد -ممن تجمعهم به أرحام الدم واللسان والتاريخ والجغرافيا- من التمتع بثمارها في هذا المضمار، فذلك تطفيفٌ مناقض لمنطوق القرآن، وهو يضع المسلم في مفارقة أخلاقية لا تليق به ولا برسالته، لأنها تجعله ضحيةً للظلم ومسوِّغاً له في الوقت ذاته!

وخلاصة الكتاب أن أي سعي لإخراج الحضارة الإسلامية من أزمتها الدستورية لن يفلح إلا إذا اتسم بسِمتين، أولاهما: أن يكون مُقنعاً للضمير المسلم المتعلق بالقيَم السياسية الإسلامية وبتجربة الإسلام السياسية الأولى، وهذا يستلزم أن لا يكون الحل حلاًّ عَلمانياًّ منبتاًّ عن وجدان الشعوب ومزاجها الديني والأخلاقي. وثانيتهما: أن يكون مُنسجما مع منطق الدولة المعاصرة لا خارجاً عنها أو عليها، وهذا يستلزم أن لا يكون الحل حلاًّ سَلَفياًّ مستأسراً للذاكرة التاريخية المستمدَّة من الإمبراطوريات الإسلامية الغابرة. فالخيار العلماني مستحيل إسلامياًّ، والخيار السلفي مستحيل إنسانياًّ، والحل هو المنهج الإسلامي التركيبي الذي يجمع بين الديني والمدني.

لم يكن المسلمون بدْعاً في تراجع القيَم السياسية في تاريخهم أمام السياقات الإمبراطورية. فقد انحسرتْ قبل الإسلام بقرون القيم الديمقراطية في أثينا -ثم في روما الجمهورية- أمام الروح الإمبراطورية، وظلت تلك القيم الديمقراطية تنتظر وقتها في شكل إمكان تاريخي كامنٍ، حتى تفتَّقت أمامها فرصُ التحقق واقعاً مَعيشاً مع النهضة الأوربية الحديثة. وقد تفتقت مع الثورات وموجات الديمقراطية المعاصرة فرصٌ عظيمة أمام القيم السياسية الإسلامية للانبعاث. ويبدو أن الربيع العربي بداية تحوُّل تاريخي عميق، سيقود إلى تجديد نضارة الحضارة الإسلامية، وتحريرها من أزمتها الدستورية، ومن رَهَقِ سيف الإمامة الذي أنهكها عبر القرون. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق