المقالات

الآثار النفس مرضية للحجر الصحي (الجزء الثالث) تأليف: إ.منجين وآخرون. ترجمة: عياد بوكوراين

اضطرابات النوم

         إن الحجر الصحي المرتبط بفيروس “كوفيد 19″، وتحويله الجذري لأنشطتنا اليومية وعادات الحياة كالتوتر الناجم عن الجائحة وعواقبه المترابطة (الاقتصادية والسوسيومهنية والعائلية) يمكنها أن تؤدي لاضطرابات مهمة لإيقاعات نظامنا البيولوجي ونومنا. ولقد أشارت دراسة أجريت على ساكنة معظمها صينية أن 85% من الأشخاص المستجوبين كانوا يقضون ما بين 20 و24 ساعة داخل مساكنهم وهو ما يدل على اضطراب كلي للإيقاعات والأنشطة. حتى وإن لم نتوفر، ولحد الآن، على أرقام دقيقة حول تفشي اضطرابات النوم المرتبطة بالحجر الصحي (في هذه الأثناء وبفرنسا، تجري شبكة “مورفي” دراسة وطنية استقصائية) فإن التجربة السريرية وكذلك المعطيات الأدبية المتعلقة ببداية الوباء بالصين ومختلف حالات الحجر تشير إلى أن الأمر يتعلق بمشكلة ذات حجم كبير لها أيضا عواقب على الأثر النفسي لحالة الحجر الصحي

         إن إيقاع نومنا واستيقاظنا على مدار 24 ساعة ينتظم وفق مسارين متباينين: ضغط النوم (هوميوستازي أو مسار الاستتباب) والنظم اليوماوي الذي يتوقف على الساعة البيولوجية (التواتر اليومي أو الإيقاعات الدائرية أو المسار اليومي). حينما يتفاعل هذان المساران بالطريقة المثلى فإنهما يتيحان لنا جودة جيدة من الاستيقاظ نهارا ومن النوم ليلا. وتخضع إيقاعات نومنا واستيقاظنا لعدد معين من المعايير البيئية (“زايتجبير” أو نظام تناوب الظلام والإضاءة) لكي تقدر على العمل بشكل جيد: ولا سيما التعرض لضوء النهار، وهو المزامن الأكثر أهمية، ولكن أيضا النشاط اليومي للجسم وخاصة فترة الصباح والوجبات الغذائية في أوقات منتظمة زالعلاقات الاجتماعية المتبادلة. وفي حالة الحجر الصحي فإن غالبية هذه المزامنات (الضوء والنشاط الجسمي والتغذية والعلاقات الاجتماعية المتبادلة) تواجه تعديلا بل حذفا وبالتالي يمكن لأعراض اضطرابات النوم ولإيقاعات اليقظة والنوم أن تتجلى. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التعرض لأحد عناصر نظام تناوب الظلام والإضاءة يمكن أن يحدث في وقت غير مناسب من اليوم (مثلا التعرض للشاشات في وقت متأخر من الليل ولا سيما الضوء الأزرق) مما قد يكون له تأثير سلبي على إيقاع النوم واليقظة مماثل لما نعاينه خلال فارق الزمن (ارهاق السفر المرتبط بالرحلات الجوية الطويلة): وبالخصوص صعوبة النوم واضطرابات وجدانية وإحساس بالنعاس (إغفاء) أثناء النهار.

         وعلاوة على ذلك يمثل الحجر الصحي في إطار جائحة “كوفيد 19” عامل توتر هام قد يزيد من احتمال تنامي أعراض الأرق بل اضطرابات الأرق إذا ما استمرت الأعراض لمدة تفوق ثلاثة شهور. وقد يتميز الأرق في حد ذاته بتداعيات على الأداء النهاري كالتعب بل وحتى الأرق النهاري واضطرابات الانتباه ولكن أيضا مزيد من اضطرابات الاكتئاب واضطرابات القلق أو حتى اضطرابات الإدمان. ويجب التأكيد، علاوة على ذلك، أن تقليل زمن النوم سواء كان مرتبطا بتغيير في الإيقاع أو مستوى عال من التوتر أو كليهما، يمكن، من جهة، أن يجعل الأفراد أكثر عرضة للعدوى الفيروسية أو زيادة خطر الاضطرابات النفسية والإدمانية؛ ولكن أن يكون له، أيضا، تأثير ضار على الأداءات المعرفية واتخاذ القرار مع زيادة في المخاطر والاندفاع، من جهة أخرى.

         ويمكن لأثر الحجر الصحي على النوم، أيضا، أن يصبح مرتفعا عند الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم وخاصة عند الأشخاص المسنين. وقد يمكن ان تشكل النساء مجموعة فرعية معرضة للخطر. إنهن بشكل عام أكثر عرضة للخطر بسبب رداءة جودة النوم بل وحتى اضطرابات الأرق ولا سيما أثناء الحمل وأيضا إذا كان لهن أطفال صغار. يمكن لفترة الحجر الصحية الحالية أن تبدو أكثر إرهاقا للآباء والمساعدين الاجتماعيين الذين يجب عليهم ضمان مؤونة المنزل وعملهم الخاص عن بعد ودعم العمل المدرسي فضلا عن أنشطة أطفالهم الترفيهية بالمنزل. وقد ترتبط اضطرابات النوم عند الأطفال والمراهقين باضطرابات عاطفية وسلوكية.

         ولذلك فإنه من المهم وبشكل خاص الحرص على تلبية حاجة وجودة النوم خلال فترة الحجر الصحي.  ولقد تم، بفرنسا، نشر نصائح خبراء مع توصيات ملموسة للحافظ على الإيقاعات واعتماد سولوكات جيدة ترتبط بالنوم.

اضطرابات القلق

         يمكن ان تظهر، خلال وأثناء تخفيف الحجر الصحي، أعراض القلق بل وحتى اضطرابات مُشَكلة.  يعدل الحجر الصحي حياة الأفراد بشكل كبير بحيث يصبح مظهرا ملموسا للتهديد خاصة بالنسبة لأولئك الذين لم يكونوا يعلمون أن أحد أقاربهم مصاب بفيروس “السارس-كوف2”. ولقد أجريت عدة دراسات بالصين لمعرفة حالة الصحة العقلية للساكنة خلال الأسابيع الأولى للحجر الصحي. ولقد لاحظ “وان وآخرون”، خلال هذه الفترة، 29%من أعراض القلق المتوسطة إلى الشديدة عند 1210 مشاركا من مجمل الساكنة. ويمكن لعدة عوامل أن تزيد من القلق والتوتر النفسي العام في هذا السياق.

         تؤدي العزلة، في البداية، إلى فقدان الاتصال بواقع الأحداث الخارجية حيث تصبح وسائل الإعلام المصدر الرئيسي للمعلومة ولكنها مشبعة بالموضوعات التي تتناول الوباء. ويمكن ان يؤدي التعرض المستمر للأخبار المرتبطة بالفيروس إلى زيادة القلق خاصة وأن هذه الأخبار يمكن أن تكون مغلوطة أو متناقضة. ولقد أَطلق الطبيب النفساني “ستيفان سطوسني” على اضطراب القلق اسم “اضطراب القلق المتصل بالإعلام” (أوما يمكن أن نترجمه نحن بمتلازمة سطوسني) الذي يتسم بإحساس من الضيق أو القلق نتيجة تصفح العديد من الأخبار ولذلك يُنصح بمتابعة الأخبار من المصادر الموثوقة والمحينة مع تخصيص وقت معقول ومناسب للاطلاع على الوضع. ويمكن للشك في مصداقية الأخبار ان يولد مزيدا من اضطراب القلق. ومن بين الأخبار المرتبطة بالوباء (عدد الوفيات وانتشار الوباء…)، ولقد بين كل من “وان وآجرون” أن تلقي خبرا واحدا حول عدد حالة الشفاء يمكن أن يرتبط بتوتر ضعيف ملحوظ. وعلى نفس الشاكلة، فإن الاحترام المنتظم للحركات الاحترازية (غسل اليدين وعدم مشاركة أواني الأكل…) كان يرتبط بشكل ملحوظ بمستويات جد ضعيفة من التوتر.

         ويتزايد، أيضا، القلق الاجتماعي نتيجة ندرة العلاقات الاجتماعية والخوف من العدوى (التي تتزايد بسبب الأخبار الزائفة). وتعزز، أيضا، عوامل فردية اضطرابات القلق المرتبطة بالخوف من العدوى كالتعصب إلى الشك. كما أن وقع الحجر الصحي على الحياة المهنية له، أيضا، تأثير على القلق: لقد توصل “زهانج وآخرون” إلى أن الأشخاص الذين توقفوا عن عملهم خلال الحجر الصحي كانت لديهم صحة عقلية، على العموم، أسوء من أولئك الذين كانوا يزاولون عملهم سواء بمكاتبهم أو بمقر سكناهم. وأخيرا يمكن، أيضا، انتظار ظهور علامات القلق على عموم الساكنة بُعَيدَ الحجر الصحي. وكان هو هذا الحال خلال تخفيف حجر وباء “السارس” حيث كانت مواقف تجنب الآخرين مستمرة: تقليل الاتصال بالآخرين وتفادي التجمعات والأماكن العمومية والتغيب المهني.

 تمتلك جميع الدراسات المذكورة نفس المنهجية المستعرضة التي تسمح بتقدير مستوى الصحة العقلية بشكل عام لكنها لا تسمح بالحصول على خلاصة فيما يتعلق بأسباب القلق (الخوف من العدوى أو أنماط الحجر الصحي).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق