المقالات

ابن حزم: شخصية اسثنائية ومشروع نهضوي(عبد القدوس الهاشمي)_3_

تفرغ كامل
وأما تفرغه للعلم درساً ومدارسة ومناظرة وتصنيفا فكان من أكبر عوامله السياق السياسي في الأندلس حينها؛ ففي ذي القعدة سنة 414هـ/1024م أُعدِم “الخليفة” الأموي المستظهر عبد الرحمن بن هشام -حفيد عبد الرحمن الناصر (ت 350هـ/961م)- بعد أن دامت “خلافته” شهرين “وَزَرَ له [فيهما] ابنُ حزم الظاهري”، كما يقول الذهبي في ‘السِّيَر‘.

وهنا انتهت طموحات ابن حزم السياسية التي أوصلته إلى منصب “الوزير” الذي كان أيامها يعادل في الصلاحيات التنفيذية منصب “رئيس الوزراء” اليوم، وأقبل على العلم للتدريس وإعلاء ما اندرس من منار الشرع.

وها هنا مسألة لا بد أن نعرض لها وهي السرّ وراء انكماش ابن حزم عن السياسة رغم كونه من بيت تدبير ووزارة؛ فقد كان يرى في استمرار خلافة بني أميّة استمرارًا لوحدة المسلمين السياسية في الأندلس، وباختلال أوضاعها -بدءا من سنة 399هـ/1010م- طالع ابنُ حزم أشياء في الحياة السياسية نفّرته من الانشغال بها، وخاصة بعد فشل آخر محاولة لاستعادة الحكم الأموي مع صاحبه المستظهر، فدفعه القنوط من الإصلاح السياسيّ إلى تكريس حياته للإصلاح العلمي بشتى صنوفه.

ومما عزز ذلك لديه أن الأندلس عمّها التشظّي السياسي في زمن ملوك الطوائف (422-484هـ/1032-1091م)، واستتبع الفسادُ السياسي -رغم ما رافقه من ازدهار للعلوم والآداب- فسادًا مماثلا في مواقف بعض العلماء.

فهذا ابن حيان الأندلسي المعاصر لابن حزم يحكي لنا المشهد العلمي كما يراه، فيقول فيما يرويه عنه الشنتريني في ‘الذخيرة‘: “ولم تزل آفة الناس -مذ خُلقوا- في صنفين منهم، هم كالملح فيهم: الأمراء والفقهاء..، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن الطريق..، والفقهاء أئمتُهم صُموتٌ عنهم، صُدوفٌ (= منصرِفون) عما أكد الله عليهم في التبيين لهم، وقد أصبحوا بين آكل من حلوائهم خائض في أهوائهم، ومُستشعِرٍ مخافتَهم..، وأولئك هم الأقلون”.

وهنا ملمحٌ مهمّ وهو أن اقتصار فقهاء السلطة على كُتب الفروع في بنائهم العلمي أضعف وازعهم الأخلاقيّ، لبعدهم عن الاشتغال بالنص الشرعيّ الذي ينبض بحمولته الأخلاقيّة. ولعلّ ابن حزم رأى أن في استعادة الاعتبار للنص الشرعي وسلطته استصلاحًا لمن مال من الفقهاء عن طريق التحرّز والورع. ولذلك فإنه فلم يرتضِ لنفسه السير مع أحد فريقيْ الفقهاء السابقيْن، فلم يخالط السلاطين ولا سكت عنهم، بل كان حاسمًا كل الحسم في وصف أحوالهم وبؤس واقعهم هم وعلماؤهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق