المقالات

قول في الولاية الإرشادية(ميمون النكاز)

على أثر الجدل الجاري حول “شرطية الولي المرشد” في “الاهتداء”، حيث التقاول التغالبي بين الخصيمين المتنازعين في التأويل والتفسير، أسجل الملاحظات الكلية التالية:
الملاحظة الأولى: يلزم من القول بالشرطية في إبلاغ الآخرين الهداية تحقق شرطها في المنتصب لوظيفتها في الخلق، وذلك بتحصيل “الولاية” لله ولرسوله ولعامة المؤمنين ممن ادَّعَاهَا أو ادُّعِيَتْ له كسبا، وتَحَقُّقِها فيه من الله عطاء وتوفيقا وتيسيرا، مع بلوغ “الرشد” فيها تلاوة وتعليما وتزكية، وذلك لا يكون بالدعوى والتظاهر والتشبع، وإنما بشهادة الكتاب والسنة، الظاهرة في “صحيح العلم” و”صالح العمل”…
الملاحظة الثانية: شرط القول في الموصوف بها- أقصد الولاية المرشدة أو الإرشادية- الإحاطة بمعرَّفاتها في الكتاب والسنة، وذلك لا يتحصل إلا بتتبع دلالاتها واستقراء مصاديقها في مجالات التكليف وأبوابه المختلفة…
الملاحظة الثالثة: تخصيص دلالة “الولاية الإرشادية” في قوله تعالى: {من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}[الكهف١٧] وقصرُها على “مشيخة الطرق الصوفية” فيه عدوان على إفادتها العمومية، التي تشمل غير “شيخ الطريق” من “الأولياء الإرشاديين”، بحسبان “تعدد مناطات الهداية والإرشاد، واختلاف مظانها”، فإن قيل: أليس “ولي الطريق وشيخ السلوك” مندرجا في هذا العموم ومشمولا به؟ أقول: بلى قد يكون، ولكن بالشرط الشرعي الشاهد كما ذكرنا، المتمثل في تحقق “الهداية” وثبوت “رشد العلم والعمل” فيه، في مقامات التكليف ومحال خطاباته، في “العقيدة” و”العبادة” والأخلاق” و”الدعوة” و”الصدع بالأمر” والجهر بالحق” و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” و”الاحتساب العام” في قضايا الإسلام والإنسان، من غير “قرطسة للدين”، ولا “تبعيض” لمصاديقه، ولا “تعضية” لأحكامه وتكاليفه، ولا تخصيصٍ احتكاريٍّ لبعض متعلقات أمره بالانتحال والتحريف…
الملاحظة الرابعة: في قوله تعالى:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة ٥٤-٥٦] بيان حصري لأقسام الولايات الكلية في الاجتماع الإسلامي؛ “ولاية الله، “ولاية الرسول”، “ولاية المؤمنين بعضهم بعضا”، يتواردون على “الولايات الإرشادية بحسب “الأهليات الذاتية” أو “التكليفية”، أو بتعدد مواقع الهداية والإرشاد واختلاف الوظائف العلمية والعملية”، ها هو- في مضرب التمثيل الشاهد- مثل “الرجل من آل فرعون”، ينازع فرعون في دعواه “هداية الناس إلى سبيل الرشاد” في قوله:{ ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}[غافر٢٩ ] حيث نازعه في الدعوى مناديا قومه:{ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٣٨-٤٠]، لا ريب -بيقين الوحي الشريف- أن هذا الرجل المؤمن صار بقومته تلك في وجه التضليل الفرعوني “وليا مرشدا” تحققت فيه وبه “الولاية الإرشادية” في قومه، القائمة على “مقصد تحرير بني إسرائيل من طغيان فرعون وملإه، القصد من هذا المثل إبطال دعوى انحصار “الولاية الإرشادية” في “مشيخة الطرق”، وبيان دلالتها على كل “انواع الهدايات” باختلاف مقاصدها ومناطاتها، والشرط فيها جميعها “صحة الاتباع” و”صدق الامتثال” و”الرشد في القول والعمل”، من خلال الدوران مع الأمر والنهي التكليفيين حيث هما، وما عدا ذلك فتضليل وتغليط وتخليط…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق