المقالات

أصل البداهة وحدود الاختلاف…✍️ ذ. فؤاد هراجة

لا جرم أن الاختلاف مُسلَّمة وبديهة لا تحتاج إلى برهان. فكل الظواهر الطبيعية تنقل هذه الأَوَّلِيَةَ في عقولنا من البداهة إلى اليقين من خلال تجليات؛ الليل والنهار، السماء والأرض، البرودة والسخونة، الذكورة والأنوثة، اليابسة والبحر…، وكل هذا الاختلاف الجلي يدفع الإنسان المُدرِك لهذا الاختلاف، والواعي بوجوده، والمستوعب لضرورته في التطور والتنوع والإبداع والتكامل، أن يعتبره حقا طبيعيا في هذه الحياة، يتوجب ممارسته والقبول به بكل تلقائية. لكن السؤال الذي ينتصب أمامنا، هل للاختلاف حدود يتوقف عندها، أم أن الحق الطبيعي فيه هو بمثابة تأشيرة تسمح له باختراق كل حدود ومستويات التفاعل والتواصل والمعرفة؟ ولئن سلمنا بصحة هذا الأمر، ألا يصبح الاختلاف في البديهيات تقويضا لكل إمكانية في بناء أي مشترك في كل المجالات، ومن ثَمَّ يصبح البرهان على صدق القضايا أمرا مستحيلا؟

 

دعونا في البداية نُعَرِّفُ البداهة التي يُشَكِّلُ الاختلاف أحد مجالاتها. يقول الكفوي في كتابه ”الكليات معجم المصطلحات“: «البداهة هي المعرفة الحاصلة ابتداءً في النفس، لا بسبب الفكر، كعلمك بأن الواحد نصف الاثنين. والبديهي أخص من الضروري، لأنه ما لا يتوقف حصوله على نظر وكسب، سواءً احتاج لشيء آخر من نحو حدس أو تجربة أو لا، كتصور الحرارة والبرودة، والتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان(…) اليقينيات ست: أولها: الأوليات وتسمى البديهيات، وهي ما يجزم به العقل بمجرد تصور طرفيه. نحو، الكل أعظم من الجزء». وفي ذات السياق يقول فيلسوف الأخلاق الفرنسي Ernest. Bersot في كتابه ” دراسات في الفلسفة“: «قد تقع الفلسفة في خطأين خطيرين: أن تنفي البداهة أو أن تبرهن عليها. فالبرهان على البداهة يضعها أوّلا موضع الشك، وهذا أمر خطير للغاية». يحذر بيرسو من هذا الموقف والمنزلق الخطير، لأن القبول به سينسف كل تاريخ المعرفة، إذ لا علم بدون بديهيات ولا علم بدون كليات. فضلا عن ذلك، ألا يمكن الحديث عن بداهات شخصية وبداهات جماعية؟ أو بكلمات أُخَر، ألا يمكن اعتبار قناعات الشخص التي يؤسس عليها اختلافه مع العقول الأخرى محض أوليات ومسلَّمات وبديهيات شخصية؟ لكن ألا يحتاج هذا الشخص إلى الحجاج والتدليل والبرهنة على صحة مسلماته الشخصية؟ والحالة هذه، ألا يؤكد بالضمن أن ما اعتبره مسلمات شخصية يستحيل اعتبارها كذلك، لأن البديهي أمر لا يحتاج من أصله إلى برهان، بل إنه بالقوة جلي كجلاء النهار، ومنه قول الشاعر:

 

أي شيء يصح في الأذهان

 

                إذا احتاج النهار إلى دليل

 

إنّ البديهي هو ما يبدو بديهيًا لكل العقول السليمة، وعليه فإن الاقتناع بالبداهة الشخصية هو شكل من أشكال مخادعة العقل، والتيه عن أهم منطلقات البحث عن الحقيقة متمثلة في المسلمات (Axiomes)، وبالتالي سنجزم أن ما يسميه المُخْتَلِفُ في هذا المستوى ب: ”البداهة الشخصية“، هو في الأساس ما يوافق ميولاته وآرائه ومعتقداته وقناعاته الشخصية؛ فهو يعرضها على أنها مسلمات ذات أثر يقيني، وبمنحها قيمةً موضوعية كاملة دون أن تكون مطابقة للحقيقة، لماذا؟ لأنها بكل بساطة أخطأت أول نقطة في الطريق نحو المعرفة. وبناء على ما سبق، يمكن القول أن البداهة تعني الإدراك المباشر للقضية البديهية التي تفرض نفسها بالقوة على العقل بحيث لا تترك له مجالا للتردد أو الشك، حيثُ أن من أثر البداهة اليقين الذي تتركهُ في العقل، وبالتالي، فإن الذين يحاولون تجاوز حدود البداهة تحت ذريعة ”الحق في الاختلاف“ إنما يحاولون عبثا مخالفة طبيعة العقل ومنطق العلم والمعرفة، كما يحاولون لَيَّ عنق الحقيقة بدعوى الاختلاف، ومن ثم استخلاص أحكامٍ كاذبة تسعى إلى كسر مبادرئ المنطق.

 

دعونا الآن ننتقل من البداهة على مستوى النظر إلى البداهة على مستوى الممارسة، هَبْ أن شركة ميرسيدس لصنع السيارات تعاقدت مع أشخاص، يتمتعون بروح العبقرية والإبداع، قصد إضفاء قيمة مضافة على منتوجاتها، سيكون من البديهي أن اجتهادهم سيفتل في إنتاج سيارة ميرسيدس وليس غيرها، أي أنهم سيُسِلِّمُونَ بهذا المعطى ولن يتخطوا حدوده بدعوى الاختلاف. ثمة ثوابت لا تسمح الشركة بزعزعتها وتعتبرها من البديهيات، ما دونها هو قابل للمراجعة والتطوير والتجديد، بالتالي فإن إدارة الشركة لو قبلت بالاختلاف في ثوابت صناعتها ستكون بداية نهاية هذه الشركة، حيث سيؤدي هذا الاختلاف إلى صناعات لا تعكس معايير أصالتها، على هذا الأساس لا يمكن السماح البتة بالاختلاف حول الثوابت وأصالة المشروع والمُنْتَج، غير ذلك يكون الاختلاف فيه محمودا ومقبولا. قس على ذلك في سائر المؤسسات والأحزاب والجماعات…، فمن البديهي أن يكون الملتحق بها على دراية بتصورها وحدود المسلمات التي لا يجوز لأي أحد تخطيها، لأن فعل ذلك هو تقويض ونسف للمشروع من أساسه، كما أن المنطق يؤكد أن هذا الملتحق بِرَكْبِ أي تجمع بشري منظم قد أبدى قبوله الصريح أو الضمني لكل مسلمات وأوَّليات وبديهيات التنظيم الذي التحق به، فإن كان التنظيم مؤسسات، وكان التنظيم قانون داخلي، وكانت له آليات اشتغال، وثوابت تصورية، فلا يقبل باسم الاختلاف أن نتخطي كل هذه البديهيات التي على أساسها سمي التنظيم تنظيما، وسلمنا بأنه تنظيم، إذ لولا هذه البديهيات لما استحق أن يُنعَتَ باسم ”التنظيم“ إطلاقا. إن البداهة تقول أن الاختلاف حول سير تنظيم ما، لا يتم من خارج هذا التنظيم، وإنما يتم من داخله، وإلا اعتبر كل متابع أن هذا ليس مجرد اختلاف، وإنما نحن إزاء رؤية جديدة وطريق جديد واختيار جديد، وهذا أعتبره اختلافا مقبولا ولا غبار عليه، ومن حق أصحابه، بل لهم كامل الحرية في اختيار ذلك، لكن أن يختار مثلا موظف ما، كان يشتغل في شركة ما، وتركها لأسباب ذاتية أو موضوعية، أن ينتقد أداءها، ويختلف حول أسسها وثوابتها ومدخلاتها ومخرجاتها و يرغمها على تقبل اختلافه وانتقاده، ويحاول دفعها إلى ترك كل مشاريعها للتهمم بانشغالاته وانتقاداته وأن تنبري هذه الشركة للتفاعل والتجاوب مع انتقاداته وحجاجه وجدله، وإلا نعتها بالمتصلبة والمغلقة والرافضة للحوار والاختلاف! إن هذا النوع من الاختلاف هو الذي اعتبرناه تخطي لحدود البداهة الذي لا يقبل به العلم والعقل والمنطق. إن أي تنظيم أيا كانت وظيفته لن يقبل أن تُفرَض عليه الأولويات من خارج هياكله، ولن يقبل بتعطيل وظائف مؤسساته، ويوقف جميع مخططاته، ويتفرغ لإشباع رغبات منتقديه. فإذا كان من حق هؤلاء ممارسة الانتقاد والاختلاف، فإن من حق هذا التنظيم احترام هياكله ومؤسساته ومخططاته التي استنزفت منه وقت وجهدا واجتهادا لبنائها ووضعها.

 

وقصارى القول، فإن الاختلاف كبديهة طبيعية ومسلمة عقلية، لا يجب أن يتحول إلى أداة لتقويض البداهة نفسها التي بستمد منها الاختلاف قوة التسليم به كقيمة من قيم الطبيعة والحياة، وذلك عبر قبولنا بالاختلاف في دائرة البديهيات والمسلمات والأوليات، وعليه كان لابد من وضع حدود للاختلاف بحيث لا يسمح به عند تخطى حدود البديهيات في أي موضوع أو قضية. إن وجود معارضة راديكالية ما مثلا، في دولة ما، يعني أن هذه المعارضة ترفض ما تعتبره هذه الدولة مسلمات أو بديهيات كتقديس الحاكم أو تقديس بعض القضايا التي تحمل الدولة عموم الشعب على التسليم بها ولا تسمح له بالاختلاف فيها، هذا ما يدفع هذه المعارضات إلى رفض الاشتغال من داخل هذا النظام، وتفضيلها العمل من خارجه لأنه من المستحيل الاختلاف مع طرف حول ما يعتبره بديهيات وثوابت لكينونته، ولعله موقف عادي من قِبَلَهِ ، الأمر الذي يجعل مثل هذه المعارضات تختار لفعالياتها وانشطتها فضاءات وخطابات غير رسمية للتعبئة والتأطير، متحين إنضاج الظروف، وارتفاع مستوى الوعي لإجماع عقول الجمهور على بداهة نمط الدولة البديلة التي تقترحها. لنخلص في النهاية إلى أن الاختلاف حق طبيعي، لكن البداهة تشكل آخر حدوده التي لا يُقبَلُ منه التَّمَاسَ بها حتى لا ينكسر ميزان المنطق وتضيع الحقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق