المقالات

أهمية التأويل في البناء الحضاري(لطيفة يوسفي)_1_

المقدمة

إن العلماء اعتنوا بتأويل النصوص الشرعية، واعتبروا أن التأويل ـ بمعناه الصحيح المستنبط من روح الشريعة ـ الطريق الملكي لفهم هذه النصوص وإدراك معانيها، وبيانها، وتأويلها، فهما دقيقا، وبيانا راجحا، وتأويلا صحيحا، لا ينافي مقصود الشارع إذ المقصود من الكلام الإفهام. فالتأويل إذن إبانة إرادة الشارع من اللفظ بصرفه عن ظاهر معناه المتبادر منه إلى معنى آخر يحتمله بدليل أقوى يرجح هذا المعنى المحتمل. وهذا التأويل بهذه الصورة يعتبر منهجا من مناهج الاجتهاد بالرأي، يتسع مجاله ليشمل النصوص الواضحة لأنه يتعلق بمعانيها.

مع إيضاح أن الأصوليين لم يتعاملوا مع ألفاظ النصوص الشرعية على أنها مجرد ألفاظ لغوية، بل على أساس أنها تحمل معاني، ومقاصد شرعية، لابد من إدراكها، وتأملها، وتدبرها، والنظر فيها بنظر صحيح ـ في عملية الاستنباط والاستدلال ـ من شأنه أن يسهم في بناء حضاري قويم.

وعليه فإن المؤول في تأويله الصحيح لمعاني النصوص الشرعية عليه أن لا يقف عند الأبعاد اللغوية، وإنما عليه أن يدرك الأبعاد الحضارية كذلك للنص الشرعي حتى يستنبط ما يؤسس به لفقه حضاري، يبدأ من الاستيعاب الحضاري‏ للقضايا‏،‏ ثم الإدراك الحضاري لمنزلة قضايا الحضارات بين المقاصد، والوسائل‏،‏ والعام، والخاص،‏ إلى أن يصل هذا الفقه إلى توجيه السلوك الحضاري‏، ليخرج إلى حيز الإفادة العملية فرديا وجماعيا‏‏ وممارسة في الحياة‏، وليصل إلى وضع المناهج الحركية الحضارية لسلوك الأمم‏، مواكبا الفطرة النقية والرسالات الإلهية والاعتبار بالحوادث والأخبار بما يحرك عناصر الفاعلية الإنسانية والأممية حضاريا‏،‏ فتحقق الأمم ذاتها، وبناءها، وتحقق البشرية تعارفها وتعي تدافعها.

وستتم مقاربة هذه الدراسة من خلال محورين :

الأول : أهمية التأويل في البناء الحضاري

إن القرآن الكريم باعتباره دستور نهضة إنسانية شاملة قد أكد في آياته على أن الله تعالى قد سخر ما في الكون لخدمة الإنسان وترشيد حركته في عمليات البناء والإبداع والنهوض الحضاري قال تعالى﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّفِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾،[1]إذ الكون ـ كما يقول عبد المجيد النجار في حديثه عن الانتفاع المعرفي ـ ” هو المجلى الأكبر للحقيقة التي تنفع الإنسان، والتي يتوقف عليها نمو حياته، إنه خزان للعلوم المختلفة الأنواع.”[2]

فالإنسان مدعو في تأويل وجوده وفقه رسالته الاستخلافية إلى النظر في آفاق الكون كما أوحى الله عز وجل في كتابه المبين الذي يشكل المؤسس للحضارة الإسلامية والمحور المشيد للمعارف والعلوم والمنطلق المشترك والجامع لكل الجهود الفكرية والعلمية في الثقافة العربية الإسلامية. فقد دارت حوله مختلف العلوم والدراسات رغم اختلاف مرجعية هذه العلوم وتنوع مواضيعها وتوزع حقولها المعرفية الشيء الذي جعل هذه العلوم منصهرة في بناء واحد،إنه بناء القرآن الذي يشكل المرجع والمشترك بين كثير من العلومكما أنه يصل إلى” أعماق الحقائق القصوى الثابتة في كل من النفس الإنسانية والمجتمع الإنساني ليرسم الخطوط الفاعلة في علاقة البشر بالواقع، ويعين خطوطها، وهو لذلك، يضع في حسبانه اعتبارات متعددة منها ما هو هيكلي، ومنها ما هو لغوي، ومنها ما هو تاريخي أنثروبولوجي، ومنها ما هو ثقافي، ومنها ما هو علمي، وهذه الاعتبارات جميعا تشكل مصداقيته، وتبرهن على هيمنته، وتجعل منه أصلا لحضارة إنسانية جامعة بكل تنويعاتها واختلافاتها وائتلافها.”[3]

إن التأويل الصحيح المشروع ليس تفلسفا وتحليقا في فضاء الأفكار بعيدا عن حقيقة ما يدعو إليه النص القرآني،فيأتي المؤول بنظرة جاهزة لا ترى في النصوص إطارا مرجعيا ينبغي الدوران والرجوع إليه. فتصبح مقاصدية النصوص وفق ما يراها المؤول وحدها، المرجعية المركزية لكل التأويلات والأفهام. وإنما هو ” نزول بمعنى النص إلى رحابه، ودوران حوله يتيح للباحث التقاط إشارات النص وإيحاءاته البناءة،”[4] فالتأويل ” هو فن الفهم بل ” فهم الفهم.”[5]

وعلى هذا الأساس فقد أدرك علماء الشريعة أن النص الشرعي ليس فقط في فقه الأحكام الشرعية، بل إنه فقه التفكر والمعرفة وكشف حقائق الكون والحياة الدنيوية والأخروية، فالمستقرئ للنص القرآني يجد مساحة الأحكام الشرعية أقل بكثير من مساحة كشف معايير العقول في مناهج الفكر وفلسفة الحياة وبناء الإنسان السوي الذي ألبسه سبحانه وتعالى ” خلع الكرامة كلها من العقل والعلم والبيان والنطق والشكل والصورة الحسنة والهيئة الشريفة والقد المعتدل واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر واقتناص الأخلاق الشريفة الفاضلة من البر والطاعة والانقياد.”[6]

والآيات التي تأمر بالتوجه إلى الكون بقصد الإفهام والتأمل، والتدبر، والتفكر، والعلم، وإعمال النظر وغيرها من مفاهيم المعرفة هي آيات كثيرة مبثوثة في الذكر الحكيم، وفي ذلك يقول ابن رشد قولته الشهيرة ” وإذا كانت هذه الشريعة حقا، وداعية إلى النظر المؤدى إلى معرفة الحق، فإن، معشر المسلمين، نعلم، على القطع، أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له.”[7]

فالبناء الحضاوي يستلزم سداد في الفكر تستقيم به منهجية النظر لإصابة الحق في البحث عنه وفي تنزيله على الواقع.[8]


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق