المقالات

إشكالية مفهوم المجتمع المدني في الفكر الحركي الإسلامي المعاصر(1)…جاهي الحبيب

إشكالية مفهوم المجتمع المدني في الفكر الحركي الإسلامي المعاصر

تعبر الإشكالية عادة عن حالة من اللبس تظهر على موضوع ما ، أو إنها تحيل على تنازع في المواقف إزاء ه ، و هذا ما يضع أهل البحث و النظر في أصل مشكلة إبستمولوجية تقتضي منهم رفع الحرج المنهجي و النظري عليها بتقفي نواقص ـ الإشكالية ـ المعارف السابقة نحوها للإجابة عنها .  

و لعل طرح إشكالية مفهوم المجتمع المدني في الفكر الحركي الإسلامي المعاصر يعتبر من بنات هذا الضرب . لقد كانت  الشغل الشاغل لعدد من مفكري  و رواد الحركة الإسلامية المعاصرة  الذين عبروا في كثير من كتاباتهم و مناسباتهم عن وجود مفارقات جغرافية و تاريخية و سيكولوجية و سياسية اجتماعية  واقتصادية  حول  مفهوم المجتمع المدني الذي ينهل من بيئة غربية مخالفة تماما للبيئة الإسلامية .

إن المجتمع المدني كمفهوم أصيل الاستخدام ظهر أول ما ظهر مع الفلسفة السياسية الغربية ، و تطور في النشأة من الوضعية الفلسفية إلى الحالة السياسية ليصبح في الزمن الراهن وسيلة اجتماعية دفاعية وسائطية تحمي و تساعد في ضمان مصالح المجتمعات أمام سطو و قوة اللوبيات السلطوية و عدالة الحكومات الديمقراطية .

فما التعريفات التي حملها المجتمع المدني في سياقه الفلسفي الغربي ؟ و كيف برز تاريخيا داخل المجتمع الغربي ؟

توجد حقيقة واحدة لدى جل الباحثين ، و هي أن البروز التاريخي للمجتمع المدني كمفهوم بذات التسمية كان وليد القرنين السابع عشر و الثامن عشر ، و حقل التداول الفلسفي داخله استمر حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، ليغيب قرنا كاملا عن الساحة الفكرية ، و يعود ترديده من جديد داخل المناقشات الثقافية و السياسية و الاجتماعية ابتداء من الثلث الأخير للقرن العشرين حتى يومنا هذا .

و لم يتم ذلك إلا في إطار سياقات تاريخية مختلفة ترجع أول الأمر إلى رغبة المجتمعات الأوربية في التخلص من النظام الفيودالي الذي امتد منذ العصور الوسطى ، و ساعد على استمراره التحالف بين الكنيسة و الإقطاع ثم الربط بين نظام الحكم و المقدس الذي سيتوج بفكرة التفويض الإلهي للبابا . و من بعده التفويض الإلهي للملوك مع الملكيات التيوقراطية  ، و هو  ما أدى  إلى نشوء  حركة إصلاح ديني بجانب حركة إصلاح سياسي معارضتين للوضعين السياسي و الديني إبان عصر النهضة لهما طموح تغيير الوضع القائم خاصة منظومة الحكم التي أصبحت تأخذ صفة الدولة ، و تطورت فيما بعد عند أربعينيات القرن السابع عشر بإنجلترا لتظهر مقولة المجتمع المدني كمرادف للدولة أو الدولة نفسه . 

حدث هذا المزج في أعقاب الثورات ، و نخص بالذكر الثورتين الإنجليزيتين اللتين كان لتداعياتهما أثر في فكر طوماس هوبز ، و جون لوك حيث إن الأول جعل من المجتمع المدني ” جماعة سياسية ، و إرادة صاحب السيادة ـ الملك ـ هي التي تمثلها . فإن لم تكن ثمة حكومةـ هيئة حقيقية من البشر تتمتع بالسلطة لفرض إرادة صاحب السيادة فلن تكون ثمة دولة و لا مجتمع ” [1] . أما الثاني فقد بين أن ” المجتمع المدني هو النظام السياسي الذي يكون فيه العقل هو الحكم و المرشد في كل الأحوال ” [2] . و غير بعيد عن إنجلترا فإن الثورة الفرنسية لم تكن محض صدفة . فهي جاءت بفعل قوة أفكار فلاسفة التنوير الفرنسيين كروسو و مونتسكيو و فولتير … الذين تأثروا بتحولات إنجلترا السياسية و الفكرية ، و استفادوا كذلك من تهاوي النظريات السابقة أمام النظريات الجديدة :

ـ كتهاوي النظرية الميركنتيلية في الصناعة و التجارة مقابل نظرية الفيزيوقراطيين و من بعدهم نظريات آدم سميت . 

ـ انتهاء النظريات التيوقراطية في الحكم لصالح الدعوة للحكومة البرلمانية الدستورية .

يضاف إليه انتشار الصحافة و الطباعة و خطوط المواصلات التي ساهمت في تلاقح أفكار بلدان أوربا ثم كثرة النوادي و الجمعيات التي كان يؤمها مختلف الأدباء و المفكرين و تعج مجالسها بالطبقات الأرستقراطية و البورجوازية [3] . مما سيشكل حالة انتقالية كبرى بأوربا ، و بفرنسا على الخصوص حيث سيتم الانتفاض على التقسيم التقليدي للمجتمع الإقطاعي بالدعوة إلى إعطاء الأولوية للفرد و حريته ، و على الملكية التيوقراطية بالتركيز على تحقيق حكم برلماني دستوري ، و على الفساد الذي نخر كل أوصال المجتمع الفرنسي . مما جعل البورجوازية أو مندوبي العامة يدخلون في صراع  مع الطبقة الأرستقراطية لتحقيق هذه الغايات التي أدت في نهاية المطاف لقيام الثورة الفرنسية 1789 م [4]

و كانت وسط هذه اللجة العظيمة تروج أفكار الفلاسفة التنويريون و على رأسهم روسو الذي بين أن ” المجتمع المدني عقد يؤسس رابطة أخلاقية تجمع الأفراد الذين يشاركون في الحياة السياسية للجماعة “تلك الجماعة التي توجهها الإدارة العامة و يحكمها القانون [5] .

و اقترن تطور مفهوم المجتمع المدني بعد إنجاز مرحلة ثورات القرنين السابع عشر و الثامن عشر بتطور الرأسمالية ، خاصة مع تطور حقوق البورجوازية السياسية التي أصبحت أساسا متينا من أسس أيديولوجية اللبرالية ،  تميز تمييزا واضحا بين الحياة العامة و الحياة الخاصة و بين عالم الشغل و الإنتاج و عالم المؤسسات السياسية [6]

و سيؤدي هذا التطور للرأسمالية و رديفتها اللبرالية في القرن التاسع عشر إلى ظهور تيار فكري جديد معارض تزعمته مدرسة الفكر الكلاسيكي الألماني ، و التي كانت في الأصل تبحث عن صيغ ذاتية لتجاوز التطور الإنجليزي الفرنسي نظرا لما كانت فيه من ظروف اجتماعية و سياسية تنتمي أوصافها للعصور الوسطى عبر عنها باعث الفكر الألماني في القرن التاسع عشر هيجل في أحد كتبه حول الدستور الألماني سنة 1802 بالقول التالي : ” إن الدولة الألمانية في العقد الأخير لم تعد دولة ، إذ أن مخلفات الاستبداد الإقطاعي كانت لا تزال تضرب أطنابها في ألمانيا و قد ازداد طغيانها لأنها تفتت إلى العديد من النظم الاستبدادية الصغيرة التي يتنافس كل منها مع الآخر و كانت الدولة تتألف من النمسا و بروسيا و الأمراء الناخبين و 94 أميرا من أمراء الكنيسة و الأمراء الزمنيين و 103 من البارونات و 40 أسقفا و 51 مدينة دولة ، أي باختصار تتألف من حوالي 300 إقليم ” [7] ، و النتيجة أن لا سبيل إلى إقامة دولة قوية إلا بالتوحد القومي و التغيير الثوري على غرار التجربة الفرنسية لذلك سنجد أعلام الفكر الألماني كانط  و هيجل منبهرين بنتائج الثورة الفرنسية و يسعون لإقامة الدولة الموحدة القوية خاصة مع هيجل الذي كان يرى فيها الحارس الأمين للمجتمع المدني يغلب دورها على دوره ، فهو يجد بأن المجتمع المدني منفصل عن الدولة  [8]  وحالة وسيطة بين العائلة من جهة و الدولة من جهة أخرى [9] .

و هذا عكس ما أقره فلاسفة العقد الاجتماعي . إن صلب النظام الأخلاقي لحياة الأفراد حسب هيجل هو : الأسرة  و المجتمع المدني و الدولة التي منحها هيجل الأولوية في إصلاح المجتمع و بلوغه الفضيلة  والحرية و تحقيق التنظيم و المصلحة العامة بدل المصلحة الخاصة التي يسعى لتحقيقها أعضاء المجتمع المدني و جمعياته و روابطه . لكن رغم ذلك نظر هيجل إلى ترابط هذه المكونات الثلاث ، و فتل بعضها في بعض حيث ذهب إلى التوضيح التالي : أن داخل الدولة تتطور الأسرة لتصل إلى المجتمع المدني ، و يتطور بدوره ليكون الأساس الاصطناعي للدولة السياسية ، فلا دولة سياسية بدون مجتمع مدني ، ولا مجتمع مدني بدون أسرة ، فالدولة السياسية تشترط في وجودها المنطقي و الضروري ، وجود المجتمع المدني و الأسرة ، فالأسرة لا تذوب في المجتمع المدني ، مثلما لا يذوب المجتمع المدني في الدولة ، و لكن الأسرة بالنسبة لهيغل تبقى الدولة الحقيقية التي أعضاؤها مواطنون واعون لإرادة وحدة الكل و الجزئي ترتفع فوق المجتمع المدني ” إنها روحه و غايته أيضا ” . فهيغل يؤكد أن المجتمع المدني هو ” دولة الضرورة و الفهم ، فهو يتطابق مع لحظة الذاتية ” [10] .

هاته الذاتية ، التي تجعل منه فضاء للمنافسات و المواجهات بين البورجوازية الاقتصادية باعتبارها سمة مرحلة القرن التاسع عشر ، التي تحتاج بالضرورة لدولة قوية متموقعة فوقه و ليست ضمنه كما ذهب لذلك فلاسفة العقد الاجتماعي الذين لم يميزوا بين الدولة و المجتمع المدني بدمجهما في كائن واحد .

لقد حقق هيغل مسألة مهمة ، و هي فصل الدولة عن المجتمع المدني . و اعتبار هذا الأخير فضاء لصراع المصالح بين الأفراد ماديا و طبقيا داخل الدول الرأسمالية  كما يرجح ذلك ماركس ، و ذلك لما يكتنفه من علاقات مادية صناعية و تجارية بين الأفراد في مرحلة معينة من مراحل تطور قوى الإنتاج ، و لذا فهو لا يتطور إلا مع البورجوازية حسب ماركس [11].

إن ماركس كأحد مفكري القرن التاسع عشر و ناقد لفلسفة هيجل ينطلق في رؤيته بداية من التوافق مع نظرة هيجل ، من حيث النشأة و التطور والمكونات الأساسية للمجتمع المدني ، لكن الحاصل أو الفارق الوحيد في اختلاف ماركس عن هيجل هو تحليل ماركس للعلاقة بين الدولة و المجتمع المدني فهو يعتبره أساسا للدولة و فضاءا للتنافس و الصراع الاقتصادي و السياسي و الطبقي أيضا ، أو ما سينعته ماركس معرفيا بالاقتصاد السياسي [12].

و لا يبدو أن مستوى الخلاف في نقد ماركس للهيجلية متوقفا عند هذا المستوى ، بل يطرح قضايا و إشكالات جوهرية في تعامله مع مفاهيم الدولة و المجتمع المدني و التطور التاريخي و الحرية … إذ وجه لها مجموعة من الانتقادات حيث يرى أن الدولة فشلت في حل مشكلة الصراع الطبقي ، كما عكست الحرية في الانتصار للبورجوازية ، وجعلت الإنسان مغتربا عن ذاته بسبب الرأسمالية ، و لم تعد في النهاية أن تكون سوى ممثلة للمصالح الخاصة بالمجتمع المدني ، الذي لن يكون في نظر ماركس غير طبقة الرأسماليين و مصالحهم الخاصة [13] . هكذا إذن وضع ماركس المجتمع المدني في مرتبة دونية  لكونه لم يحقق المصالح العامة ، و الفضائل الأخلاقية ، و البعد الجماعي على البعد الذاتي …. لكن في سياق تاريخي آخر ، و داخل الفكر الماركسي نفسه سيبرز مفكرون جدد أثرت فيهم تطورات النصف الأول من القرن العشرين : الثورة الروسية ، الحرب العالمية الأولى ، ظهور الحركات النازية و الفاشية التي كان لها كبير الأثر في تنظير المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي بحث عن دور جديد للمجتمع المدني ممثلا في الحركات العمالية و القوات الشعبية لتغيير الأوضاع بأوربا الغربية . كما بين أن المجتمع المدني ليس صراعا للمجال الاقتصادي ، إنما هو مجال للمنافسة الإيديولوجية . و بهذا سيؤسس للقطيعة مع المفهوم السابق للمجتمع المدني من خلال توظيف مصطلح الهيمنة الثقافية و الإيديولوجية و اختصار المساحة التي يقف عندها المجتمع المدني فيهما أو بتعبير آخر إن المجتمع المدني حسب غرامـشي هو فـضاء الهيـمنة الثقـافية و الإيـديولوجية الـتي تـقع على مسافة من الاقتصادي و مؤسسات الدولة ، وبهذه الصفة فإن وظيفة المجتمع المدني تصبح توجيهية من خلال تنظيمات تمارس سلطة رمزية ، هذه التنظيمات عبارة عن المثقفين و دور العبادة و النقابات و الجمعيات و المدارس و الصحافة و الإعلام و الأحزاب و البرلمان ….[14] ، التي تعمل بكاملها لتحرير الطبقة العاملة على الوصول للسلطة دون اللجوء لوسائل العنف أوالثورة العنيفة ، و بواسطة آليتي الهيمنة الإيديولوجية [15] و الثقافية .

و منذ اللحظة الغرامشية ، مكث المجتمع المدني غائبا عن الساحة السياسية الفكرية حتى الثلث الأخير من القرن العشرين أي في سنوات الثمانينات بعدما بدأت الأنظمة الشمولية تثبت فشلها في الحكم فظهرت على إثرها تحركات اجتماعية مدنية كان أبرزها الثورة البولندية سنة 1982 بزعامة نقابة التضامن التي طرحت نفسها كأحد تنظيمات المجتمع المدني آنذاك لمواجهة سلطة الحزب الوحيد في البلاد . منذ هذا التاريخ عاد المجتمع المدني للسطوع ، و أضحى صيحة الوقت التي ملأت العالم و جرت في خطاب كل هيئة سياسية أو زعيم و محفل عالمي ، و اكتسى صيغة تعريفية جديدة تكاد تكون موحدة كان أهمها لا حصرا تعريفات السوسيولوجيا المعاصرة التي رأت أن ” المجتمع المدني هو النسق السياسي الذي تتيح صيرورة تمأسسه مراقبة المشاركة السياسية … فهو كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات و المنافع العامة دون تدخل أو توسط الحكومة ” [16] . و هو ” حقل القوى المجتمعية الفاعلة التي توجهها في آن واحد قيم ثقافية و صلات مجتمعية كثيرا ما تكون تنازعية ” [17] .  

إجمالا ، لقد اختصر المسار التاريخي للمجتمع المدني و التعريفات التي سيقت له صيرورته داخل الفكر الأوربي و التي تمتد جذورها من حيث البناء إلى الفكر اليوناني الإغريقي مع الفلاسفة القدامى كأرسطو و أفلاطون ، … الذين تناولوا المجتمع المدني في إطار البحث عن مرتكزات أخلاقية و سياسية لمجتمعاتهم . 

إن المجتمع المدني  ينحذر من الأصل اللغوي الإغريقي ، فالعبارة استخدمها أرسطو في كتابيه الأخلاق و السياسة تحت مسمى : Koinonia Politiké، و ترجمها المفكر الإنساني الإيطالي ليوناردو بروني إلى اللاتينية تحت عبارة : Societas Civilis” ، و تلقفتها اللغات المحلية إذ أصبحت في اللغة الفرنسية مثلا تستعمل بمرادفين هما :  Société Civile و ” Compagnie Civile  ” [18]  .

إن تقلبات مفهوم المجتمع المدني في الفكر و اللغة و التاريخ أعطته زخما جعل له هوية عابرة عابرة للمجالات . فهو الآن كغيره من المصطلحات و المفاهيم المصاحبة لظهوره : الديمقراطية ، اللاييكية  الحداثة ، الرأسمالية ، اللبرالية … أصبحوا التعويذة التي تسري بها نحلة الغالب الغربي ـ أوربا الغربية  وما يدور في فلكها من مجتمعات متقدمة ـ على المغلوب المجتمعات الشرقية خاصة ، و من ضمنها العالم الإسلامي …. يتبع


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق