المقالات

أضواء على النقابات المهنية في حضارة الإسلام(مختار خواجة)_3_

تأصيل نبوي
وفي العهد المدني تلاقينا مظاهر أكثر رسوخا لفكرة النقابة المجتمعية، كما في الحديث النبوي “أن رسول الله ﷺ قال حين أذِنَ له المسلمون في عتق سَبْي هوازن: إني لا أدري مَنْ أذِنَ منكم ممن لم يأذِن؛ فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤُكم أمرَكم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤُهم فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أن الناس قد طيَّبوا (= وافقوا) وأذنوا”؛ (صحيح البخاري).

بل إن النبي ﷺ نصّب نفسه نقيبا لأخواله بني النجار الذين هم بطن من الأنصار عندما توفي نقيبهم أسعد بن زُرارة؛ فالإمام الذهبي يروي -في ‘سير أعلام النبلاء‘- أنه “جاءت [إليه] بنو النجار فقالوا: مات نقيبُنا أسعد فنقِّب علينا يا رسول الله! قال: «أنا نقيبكم»”.

وفي هذا الحديث دلالة على أن القبائل كانت ترى وجود النقيب” ركنا أصيلا في كيانها المجتمعي، ولذا وُصف أيضا الصحابي الجليل أبو هريرة (ت 59هـ/670م) بأنه “نقيب أهل الصفة” كفئة مستقلة لأنه كان “عريفهم حين هاجروا”؛ طبقا للإمام النووي (ت 677هـ/1278م) في كتابه ‘تهذيب الأسماء واللغات‘.

وخلال عصر الفتوح، وتحديدا في خلافة عمر الفاروق (ت 23هـ/645م) -رضي الله عنه- نجد ظهورا واضحا للنقباء/العرفاء في تنظيم الدولة، وخاصة المؤسسة العسكرية وتنظيمات جيوش الفتوح في العراق والشام ومصر.

وهو ما تلخصه مادة “عريف” في كتاب ‘موجز دائرة المعارف الإسلامية‘ الاستشراقية الصادرة عن مؤسسة “بريل” الهولندية؛ فتقول إن العريف “مصطلح يطلق على الذين يتولون بعض المناصب المدنية أو العسكرية، على أساس من الكفاءة في الأمور التي تستند إلى العرف، وليس إلى المعرفة بالأمور الدينية التي يتميز بها العالم”.

وأضاف المصدر أنه “كان العريف زمن الراشدين والأمويين يقوم بجمع الضرائب من القبائل ويسلمها إلى ‘المصَّدِّق‘ (= الجابي) الذي يعيِّنه الخليفة..، ومن عهد عمر -وما بعد ذلك- نجد إشارات كثيرة عن وظيفة العريف فيما يتعلق بالتنظيم الحربي للدولة والأمصار..، [فـ]ـجند الكوفة قد قسموا بعد معركة القادسية إلى وحدات (عِرافات) يرأس كل منها «عريف»”.

وفي الدولة الأموية؛ طرأ تحول جديد حين انتقل مصطلح “العريف” (اجتماعيا ورسميا) من حيزه القبلي المحض ليدخل الدوائر ذات التماس بين المجتمع والسلطة، فنطالع مثلا خلال عهد معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/681م) -رضي الله عنه- توظيفا طريفا لهذا المصطلح في قطاع كشؤون المساجد وهو “عريف المؤذنين”. وبالتالي يأخذ دور “العريف” في هذا العصر وضعه المؤسسي الواضح والذي سيطبع لاحقا حياة النقابات بمختلف أنواعها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق