المقالات

ابن حزم: شخصية اسثنائية ومشروع نهضوي(عبد القدوس الهاشمي)_2_

مفاتيح نبوغ
يمكن تلخيص مفاتيح نبوغ ابن حزم في ثلاثة أسباب هي: الاستعداد الفطري لقوة حافظته وتعلُّق همته بالعلم؛ ثم التفرّغ لتحصيله؛ ثم البيئة العلمية الحافزة. أما حافظته فيصفها المؤرخ الأندلسي إليسع بن حزم الغافقي (ت 575هـ/1179م) فيقول: “أما محفوظه (= ابن حزم) فبحر عجّاج، وماء ثجّاج، يخرج من بحره مرجان الحِكَم..، ولقد حفظ علومَ المسلمين وأربى على أهل كل ملة ودين”.

ولم يكن أبو محمد مكتفيًا بهذه الموهبة الإلهية، بل ظل متعهدًا لها متعاطيًا للأغذية المساعدة على تقوية الحافظة، حتى قال عنه أبو الخطاب ابن دِحْية (ت 633هـ/1236م) حسبما يرويه عنه الذهبي: “كان ابن حزم قد برِص من أكل اللُّبان وأصابته زَمانة (= مرض مزمن)”، كما عزا إلى الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111م) إعجابه بابن حزم وشهادته له بـ”عِظَم حفظه وسيلان ذهنه”!

على أن ثقة ابن حزم في حافظته كانت تدفعه أحيانا إلى التسرع في أحكامه على رجال الحديث جرحا وتعديلا؛ ولذلك يقول عنه الحافظ ابن حجر (ت 852هـ/1448م) -في ‘لسان الميزان‘- إنه “كان واسع الحفظ جدا، إلا أنه لثقته بحافظته كان يَهجُم على القول في التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة”.

وهنا نورد لك خبرين لهما دلالة واضحة على اتساع محفوظ ابن حزم وشغفه بالعلم؛ فقد قال في إحدى رسائله: “كنتُ معتقلًا (= بين أواخر 414هـ/1024م وأوائل 415هـ/1025م) في يد [الأمير الأموي] الملقَّب بالمستكفي محمد بن عبد الرحمن (ت 417هـ/1027م) في مُطْبِقٍ (= سجن)، وكنت لا آمن قتلته، لأنه كان سلطانًا جائرًا عاديًا قليل الدين كثير الجهل..، وكنتُ مفكرًا في مسألة عويصة.. كثر فيها الشغب قديما وحديثا في أحكام الديانة..!

فطالت فكرتي فيها أيامًا وليالي إلى أن لاح لي وجهُ البيان فيها..! فبالله الذي لا إله إلا هو.. لا يجوز القسم بسواه: لقد كان سروري يومئذ -وأنا في تلك الحال- بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به..، أشدَّ من سروري بإطلاقي مما كنت فيه”!! فهذا مقدار كَلَفِه بالعلم واستمتاعه بممارسته، حتى إنه ليقدم لذته على لذة الحياة والحريّة!

أما عن اتساع ذاكرته وكثرة محفوظاته؛ فيكفي في جلائه حفظُه -وهو الفارسي العرق- لأنساب العرب، بحيث استطاع أن يرسم خريطة نَسَبِية توضح -كما يقول في ‘جمهرة أنساب العرب‘- قوة “تواشج أرحام العرب” بجميع قبائلهم وعشائرهم.

وفي إحاطته بنسب بني أمية منهم خبرٌ في غاية الغرابة، سجله لنا هو بقوله -في مقدمة كتابه ‘جَمْهَرة أنساب العرب‘- مبينا الأهمية العملية لعلم النَّسَب: “لمّا مات بقرطبة محمد بن عُبيد الله (ينتهي نسبه إلى مروان بن الحكم الأموي ت 65هـ/687م).. ورَّثتُ أنا مالَه محمدَ بن عبد الملك بن عبد الرحمن (ت بعد 415هـ/1025م).. بالقُعْدُدِ (= أقرب القرباء الموجودين إلى الميت) ودفعته إليه..، وما كان عند محمد بن عبد الملك هذا علمٌ بأنه مستحق لهذا المال..، فلولا علمي بالنسب لضاع هذا المال”.

لقد استكمل ابن حزم رحمه الله أدوات العلم بقوة حافظته وتوفُّر همته على التوسع فيه، فراح ينهل من مَعين مكتبات قرطبة مستعيضا بمطالعاته فيها عن الرحلة في طلب العلم، فحصّل بذلك علمًا وفيرًا ومتنوعا، ولم يترك فرعًا من فروع المعرفة الإسلاميّة إلا وخصّه بتأليف أو رسالة، حتى صار أكثر المؤلفين من علماء الإسلام تصنيفا حتى عصره؛ حسب شهادة المراكشي المتقدمة.

ولم تكن مطالعاتُ ابن حزم مطالعاتِ طالبٍ للتسليّة، وإنما مطالعات باحثٍ منقِّب ودارسٍ محقِّق، حتى إننا نراه في اطلاعه على كتب أهل الديانات قد انتهى به الضبط إلى الاحتجاج بنصوصها على أتباعها، ولذا يرى المستشرق الإسباني آسين بلاثيوس (ت 1364هـ/1944م) أن ابن حزم سبق الأوروبيين ببضعة قرون إلى دراسة تاريخ الأديان الذي لم يُعرف في الغرب إلى في منتصف القرن التاسع عشر.

ومن نماذج محاججته لهم بكتبهم ما جاء في رده -ضمن كتابه ‘الفصل‘- على إسماعيل ابن النغريلة اليهودي (ت 448هـ/1057م) حين ناقشه في قول نبي الله إبراهيم -عليه السلام- للنمرود عن زوجته سارة إنها “أخته”، فقد فنّد ابن حزم ما ذهب إليه ابن النغريلة من أن الأخت هنا يُقصد بها القرابة لا الأخوّة، ورد عليه قائلا: “يَمنع من صرف هذه اللفظة إلى القريبة ها هنا قوله (= إبراهيم فيما رُوي عنه في التوراة): لكنـ[ـها] ليست من أمي وإنما هي بنت أبي. فوجب أنه أراد الأخت بنت الأم..، فخلّط [ابن النغريلة] ولم يأتِ بشيء”!

ولم يكتف ابن حزم بمطالعة كتب الأوائل بل تعدى نهمُه المعرفيّ إلى مطالعة كتب خصومه التي لم يكن يرى فيها تأصيلًا ولا قوة استدلال، حيث يقول في إحدى رسائله: “فلعمري ما لشيوخهم (= أصحاب المذهب المالكي) ديوان مشهور مؤلَّف في نصِّ مذهبهم إلا وقد رأيناه”.

أما معرفة السُّنة النبوية التي هي أسّ مذهبه؛ فقد حاز قصب السبق فيها حتى قال: “وقد جمعنا.. صحيح أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمهور ما رواه المستورون ممن لم يبلغوا مبلغ أن يُحتجّ بنقلهم، هذا أمر نهتف به ونعلنه على رغم الكاشح (= العدوّ) وصَغار وجهه، فمن استطاع إنكارًا فليُبرز صفحته، وليناظر مناظرة العلماء”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق