الدولة المغربية كسيرورة تاريخية (محمد شقير)
إن أغلب الكتابات التي حاولت التنقيب في تحديد جذور الدولة بالمغرب ، كانت عادة ما تتبنى إما مفهوما عربيا إسلاميا أو المفهوم الأوربي – الفرنسي . فبالنسبة للمفهوم العربي – الاسلامي ، فمن المعروف تاريخيا ان الفتح العربي للمغرب الأقـصى لـم يـكـن فـتـحا لأرض خـلاء بـل لـقـد واجه مقاومات محلية عنيفة لايمكن بأي حال من الأحوال أن تكون نتيجة لردود قبلية فردية و منفصلة بل كانت تجسيدا للحفاظ على سلطة سياسية قديمة ظهرت في عهد المـلوك الـبربر. و قد استمرت حتى بعد الاحتلال الروماني للمغرب الذي اضطر للجلاء تحت ضغط المقاومة المحلية . لـذا فالـمفـهـوم الـعربـي – الاسـلامي لـلدولـة الذي انتشر مع الفتوحات العربية اكتسى غالبا صبغة ثقافية(1) ، جعلت عنصر اللغة و الدين يـلعبان دورا رئيسيا في إقصاء كل المعطيات السياسية المحلية التي سبقت انتشار الاسلام بالمغرب . إذ أن الفتح العربي للمغرب الأقـصى أصبح بـمـثــابـة الـتدشين السياسي لتاريخ المغرب . و بالتالي أصبح البحث في نشأة الدولة بالـمغـرب مـحددا في المجال التاريخي الذي ارتبط ببداية الفتوحات العربية للمغرب”الأقصى ” ، و الذي كرسته كتابات المؤرخين العرب مثل الطبري و ابن عبد الحكم أو بعض الجغرافيـين و أصحاب الرحلات مثل البكري . و حتى كتابات ابن خلدون ( كالعبر) لم تحاول تجاوز ” الخط الأحمر “الذي رسمته الكتابات التاريخية العربية الذي سبقـتـه . (2)
أما بالنسبة للمفهوم الأوربي – الفرنسي ؛ فإن تبنيه من طرف الباحثين جعلهم يقتصرون في تحديدهم لنشأة الدولة بالمغرب على رصد الملامح العصرية و الحديثة لهذه الظاهرة . و في هذا الاطار فهناك البعض الذي يقتصر على الجانب العصري من المفهوم فيحدد نشأة الدولة المغربية بفترة الحماية التي دشنت فيها الاصلاحات الادارية في المغرب و تم فيها البدء في عملية عصرنة هياكل الدولة المغربية . بينما هناك البعض الآخر الذي يتبنى الجانب الحديث من المـفـهـوم و يـحاول رصـد ظـهـور الدولة المغربية بتكون المخزن و انتشار المظاهر الرأسمالية في التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية المغربية .
وعموما، فإن تبني مفهوم معين من هذه المفاهيم غالبا ما يغفل جانبا من جوانب نشأة الدولة بالمغرب ؛ بل حتى محاولة المزج بين المفهومين قد يؤدي إلى مزالق منهجية و تناقضات كتلك الذي وقع فيها الطرح القائل “بالنشأة المزدوجة للدولة المغربية ” .
وهكذا ، فإن تبني مفهوم كـيـفـما كانـت صلاحيته الاجرائية و المنهجية، لايمكن أن يغني عن التنقيب التاريخي في جذور الدولة في المغرب كيفما كانت طبيعة هذه الجذور و كيفما كانت الحقبة التاريخية التي ظهرت فيها . و بالتالي فإن أي بحث جدي في نشأة الدولة بالمغرب لابد و أن يشمل كل المراحل التاريخية للمغرب بدون وضع أي تمييز إيديولوجي أو سياسي بين هذه المراحل . فتاريخ الدولة المغربية تاريخ واحد و موحد رغم اختلاف طبيعة الكتابات التاريخية التي تناولت هذا التاريخ و اختلاف جنسيات المؤرخين .
فمن خلال التاريخ و تطوراته السياسية ينبغي البحث في نشأة الدولة بالمغرب . غير أن هذا البحث وهذا التنقيب لا يجب أن يقوم على تـصورات مسبقة لهذه الدولة و الكيفية التي يجب أن تكون عليها انطلاقا من تبني نماذج و مفاهيم صيغت في إطار منظومات سياسية تطورت وفق منطق يختلف بشكل كبير عن طبيعة التطور الذي عرفته الدولة المغربية . كما لا ينبغي تصور نشأة الدولة المغربية بمثابة تاريخ ميلاد أو ولادة مفاجئة ؛ فالنشأة هي عملية مخاض سياسي طويل مرت بعدة مراحل و اتخذت فيها الدولة المغربية عدة أشكال ليس من الضروري أن تكون هي نفس الأشكال و المراحل التي مرت بها دول أخرى . (1)
_ ارتباط نشأة الدولة بتبلور سلطة منظمة
يـشـيـر تـومـاس كـودو إلـى أن مـفـهـوم الـدولـة يـحيـل دائـما إلـى الـتفكير في السلطة(1) ؛ فالدولة هي قبل كل شيء سلطة . (2)
و رغـم مـا يـكـتـنـف هذا المنظور من تبسيط ظاهري ، فهو يكشف في العمق عن المقوم الرئيسي لكل دولة و هي السلطة. فـمـتـى تـكـونـت سلطة في أي مجتمع من المجتمعات السياسية إلا و جسد ذلك أحد الملامح الرئيسية في نشأة الدولة .
و إذا رجعنا إلى تـاريـخ الـمـغرب القديم ، نجد أن هناك عدة مؤرخين رومان أكدوا على وجود مملكة موريتانية فـي حـدود القرن الثالث قبل الميلاد . و ذكروا بعض أسماء بعض الملوك المغاربة الذين تعاقبوا على الحكم مثل باغا ، بوكوس ، بوكيد ، جـوبا الـثاني و بطليموس . و ذكر هذه المجموعة من أسماء الملوك المغاربة ، أو هذه السلسلة الملوكية ، يدلـل على وجـود سلطة سياسية. و هذا بالطبع يؤكد على وجود إرهاصات و ملامح لدولة مغربية في طور النشأة و الـتـبـلـور . إذ مـن الـمعروف أن تجسد سلطة في أي إطار تنظيمي معين كدولة – مدينة أو دولة-مملكة أو دولة -امبراطورية هو تدليل على أن مجتمعا من المجتمعات قد بلغ درجة الدولة . (3)
إضافة إلى ذلك ؛ فالدولة المغربية في هذه الفترة قد عرفت نوعا من التنظيم و التطور أشار إليه عبد الهادي التازي من خلال مايلي : ” لـقـد ظـهـرت الـمـمـلـكـة الـماورية طوال ملك بوكوس منظمة كأحسن مايكون التنظيم. و كانت تتمتع بـهـيـرارشـيـة مــتـمـيـزة … و علـى رأس الــدولـة جـمـيـعـها الـملـك الـذي يصير إليه الحكم على مـا يـتـأكـد عـن طـريـق وراثي ، و قـد كان يـتمتع بسلطة مطلقة و لذلك نراه هو الرئيس المباشر لـلجـيـش ، و هـو الـذي تـرجـع إلـيـه وحده الشؤون الدبلوماسية فيختار السفراء الذين يبعث بهم إلى المهمات سواء داخل الرقعة المغربية أو خارجها و يستقبل البعثات الدبلوماسية” . (1)
ويضيف التازي ، نــقـلا عن سالوست أحد المؤرخين الرومان ، بأن ” الملك كان محاطا بالجماعة أو بمجلس من أصدقائه و أقربائه و مساعديه ، حيث كان المجلس يقوم – على ما يبدو- بدور هام، الأمر الذي يدل عليه إجراء الاتصالات الأولى بهذا المجلس من لدن الذين يهمهم أن يعرضوا أمرا على العاهل المغربي … فعن طريق هذا المجلس كان يفصل في عدد من القضايا . ” (2)
_ الوظيفة التاريخية للدولة المغربية
يؤكد ليبسون بأن الدولة تنشأ عندما تقوم جماعة من الأشخاص بتنظيم حمايتها الخاصة (3)و من ثمة يرى هذا الباحث أن هذه المهمة ، أي الحماية ، هي الهدف الرئيسي الذي يكون من وراء نشأة الدولة . (4)
و يبدو هذا الطرح وجيها إلى حد كبير ، فتنظيم التجارة أو الإشراف على تصريف المياه أو الشعور بالانتماء المشترك لا يمكن أن يتم في غياب حماية للدولة . لذا فاستخدام القوة المادية يعتبر من أهم تجليات الدولة . فالحرب كانت دائما رمزا لوجود الدولة و الجيش كان الجهاز الأساسي في نشأة الدول . وهكذا أشار مكيا فيلي قديما إلى أن فن الحرب هو الوظيفة المثلى لمن يريد أن يحكم . (5)
و في هـذا الإطـار، يـمـكـن أن نـشـيـر إلـى نشأة الدولة بالمغرب ارتبطت بالأساس بتوفير الحماية و ذلك سواء على المستوى الترابي أو على المستوى الاقتصادي .
– على المستوى الترابي
مـن الـمعروف أن المغرب يحتل موقعا جيوستراتيجيا حساسا داخل المنظومة المتوسطية . فإشرافـه عـلى جبل طارق ، و تمتعه بنافذتين بحريتين جعله دائما ضمن الاهتمامات الاستراتيجية للقوى الاقليمية . فالصراع بين قرطاجة و روما جعل المـغـرب يـدخـل مـجـال الصراع بين هاتين القوتين ، لمدة طويلة. كما أن محاولة هيمنة قرطاجة على منطقة البحر المـتـوسـط جـعـلـها تـقـوم بـإنـشـاء عدة محطات تجارية على السواحل المغربية . بالاضافة إلى أن رحلة حانون، في إطار التوسع القرطاجي نحو الجنوب، قد بدأت من المغرب.
إضافة إلى ذلك ، فالمغرب اكتسب منذ البداية حدودا طبيعية تحولت مبكرا إلى حدود سياسية . و هكذا أشار المؤرخون القدامى إلى أن حدود المغرب، كانت تحد غربا بالمحيط الأطلسي و شمالا بالبحر المتوسط و شرقا بنهر ملوية و جنوبا بوادي درعة . (1)
لـذا فـأمـام الأخـطـار الـخـارجـيـة المحدقة بالمغرب باستمرار ، و للدفاع عن حدود سياسية تبلورت بشكل مبكر، كان من الضروري أن تتحدد مهمة الدولة المغربية منذ نشأتها للاضطلاع بحماية التراب المغربي . ولعل مما يوضح هذه الفكرة إشارة سالوست لعبارة أحد الملوك المغاربة القدامى و هو يتفاوض مع “سيلا ” ،أحد القواد الرومان ، بحيث يـقـول هذا الملك المغربي بوكيس مبررا مساندته ليوغرطة : ” …أنا لم أرد أبدا محاربة الشعب الروماني ، لقد قمت فقط بالدفاع عن حدودي بالسلاح و التي تمت مهاجمتها بالسلاح . و لكن إذا أردتم ذلك ، فحاربوا كما شئتم يوغرطة ، فأنا لن أتجاوز نهر ملوية الذي يعتبر من حدودي … ولن أسمح ليوغرطة بتجاوزه . ” (2)
من هنا يتبين أن هـذا الـمـلـك كـان يـدرك أن مـهـمـة الدولة ،التي يجسدها، كانت تكمن بالأساس في الدفاع عن الحدود الترابية لمملكته و مقاومة الهجومات الأجنبية التي تهدد الوحدة الترابية للبلاد .
– على المستوى الاقـتـصـادي
يشير أحد الباحثين إلى أن التوازن بين التجارة و الحرب ، و بين الجوانب الاقتصادية و الأبعاد العسكرية يعتبر ذو أهمية خاصة في تكون الدولة (1). و يتجسد هذا التوازن، بلا شك، في الحماية التي توفرها الدولة للنشاط التجاري سواء كان على الصعيد الداخلي أو الخارجي .
و نظرا للموقع الاستراتيجي الذي لعبه المغرب القديم في التجارة المتوسطية ؛ فقد شكل محور اهتمام القوى الاقتصادية الاقـلـيـمية . و هكذا شكلت السواحل المغربية و خاصة الأطلسية منها ، محطات تجارية للفينيقيين و فيما بعد القرطاجيين . بل تحولت هذه المحطات التجارية إلى مـسـتـوطنـات و مـدنا تجـارية لـعـبـت دورا اقـتـصـاديـا و استراتيجيا مهما . وقد تجلى هذا الدور على الخصوص ، من خلال تأسيس ليكسوس من طرف الفينيقيين . و في هذا الإطار يشير أحد الباحثين إل ما يلى :
” إن الغرض مـن تأسـيـس … ليكسوس على ساحل المحيط الأطلسي … من طرف الفينيقيين لم يكن فقط لأغراض اقتصادية تستهدف الحصول على منتوجات شبه جزيرة إيـبـريـا و بلاد المغرب الاقصى المتمثل في المـعـادن ( الفـضـة ، الـقـصـديـر ، الملح، و الأسماك المجففة) بل كان الهدف من وراء ذلك مواصلة الرحلات الاسـتـكشـافـيـة عـبر الـمـحـيـط الأطـلـسـي بـدلـيـل ، أن الـفـيـنـيقيين فيما بعد خلال العهد القرطاجي ، كانوا قد انطلقوا من مدينة قادس عبر سواحل أوربا الغربية للوصول إلى جزيرة كاسيتريد و كورنوال جـنـوب بـريطانيا بحثا عن القصدير و الرصاص، كما استعانوا بليكسوس للوصول إلى سواحل غربي افريقيا بقصد الحصول على تبر الذهب و جلود الحيوانات المفترسة و العاج و العبيد” . (2)
من هنا يتبين أن المغرب القديم شكل حـلـقـة أسـاسـيـة في التجارة المتوسطية ؛ حيث كان بمثابة الوسيط التجاري بين أوربا و افريقيا السوداء و منطقة المغرب العربي . لذا كان من الضروري أن ترتبط نشأة الدولة المغربية بلعب هذا الدور و الـقـيـام بـتـأمـيـن الطريق التجارية التي تنطلق من جنوب الصحراء إلى مشارف البحر المتوسط مستفيدة من الفائض الـتي تـحـصـل عـلـيه من قيامها بدور الوساطة التجارية. و هكذا أكد محمد صلاح الدين أن ” طبقة التجار المحاربين هي التي كانت وراء تكون الدولة في المغرب … و أن التجارة في الذهب و العبيد هي التي ساهمت في تقوية و تدعيم هياكلها . ” (1)
ثالثا – استمرارية الدولة بالمغرب
هناك شبه اتفاق بين معظم الباحثين على طابع الاستمرارية الذي تميزت به الدولة المغربية عبر تاريخها . ذلك أن ” السمة الأكثر بروزا في مـسـار الـدولة الـمغـربـيـة ، حـسب الأستاذ ساعف؛ هي استمراريتها ، وثقل المدى الزمني الطويل ، الذي تميزت به ، كدولة قديمة ورثت موارد دائمة من الماضي . ” (2)
و في هذا السياق أيضا ، يـؤكـد مــحمد أركون أن الدولة المغربية عرفت أطول استمرارية (3)، مقارنة بدول أخرى في منطقة شمال افريقيا . فـبـخـلاف الـدولـة الـجزائـرية التي عرفت عدة تقطعات في الزمان و المكان(4) ، تمتعت الدولة المغربية باستمرارية متواصلة سواء في مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي أو في المرحلة الاسلامية . و هكذا يشير أركـون إلـى أن الـدولـة الـمـغـربـيـة ذات الـطـابـع الاسـلامـي ، و على غرار نظيرتها التونسية ، تميزت بأطول استمرارية . (5)
ويمكن أن نفسر استمرارية الدولة المغربية بعدة عوامل ساهمت في تكريسها ؛ كما يمكن أن نرصد هذه الاستمرارية عبر عدة مظاهر تجسدت من خلالها .
1 – الـعـوامـل
يمكن تصنيف العوامل التي ساهمت في تكريس استمرارية الدولة بالمغرب إلى عوامل خارجية و أخرى داخلية.
أ – العوامل الخارجية
تتمثل هذه العوامل في انتماء المغرب إلى المنظومة المتوسطية و تواجده على طريق تجاري دولي :
– الانتماء إلى المنظومة المتوسطية
يعتبر المغرب، من خلال شريطه الممتد من الحسيمة إلى طنجة، أحد بلدان البحر الأبيض المتوسط. و هكذا يرى الـمـؤرخ شـارل أنـدريـه جـولـيـان أن الـسـواحل المغربية شاركت، منذ العصور القديمة ، في النشاط المتوسطي .
كما ارتبط تاريخ المغرب ، بشكل وثيق ، بتاريخ اسبانيا في القرون الوسطى(1) . و يمكن أن نضيف إلى ذلك بأن تاريخ المغرب الحديث تأثر بشكل كبير بكل الصراعات و المستجدات التي عرفتها أوربا المتوسطية سواء كان ذلك من خلال حروب اسبانيا و البرتغال أو حروب اسبانيا مع العثمانيين في إطار الهيمنة على منطقة البحر الأبيض المتوسط أو الصراع الذي كان دائرا بين فرنسا و انجلترا للسيطرة على المنطقة .
و من المعلوم أن منطقة البحر الأبيض المتوسط اعتبرت منذ القديم مهد عدة حضارات و شهدت نشأة عدة دول عريقة كدولة الفراعنة في مصر ، و الدويلات الفنيقية ، و الدويلات اليونانية … كما عرفت توسع عدة امبراطوريات مثل الامبراطورية الرومانية أو الامبراطورية القرطاجية .
وقد كانت السـمة الرئيسية التي ميزت مختلف هذه الدول و الامبراطوريات هي قدم نشأتها و امتدادها الزمني المكثف . و يمكن أن نرجع سبب هذا الامتداد و الاستمرارية إلى الطبيعة الساخنة لهذه المنطقة . فنظرا لأن منطقة البحر الأبيض المتوسط كانت دائما منطقة صراع حول النفوذ . فقد كان من المفروض أن يكون لكل شعب دولة تحميه ضد كل الهـجـمـات الأجـنـبـية و خصوصا تلك القادمة من البحر . فالبحر الأبيض المتوسط إذا كان يشكل لكل شعب من شعوب المتوسط مورد رزق و منفذا تجاريا فقد كان في نفس الوقت يشكل مصدر خطر لكونه كان معبرا للاحتلال و منفذا للهجمات الأجنبية الآتية من البحر .
و هكذا يشير عبد القادر جغلول إلى أن” الظروف التي أحاطت بمنطقة البحر المتوسط، خصوصا الصراع الروماني – القرطاجي أفضت إلى تكوين الدولة البربرية في القرن الثالث ق م” . (2) بما فيها الدولة المغربية.
لــكـن إذا كـانـت هـذه الـظـروف قـد سـاهـمـت بـشـكـل كبير في نشأة الدولة المغربية ؛ فإنها قد ساهمت منطقيا في استمراريتها . بحيث أن هذه الظروف ، و التي تمثلت في الصراع على الهيمنة على البحر الأبيض المتوسط ، بقيت تفعل باستمرار . فبانهيار روما، ظهرت قوى اقليمية أخرى حاولت السيطرة على المنطقة مـثـل بزنطة ثم الأمـويـيـن و غيرهم .
وقد كان لهذا الصراع المحتدم و المتواصل في منطقة البحر المتوسط تأثير كبير على تطور الدولة المغربية ، نتيجة للموقع الاستراتيجي الذي يحتله المغرب في هذه المنطقة ، و الذي يبرز من خلال :
– إشرافه على مضيق جبل طارق الذي يعتبر البوابة الرئيسية للدخول أو الخروج من المنطقة
– قربه الكبير من الضفة الأوربية من خلال جواره لاسبانيا و الجزيرة الخضراء التي تعتبر القاعدة
الأمامية لأي تدخل في أوربا .
– توفره على شريط ساحلي على المحيط الأطلسي .
و نتيجة لهذا الموقع ، وجدت الدولة المغربية نفسها مشاركة في كل الأحداث السياسية التي عرفتها مـنطـقـة الـبـحـر الــمـتوسط . بحيث شـارك الـملـوك الـمـغـاربة القـدامى في الصراع الذي كان دائرا بين روما و قرطاجة و كذا في مواجهة التوسع الروماني و ذلك من خلال مساندة يوغرطة ؛ ثم ساندوا روما في قضائها على هذا الأخير(1). كما دخلوا حلبة الصراع الذي دار بين قيصر و خصومه على السلطة . (2)
كما شكل المغرب أيضا محطة عبور للوندال في حربهم ضد روما (3) ؛ في حين كان أول معقل انطلقت منه الجيوش الأموية لاحتلال اسبانيا …
و هـكـذا فـإن وجــود المـغـرب فـي مـنـطـقـة ساخنة سياسيا، و تواجده في حلبة الصراع بين القوى الاقليمية كان يفرض تواجد دولة مغربية باستمرار . بحيث يمكن لهذه الدولة أن تخضع للاحتلال أو للحماية أو تتعرض للضعف و لكنها لم تتلاشى أبدا .
و من خلال قراءة متأنية لتاريخ المغرب ، سنجد أن الدولة المغربية قد بقيت قائمة حتى بعدما نشرت روما سيطرتها على مـخـتـلـف مـنـاطـق شمال افريقيا ، و قضت على المملكة النوميدية . بل إن القضاء على هذه المملكة ، جـعـل المـمـلـكـة المـوريـتـانـيـة تـحـصـل عـلى بعض أجزاء هذه الأخيرة مقـابل مساندة بوكوس لروما في حربها ضد يوغرطة . وقد استمرت المملكة الموريـتـانـيـة قـائـمـة حـتـى بعد إنشاء بعض المستعمرات الرومانية في المغرب مجسدة من خلال حكم يوبا الثاني و ابنه بطليموس .
و إذا كان اغتيال كاليكولا لبطليموس يمثل فقدان الدولة المغربية لسيادتها و استقلالها ؛ فإن هذا لم يعني اختفاء الدولة المغربية . بـدلـيـل أن تـمـرد أيـدمـون و اضـطـرار روما إلى وضع حواجز (الليمس)) لتأمين المناطق المستعمرة ؛ وكذا التحالف مع بعض رؤساء القبائل المـغـربـيـة (1)، كـان يؤكد أن التوسع الروماني كان احتلالا و الاحتلال يكون دائما لدولة ما . فهذا الاحتلال ، الذي و إن شكل عرقلة لتوحيد سياسي، كما يقول بعض الباحثين ، فإنه لم يقض على الوجود السياسي للدولة المغربية . فبحلول القرن الثالث الميلادي بدأت روما تتخلى عن مواقعها بالتدريج لينتهي ذلك بمغادرة الحاكم الروماني لمدينة وليلي ، و ليلي التي كانت تجسد دائما استمرارية الدولة المغربية . فقد أشار كورتوا بأن مغادرة الحاكم الروماني لمدينة وليلي كان يعني ترك السلطة لملوك بقيوة ” الذين قاموا بلا شك بممارسة السلطة في كل مناطق المملكة الطنجية القديمة “. (2)
كـما يـؤكـد كـورتوا بأن الـفـتـرة الـتي تـزامنت مع الاكتساح الوندالي شهدت ظهور عدة ممالك سواء في الجزائر أو المغرب ؛ خصوصا و أن هذا الأخير كان يبتعد كثيرا عن مقر الدولة الوندالية (3). لذا فإن الفاتح العربي عندما دخل المغرب واجه مقاومة مستمرة كانت تحركها أساسا الفكرة الاستقلالية و التي كانت انعكاسا لاستمرارية الدولة بالمغرب .
– الارتباط بالتجارة الدولية
لقد ارتبطت اسـتـمـرارية الدولة بالمغرب بالتجارة الدولية التي تمركزت بشكل خاص و حتى حدود القرن 16 م في مـنـطـقـة الـبحر الأبيض المتوسط. و هكذا يشير بيران إلى أن مركز التجارة الدولية تحول ابتداء من القرن الثالث ق م نـحـو غـرب البـحـر الأبـيـض الـمـتـوسـط الـشـيء الذي جـعـل مـن هذه المـنـطـقـة عنصرا رئيسيا في الـسـاحـة الـدولـيـة فـي مـخـتـلـف الميادين البحرية و الاقتصادية و السياسية (1) . و تواجد المغرب في هذه المنطقة ، جعل الدولة المغربية تستفيد من الفائض الذي كانت تدره عليها وساطتها التجارية . (2)
وقد ساهمت عدة عوامل في لعب الدولة المغربية دور الوسيط التجاري بين أوربا و افريقيا السوداء و المشرق العربي تمثلت على الخصوص فيما يلي :
– توفر المغرب على واجهتين : واجهة بحرية وواجهة صحراوية ، فالواجهة البحرية كانت تساعد على التعامل مع أوربا من خلال تسهيل عملية تبادل مواد استراتيجية كانت أوربا في حاجة دائمة لها و هي العبيد و الملح و الذهب(3 في حين شكل المغرب من خلال واجهته الصحراوية محطة تجارية لنقل بعض المصنوعات الأوربية مثل الأقمشة و الأسلحة .
– تـوفـر الـمـغرب على بنية زراعية ساعدت على إنتاج بعض المواد الفلاحية مثل الحبوب و الزيتون
أو منتجات بحرية كانت أوربا في حاجة ماسة إليها ، بالاضافة إلى الجلود و الصوف و الدواب . (4)
– تـوفـر الـمـغـرب عـلـى سـواحـل مـمـتـدة مـن الشريط المتوسطي إلى السواحل الأطلسية التي كانت من الضروري الرسوفيها نظرا لطبيعة التجهيزات البحرية التي كانت غير متطورة آنذاك . فتوقف الفنيقيين ببعض الموانىء المغربية و إنشاء القرطاجيين لمحطات على السواحل المغربية و تعرض هذه الأخيرة للاحتلال الايبري يؤكد أهمية هذه السواحل في التجارة الدولية المتوسطية .
و لم تكن اسـتـمـراريـة الـدولـة بـالـمغرب رهينة فقط بارتباطه بالتجارة المتوسطية ؛ بل نتيجة أيضا لتوفر المغرب على ثلاثة مـنـافـذ تـجـاريـة :
– فهناك النافذة المتوسطية
– و النافذة الأطلسية
– و كذا النافذة الصحراوية
و هـذه الـنـوافـذ الـتـجـاريـة الـثـلاثـة مـكـنـت الـدولة الـمـغربية من أن تحافظ على علاقاتها التجارية الخارجية ، و أن تـحـصل عـلى الـفـائـض الـذي يـسـمـح لـها بـالـبـقـاء و الاستمرار. فالـدولـة المـغـربـيـة كانت عبارة عن دولة “بثلاث رئات “؛ كلما عطلت رئة إلا و تنفست من رئة أخرى . و هكذا فعندما احتل الرومان المنطقة الشمالية للمغرب ، تم الانكفاء نـحـو الجـنوب و الـتـبـادل مـع دول جنوب الصحراء. وعندما احتلت إسبانيا الشريط المتوسطي ، سبتة و مليلية ، و احتل البرتغال السواحل الأطلسية بقيت الدولة المغربية تستمد مواردها من تجارة القـوافـل . و لعل هذا المعطى هو الذي يفسر إشارة محمد أركون إلى أن الدولة المغربية قد تـمـتـعـت بأطول استـمـراريـة فـي منـطـقـة شـمـال افـريـقـيا . إذ أن كل الدول التي ظهرت في هذه المنطقة لم تكن تتوفر سوى على واجهتين ( متوسطية و صحراوية ) مثل الدولة التونسية أو الدولة الجزائرية ؛ بل إن الواجهة الـمتوسطية التي كانـت تـعـتـبـر الـرئـة الرئـيسـية لهاتين الدولتين كانت غالبا ما تعطل بفعل الهجومات البـحـريـة الأجـنبـية ( روما، بزنطة،الحروب الصليبية) أو الاكتساحات البدوية مثل نزوح بني هلال و بني سليم إلى المنطقة .
بالاضافة إلى ذلك فإن تأثير هذه الاكتساحات كان بليغا بالنسبة لهاتين الدولتين فالاحتلال الروماني اتخذ طابعا استئصاليا بـالنـسـبة للدولة التونسية ؛ حيث قامت روما بإحراق قرطاج و القضاء على مملكة ماسينسا بينما قام بنو هلال و بنو سليم بـتـخـريب الـدولـة الـتـونـسـيـة و الـجـزائـريـة و ذلـك بـالقـضاء على مدنها الساحلية .
في حين أن الاحـتـلالات الـتي تـوالـت عـلـى المغرب لم تـتـخـذ هـذا الـطـابع الاستئصالي نظرا لأنها كانت تصل إلى المغرب و قد فقدت الكثير من زخمها و عـنـفـوانها نتيجة لـتـواجد هـذا الـبلـد في أقصى المنطقة. و مما كرس أيضا استمرارية الدولة بالمغرب هو تمكنها من الرد على الهجمات الأجنبية و قدرتها على التوسع في المنطقة سواء في عهد بوكوس أو في عهد يوسف بن تاشفين أو في عهد عبد المومن بن على الكومي…وذلك من خلال تحول الدولة المغربية إلى امبراطورية لعبت دورا حاسما و تاريخيا في المنطقة .
ب – العوامل الداخلية
لقد تفاعلت عدة عوامل داخلية لتكريس استمرارية الدولة المغربية ؛ حيث لعبت هذه العوامل ، مبالتوازي مع العوامل الخارجية المذكورة سالفا ، دورا حاسما في الحفاظ على هذه الاستمرارية .
و يمكن تحديد هذه العوامل في :
– الحدود التاريخية
تجدر الاشارة (1) إلى أن المغرب توفر على حدود طبيعية قارة و واضحة ؛ بحيث وجد نفسه محاطا بساحلين بحريين و صحراء في الجنوب و نهر ملوية في الشرق؛ الشيء الذي جعل الدولة المغربية تحصل على حدود سياسية في وقت مـبـكـر . و من المعروف أن الحدود السياسية شكلت عنصرا رئيسيا في بلورة الكيانات السياسية و الحفاظ على استمراريتها . لذا فالدولة المغربية ، انطلاقا من هذه الحدود، استطاعت أن تبلور هويتها و ذلك مـن خــلال الـدفـاع عـن حـدودهـا ، فـنـهـر ملوية كان دائما الحد الفاصل الذي كان يعتبر تجاوزه انتهاكا لحرمة الدولة . ومما يعزز ذلك تبرير بوكوس محاربته للجيوش الرومانية بأنه دفاع عن حدود مملكته . (2)
– الـتـنـظـيـم الـقـبـلـي
أشار جغلول بأننا ” لا نستطيع فهم … تقلبات الدويلات المغربية بمعزل عن علاقاتها بالنظام القبلي “. (3)
فطبيعة النظام القبلي في العالم العربي ،و منطقة شمال افريقيا على الخصوص قد أثرت بلا شك على سـيـرورة الدول و بالأخص عـلـى اسـتـمراريتها . و هكذا فالنظام القبلي في المغرب تميز بعدة خصائص ساهمت بشكل كبير
في استمرارية الدولة المغربية . و تتمثل هذه الخصائص في :
– وجود اتحادات قبلية كبرى مثل مصمودة و صنهاجة و زناتة
– التجانس المعيشي و الفكري لهذه الاتحادات
– تمركز هذه الاتحادات في الطريق التجارية الممتدة من جنوب الصحراء إلى منافذ البحر المتوسط .
و هذه الخصائص جعلت هذا النظام القبلي لا يتعارض مع استمرارية الدولة . فتطعيم الاتحادات القبلية للدولة بقيادات سياسية و عسكرية ، و مصلحة هذه الاتحادات في تأمين الطرق التجارية ، بالاضافة إلى الامتيازات السياسية التي كانت تحصل عليها من الدولة جعلت كل الاتحادات القبلية تتنافس فيما بينها لضمان استمرارية الدولة بالمغرب . وقد فسر جغلول هذه الظاهرة بقوله :
” إن الـحـضـور الـعـام لـلـتنـظـيـم الـقـبـلـي و راء عـملية البناء الحكومي يدل على أن القبيلة و الدولة
بالرغم من تـناقـضهما ليسا متنافيتين . و إذا كان هناك حقا اختلاف فتجدر الإشارة إلى أن التنظيم
القبلي على مستوى معين من تطوره ” … ” يحمل مشروعا حكوميا “. (1)
و بالفعل ، فإن تاريخ المـغـرب يـشـهـد على أن كـل الـعـصـبـيـات الـقبلية التي تداولت على حكم المغرب كانت عصبيات بـانـيـة للدولة و ليست محطمة لها . فكل عصبية كانت تسعى بالأساس إلى إخضاع العصبيات الأخرى و ذلك مـن أجـل الـوصـول إلـى الـسلطة و التحكم في دواليب الدولة . و من ثمة قامت الدولة المغربية منذ نشأتها على أساس قبلي . ورغم ان الأساس كان مصدر عدم استقرار للدولة إلا أنه لم يثبت قط أنه كان عنصر من عناصر تلاشيها أو اضمحلالها .
و هـنـاك عـامـل آخر ساعد هـو أيـضا عـلـى ضـمـان هذه الاستمرارية . و يتمثل هذا العامل في التنافس القبلي المتجدد ؛ بحيث بمجرد ما تضعف عصبية و تشرف على الهرم كانت هناك عصبية أخرى في حالة ترقب ، تقوم بالاجهاز على العـصـبـيـة الآيـلـة للسقوط لتحل محلها و تمنح بذلك دما جديدا للدولة . وقد عبر محمد إقبال عن هذه الصورة من خلال إشـارتـه إلـى أن ” الـتـاريـخ قــد عـلـمـنـا أن الـدولـة التي قـد تـضـعـف من خلال تلويناتها و تجسيداتها المختلفة و المتوالية ، تتجدد باستمرار بفعل القوة المحركة للعصبية “. (1)
– البنية الاقتصادية الداخلية
أشار سمير أمين إلى أن الحياة الزراعية في مختلف الأقطار العربية ، باستثناء مصر ، “بقيت عارضة و التقنيات الزراعـيـة للإنتاج قـلـيـلـة الـتطور، و إنتاجية العمل الزراعي ضعيفة ، و مستوى حياة جمهور المزراعين قريبا مـن الـكـفـاف” . (1) لكن يمكن أن نوسع هذا الاستثناء ليشمل بعض بلدان شمال افريقيا كتونس و المغرب . فهذا الأخير توفر دائما على موارد فلاحية ، من مناخ متوسطي و موارد مائية ، وسهول صالحة للزراعة، أهلته لكي يتمتع ببنية زراعية و رعوية ملائمة .
وقد سمحت هذه البنية من أن تحصل الدولة المغربية على موارد ، و التي إن لم تكن دائما كافية ، إلا أنها كانت تساهم في الـكـثـيـر مـن الأحيان في الحفاظ على استمراريتها . و يتجلى ذلك على الخصوص في أنه في الوقت الذي تشح فيه الموارد المالية الخارجية المستمدة من التبادل التجاري و الغزو ، فإن الدولة المغربية كانت تستطيع الحفاظ على استمراريتها من خلال الاقتصار على الموارد المستحصلة من النشاط الفلاحي (2) . فالنشاط الفلاحي لعب دورا مهما في تأمين موارد الدولة، ليس فقط من خلال تزويدها بالضرائب التي غالبا ما كانت تتخذ شكلا عينيا، و إنما في ضمان استمرارية الكثير من المدن التي كانت مركزا للتجمعات الحرفية و حلقة من حلقات التبادل التجاري سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي .
بالاضافة إلى ذلك ، فالبوادي المغربية ساهمت أيضا في تزويد الدولة المغربية بالخيول و الرجال : الدعامتان
الرئيسيتان لتكوين الأداة العسكرية التي تضمن للدولة هيبتها و استمراريتها . (1)
كما أشار شارل أندريه جوليان إلى أن هناك عاملا آخر ساعد على استمرارية الدولة بالمغرب تمثل على الخصوص في تشبث السكان المستقرين بالسهول بنمط عيشهم ، و ذلك من خلال مواجهتهم لكل محاولات البدو في اكتساح هذه المناطق، محتمين بذلك بجبال الأطلس التي شكلت سدا منيعا أمام هذه الاكتساحات . و قد ساهم تشبث هؤلاء السكان بنمط عيشهم و استقرارهم في السهول في “الـحـفـاظ عـلـى استـمرارية سلطة استطاعت بسهولة فرض طاعتها . ” (2)فالمـواجـهـات الـمستـمـرة بـيـن البـدو الـرحل و المزراعين المستقرين أسفرت ، و بخلاف ماوقع في الجزائر، عن استمرارية الدولة المغربية . (3)



