المقالات

أساليب الاحتجاج في تاريخ الإسلام(محمد الصياد)_1_

تأصيل مبكر:
جاء الخلفاء الراشدون فعززوا في نفوس الأمة وواقعها “فقه الاحتجاج”، وعرفوها حقها في الاعتراض على ما ترفضه من سياساتهم؛ إذْ كان كل منهم يفتتح عهده بخطبة عامة يعلن فيها أنه ليس فوق المساءلة الشعبية ولا سياساته منزهة عن النقد والتقويم.

فقد روى الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ/795م) -في ‘الموطّأ‘- أن الخليفة الأول أبا بكر الصدّيق (ت 13هـ/635م) خطب بعد مبايعته خليفة أمام الصحابة، فكان مما جاء في كلامه: “أما بعد؛ فإني وُليتُ أمركم ولستُ بخيركم..، أيها الناس! إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أنا أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني”!!

فهذا الخطاب يعني أن الأُمّة لها وصاية حصرية على نفسها، تختار من تشاء وتعزل من تشاء، وتعارض وتحتج وتراقب وتقوِّم؛ ولذلك علّق الإمام مالك على مقولة الصدّيق تلك بقوله: “لا يكون أحد إماما أبدا إلا على هذا الشرط”!!

ويحدثنا الإمام الذهبي (ت 748هـ/1347م) -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأن الخليفة عمر الفاروق (ت 23هـ/645م) لقي يوما الصحابي الجليل “محمد بن مسلمة (ت 46هـ/667م) فقال له عمر: كيف تراني؟ قال: أراك كما أحب..، أراك قويا على جمع المال، عفيفا عنه، عدلا في قسمته، ولو ملتَ عدلناك كما يُعدل السهم في الثقاف! فقال [عمر]: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملتُ عدلوني”!!

ولم تكن تلك المبادئ حكرا على تعامل الخلفاء الشخصي مع مواطنيهم؛ بل كانت دستورا ثابتا يسير عليه -في أغلب الأوقات- كافة ولاة ومسؤولي دولة الخلافة الراشدة، ويلزم به الخلفاء موظفيهم العموميين؛ فقد روى الإمام البيهقي (ت 458هـ/1067م) -في السنن الكبرى‘- أن عمر خطب في المسلمين يوما فقال:

“ألا إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وليعلموكم سننكم، ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا ليأخذوا أموالكم، ألا فمن رابه شيء من ذلك فليرفعه إليّ، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنّ منه”!! ثم توجه بخطابه إلى ولاته على الأقاليم فقال مهددا إياهم: “ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم”!!

ثمّ كان أول اختبار عمليّ لموقف المسلمين من الاحتجاج السلميّ في عهد الخليفة عثمان بن عفان (ت 35هـ/656م)، وذلك حين احتجّت طائفة من أقاليم مختلفة على بعض سياساته وسياسات ولاته في تلك الأقاليم.

وبغض النظر عن مدى صدق مزاعم المحتجين؛ فإن الخليفة عثمان نجح في ضمان حق الأمة في الاعتراض على ولاة أمورها بإقراره للمحتجين على مبدأ احتجاجهم رغم ما انطوى عليه من عنف وخشونة، بل إنه رفض تدخل الصحابة لفضّ ذلك الاحتجاج أو لمقاتلة أصحابه بالقوة دفاعا عن حياة الخليفة الشرعي.

وفي ذلك يقول الإمام ابن كثير (ت 774هـ/1372م) في ‘البداية والنهاية‘: “قال عثمان للذين عنده في الدار من أبناء المهاجرين والأنصار -وكانوا قريبا من سبعمئة-… ولو تركهم لمنعوه…: أقسم على من لي عليه حق أن يكفّ يده، وأن ينطلق إلى منزله، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حُرٌّ”!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق