المقالات

أزمة النخب وشروط الاصلاح للاستئناف(أبو يعرب المرزوقي)

حيرة لم أجد لها تعليلا:
ما الذي يجعل العجز شاملا للنخب العربية بأصنافها الخمسة جميعها أعني
1. نخبة الإرادة
2. ونخبة المعرفة
3. ونخبة القدرة
4. ونخبة الحياة أو الذوق
5. ونخبة الوجود او الرؤية.
وبلغة أوضح تعين نظائرها في ما يسمونه واقعا نخبة السياسة ونخبة العلم ونخبة الإنتاج المادي والرمزي ونخبة الذوق ونخبة رؤى العالم؟
هل توجد علة للعجز تمكن من تحميل مسؤوليته لواحدة من هذه النخب لتعين دورها الذي يمكن تحليله لفهم الداء الذي يشمل الجميع أم إن للأمر علة شاملة فتكون عصية على التعيين في نخبة السياسة أو في نخبة البحث العلمي أو في نخبة الانتاج المادي والرمزي أو في نخبة الذوق أو في نخبة الرؤى بنوعيها؟
وكيف نفهم أن كل نخبة تعتبر غيرها مسؤولا عما تعاني منه الأمة والتهم تكاد تجمع على أن المسؤول الأول والأخير هو نخبة الإرادة أو السياسيون الذي يعتبرون مسؤولين على تأخرنا العلمي والاقتصادي والثقافي والفني والرؤيوي لكأنهم دون سواهم يملكون عصا موسى فيستطيعون كل شيء دون اعتبار لما هو موجود؟
لكن إذا عممنا المسؤولية فهل يبقى بالوسع اكتشاف العلاج؟
أليس العلاج يقتضي اكتشاف العلة “الأولى” إن صح التعبير والبدء بعلاجها باعتبار مفعول الدواء متعديا فيكون صلاح نخبة الإرادة مؤديا إلى صلاح نخبة العلم وهذا إلى صلاح نخبة الإنتاج وهذه إلى صلاح نخبة الذوق وكل ذلك يصلح نخبة الرؤى؟
ولماذا لا نعكس فنعتبر إصلاح نخبة الرؤى هو الذي يؤدي إلى إصلاح نخبة الذوق فينصلح أمر نخبة الانتاج لأن الذوق هو الغاية من كل إنتاج عضويا كان أو جماليا فتنصلح نخبة العلم التي هي العلة الفاعلة لكل إنتاج فتصبح نخبة الإرادة صالحة لأنها هي التي تتصرف في ثمرة ذلك كله فتستخرج من نخب الأمة ما يحصل في البلاد التي تعمل مؤسساتها بمنطق السنفونية التي لها رئيس جوقة يحسن تسييرها وهو المفروض في دور السياسي إذا كان صالحا؟
اعترف أني قلبت الأمر من كل الوجوه وبدأت بكل واحدة من الخمسة ولم يرضني أي من هذه الخيارات رغم أن هذا الأخير يبدو أكثرها مصداقية خاصة إذا تعلق الأمر بالثورات الكبرى لأن الإسلام مثلا بدأ بإصلاح الرؤية في جاهلية العرب فصاروا أبطالا بعد أن كان يستذلهم الفارسي والبيزنطي والحبشي. فلم يبق إلا الخيار الوحيد القريب منه وهو الذي تكلم عليه ابن خلدون في الفصل 40 من الباب 6 تعليلا لفساد معاني الإنسانية فلا يبقى الإنسان “رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له” سيد نفسه في النظر والعمل ليكون بحق مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها.
صحيح أن ابن خلدون لم يعتمد تصنيفا للنخب ليعالج المسألة لأن هذا التصنيف لم يكن موجودا إذ هو من وضعي. لكن لو طبقنا هذا التصنيف لفهم علاجه لاكتشفنا أنه يعتبر نخبة الإرادة (الاولى في التصنيف) ونخبة الرؤية (الأخيرة في التصنيف) سر فساد معاني الإنسان إذا تحول دورهما من فلسفة الغاشية 21-22 (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) إلى نقيضيهما: أي وصاية الحكم ووساطة التربية كما حدث في كل تاريخ الأمة.
يقول ابن خلدون إن ما يفسد معاني الإنسانية في تربية الفرد هو عنف المربي (العلماء). وما يفسد معاني الإنسانية في الجماعة هو عنف الحاكم (الأمراء). والقرآن يعتبر كل تحريف ديني علته حلف بين علماء الدين والحكام (آل عمران). وبين أن العنفين هما ما نهى عنه القرآن في آيتي الغاشية “فذكر إنما أنت مذكر” للمربي. و”لست عليهم بمسيطر” للحاكم. فكيف انتقلت الأمة من رسول هكذا عرف القرآن دوريه.
هذه الطريقة الوحيدة التي اعتقدها قادرة على اخراجنا من مأزق من أين نبدأ: لا يمكن أن نبدأ من النخبة الأولى نخبة الإرادة ولا من النخبة الأخيرة نخبة الرؤية منفصلتين هذه أو تلك (دينية وفلسفية) بل لا بد من البدء منهما معا. وما بينهما من النخب أي نخبة العلم ونخبة الانتاج ونخبة الذوق فهي توابع لهما: فالرؤية هي شرطها النظري أو الوجود في الأذهان والإرادة شرطها العملي أو الوجود في الأعيان.
وأريد الآن أن أطبق كلامي على حالتين عربتين هما أهم ما يمكن أن نرد إليه حال الأمة عامة اذا اعتبرنا الجامعة العربية ممثلة بـ”دولها التي هي محميات” عينة ممثلة للامة.
والحالتان هما: مصر والسعودية.
فهل هما خاليتان من أصناف النخب الثلاثة التي تتوسط بين نخبة الرؤية (التربية) ونخبة الإرادة (الحكم)؟
طبعا لا.
لذلك فعلي أن أعلل لماذا اخترت مصر والسعودية للبرهان على أن المشكل كله يعود إلى فساد نخبة الرؤية ونخبة الإرادة.
ولاختيارهما ممثلتين علتان:
1. فمصر شئنا أم أبينا تمثل ثقل النهضة والثقافة العربية الحالية منذ قرنين على الأقل. والسعودية تمثل ثقل العرب الحديث المادي (من العشرين الأول في العالم) وثقل العرب القديم الروحي (الحرمان).
2. والحرب الأهلية العربية ناتجة عن التنافس بين مصر والسعودية منذ محمد علي إلى وقوعهما تحت الوصاية الاسرائيلية الأمريكية حاليا وليس منذ خمسينات القرن الماضي فحسب.
والمشكل أنهما لا يقودان حربا أهلية لعلل ذاتية كأن يكون من أجل توحيد الأمة كما حدث في الوحدات التي عرفها التاريخ مثل ما حدث في ألمانيا وإيطاليا واسبانيا وحتى في الصين.
إنها ليست حربا أهلية بدوافع ذاتية للأمة بل هي حرب أهلية ناتجة عن تبعية وخاصة في النصف الثاني من القرن الماضي أعني تبعية مصر للسوفيات وتبعية السعودية لأمريكا ثم تبعية لمن هم أدنى من القطبين بكثير مع توسعها لغيرهما من بقية العرب: إيران وإسرائيل.
فقد أصبحت مصر والسعودية معا تابعتين لإسرائيل وأصبح عرب الشمال تابعين لإيران بمعنى أن الحرب الأهلية العربية انتقلت من التبعية للرأسين الدوليين إلى ذيليهما في الإقليم. وذلك من علامات التبعية للأدنى بعد أن كانت للأعلى في قوى العالم الحالي. فلكأن روسيا وأمريكا وكلتا أمر العرب لعميلهما استهانة بوزنهم ومنزلتهم في معارك نظام العالم الجديد.
فماذا يحدث في التربية وفي الحكم في هذين البلدين اللذين يمثلان حال العرب بوصهفم عينة ممثلة لحال المسلمين إذا ما استثنينا بعض بلاد الإسلام التي تقدمت علينا وتحررت بعض التحرر للشروع في البناء المصالح بين القديم والحديث فخرجت من الفصام الذي تعيشه نخب العرب الكاريكاتورية.
قبل أقل من أسبوع من انقلاب السيسي كنت في القاهرة للمشاركة في ندوة نظمتها جامعة ألمانية مع دار العلوم. دعيت إليها ورأيت بأم عيني كيف أن النخبة الحاكمة والنخبة المربية أو الأمراء والعلماء في مصر قد أخذوا طريقا هدفها ادخال الأمة في صدام حضارات داخلي بديلا من شكله بين الأمم الذي بشر به البعض.
صحيح أني رأيت بعض المقاومين لهذا التوجه. لكنهم كانوا قلة محاطة بمناخ التخويف والتهديد والوعيد صادرة عن نخب تدعي الحداثة بفكر هو كاريكاتور الفكر الحديث ومن نخب تدعي الأصالة بفكر هو كاريكاتور الفكر الأصيل. ولذلك كان هؤلاء هم من أضفى “الشرعية” على الانقلاب كما رأينا ذلك في مشهد الانقلاب الرسمي بحضور رؤوس الرموز الدينية والفكرية.
ونفس الأمر في السعودية لأنه لا فرق بين السيسي وولي العهد السعودي: كلاهما دمية إسرائيلية أمريكية.
ومثلهما من يقود العراق والشام.
وسأسمي هذين النوعين من الكاريكاتور التربوي أو النخب والمثقفين جامية الحداثة وجامية الأصالة. وهما نوعا النخب التي تمثل نخبة الرؤية والتربية بصورة عامة مع نخبة الإرادة والحكم الذين عينهم الاختراق الأمريكي والصهيوني في مصر وفي السعودية.
ومثلهم أو أكثر حكام عرب الشمال ومحيطهم من النخب العميلة.
لكن المثال الحي والأوزن في الحالتين هو السيسي وولي العهد السعودي والنخب المحيطة بهما.
فهذه النخب الرؤيوية الكاريكاتورية من الحداثة (يدعون الليبرالية والعلمانية بعقلية بدوية متخلفة) ومن الأصالة (يدعون التفتح الديني المرتد إلى عكس ما كان عليه) هي التي تضفي الشرعية بالتبشير بتربية يزعمونها حديثة أو أصيلة تفرض بعنف الدولة الذي تمثله النخبة الحاكمة رغم إرادة الشعوب بسبب التبعية. وتحول ما يسمونه دولا مجرد محميات يتحكم فيها الصهيوني والصفوي ذيلي أمريكا وروسيا.
إلى هذا الحد يمكن اعتبار تحليلي متفقا مع ابن خلدون.
لكن الآن يبدأ الانفصال عن رؤيته.
فهو يهمل دور الشعوب رغم أنه أشار إلى المبدأ واعتبره سلبيا ربما لعدم تطابقه مع مبدأ تفسيره للتغير التاريخي بصراع العصبيات.
فهو استنتج من فساد التربية العنيفة والحكم العنيف انقراض من مآله فساد معاني الإنسانية من الشعوب الخاضعة مدة طويلة وضرب مثالي الفرس واليهود.

لكن هذين الشعبين بخلاف ما رآه في عصره انبعثا من جديد وصارا قوتين تستتبع العرب بصنفيهم.
فعرب السعودية ومصر وكل عرب الخليج توابع لإسرائيل وأمريكا.
وعرب الشمال توابع لإيران وروسيا.
وما أظن بقية العرب بمنأى عن إحدى الحمايتين.
ما فات ابن خلدون هو إرادة الشعوب ورؤيتها وراء إرادة الحكام ورؤيتهم. فشعوب الإقليم عامة والعرب خاصة لهم إرادة ورؤية هما اللتان ستغيران قواعد اللعبة.
وهذه الإرادة والرؤية الشعبية ليست خاضعة للحلف بين العلماء والأمراء الذين نصبهم مستتبع السياسة العربية في الإقليم تمثيلا لها بسياسة السيسي وسياسة صاحب المنشار وأمثالهم في الشمال وفي بقية المحميات العربية.
توجد ثورة عامة في شعوب الإقليم عليهم جميعا وباسم هذا الحس الشعبي أحاول فهم ما غاب عن ابن خلدون.
فالثابت أن الثورة المضادة العربية ممثلة بهؤلاء الأمراء الحاكمين وبهؤلاء العلماء المربين لا يمثلون إلا أقلية تقودهم الدول الحامية في حربها على الأمة وعلى الإسلام وهي الحلف العميق بين الصفوية والصهيونية بتأييد من روسيا وأمريكا لتوقعهم أن الاستئناف صار أمرا لا مرد له.
فلا ريب في عودة دولة الإسلام.
وإذا وصلنا إلى هذه الغاية التي تأكدت على الأرض لأن الشباب ثار من العراق إلى الجزائر ومن الشمال في سوريا إلى الجنوب في السودان وتوسط قلب الإقليم في ليبيا التي تصل المشرق بالمغرب بات من الواجب أن نبحث عما يسرع في هذا الاستئناف الذي لم يعد عندي شك في كونه آزفا وقد اراه رغم سني.
وما يسرعه هو ما أشرت إليه من أن الفوضى الخلاقة التي أرادوها لسايكس بيكو ثانية نحن نريدها لمحو الأولى ومنع الثانية.
فلا يمكن لثورة شعوب الإقليم أن تكون مؤثرة إذا بقيت الحدود التي وضعتها الأولى حائلة دون ما سيعجز الأعداء دونه لأنه بحر في جغرافيا أكبر من جغرافية عمالقة العصر الحالي في أمريكا وآسيا وافريقيا وأوروبا ولا يضاهيها إلى استراليا مساحة دون تاريخ.
وحينها يمكن أن نطبق الاستراتيجيا التي يسميها ابن خلدون نفسه بحرب المطاولة. وقد شرحت ذلك سابقا. فيمكن لأي مقاوم عراقي أو تونسي أو في أي قطر من أقطار الإقليم عندما تكون الثورة متساوقة وجارية معا أن يعجز كل قوى العالم فلا يترك لها فرصة الاستمتاع بما يوفرها لها عملاء العرب من الحكام والنخب التي تبرر سايكس بيكو.
وحينها لا يمكن لذيلي أمريكا وروسيا أن يحققا ما يحلمان به أي محو دولة الاسلام واستئناف ما تقدم عليها بإرجاع امبراطورية فارس وامبراطورية داود واطمئنان الغربين الروسي والأمريكي بالقضاء على من يعلمون ما يستطيع لأن التاريخ الوسيط وبداية الحديث لم يجف حبره بعد بخلاف أوهام هيجل حول ما يدعيه من خروجه الإسلام من التاريخ وارتداده إلى جغرافية التخلف.
والبداية بمصر والسعودية. شعباهما لن يصبرا أكثر مما صبرا. فلا يمكن لشبابهما أن يتخلى عن دوره في تاريخ الأمة فيصبحان ذيلين لذيل أمريكا. ومثلهما عرب الشمال الذين لا يمكن لشبابهم أن يقبل بأن يكونوا ذيولا لذيل روسيا.
نحن شعوب أعزنا الله بالإسلام وبه نستأنف تاريخنا طبعا بمنطق العصر ورؤاه.
أما نحن في المغرب فقد بدأنا وكانت تونس سباقة كعادتها تلتها ليبيا وتعزز الصف بالشباب الجزائري ولن تتوقف الثورة حتى تستعيد الأمة منزلتها في جغرافية العالم وتاريخه بأكبر عملاق كما كان ولكن بصورة تجعل النخب الخمس التي ذكرت تعمل عمل السنفونية بقائد جوقة تعلم استراتيجية الرسول وفلسفة القرآن.
وتلك هي العلة التي جعلتني أسمي محاولة فهم فلسفة القرآن الدينية والسياسية باسم “استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية” عنوانا لمحاولة التفسير الفلسفي لأن الهدف هو جعل شباب الأمة بجنسيه يدرك كيف يمكن أن نقلب الفوضى الخلاقة لصالح مستقبل الأمة بنفس الخطة التي طبقت في البدء فصارت الأمة سيدة العالم لقرون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق